من خلال ملامحه الصارمة وسيرته المتشعبة، يبدو محمد باقر ذو القدر كواحد من أولئك الرجال الذين صاغتهم التحولات الكبرى في كواليس نظام الملالي في إيران. رجلٌ خرج من هامش المدن الصغيرة، ليجد نفسه بعد عقود في صدارة واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في البلاد: المجلس الأعلى للأمن القومي.
وُلد ذو القدر عام 1954 في مدينة فسا التابعة لمقاطعة شيراز، في بيئة تقليدية لم تكن تنبئ بمسار استثنائي. درس الاقتصاد في جامعة طهران، لكن الأرقام والنظريات لم تكن قدره النهائي. فقد انجذب مبكرًا إلى العمل السياسي السري، وانخرط في صفوف مجموعة “منصورون”، إحدى التنظيمات التي مهّدت لقيام الثورة الإيرانية. هناك، بدأ يتشكل مسار رجلٍ اختار الفعل المباشر، لا التنظير.
شاهد على ولادة النظام الجديد
مع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، لم يكن ذو القدر مجرد شاهد على ولادة النظام الجديد، بل أحد المشاركين في تثبيت دعائمه. لعب دورًا سيء الصيت في البنى الأمنية الناشئة، وساهم مع رفاقه، ومنهم محسن رضائي وأحمد وحيدي، في تشكيل نواة العمل الاستخباراتي داخل الحرس الثوري. كانت تلك المرحلة بمثابة مدرسة قاسية، رسّخت لديه قناعة بأن بقاء النظام يمر عبر القوة القمعية والعمل الأمني العابر للحدود.
خلال الحرب الإيرانية العراقية، برز ذو القدر كأحد القادة الميدانيين المؤثرين. لكنه لم يكتفِ بإدارة الجبهات العسكرية التقليدية، بل انخرط في تأسيس “معسكر رمضان”، الذي أصبح لاحقًا إحدى اللبنات الأساسية لفيلق “القدس” المكلف بـ “تصدير الثورة” في صفوف الحرس الثوري. في هذا المعسكر، تداخل العسكري بالاستخباراتي، وتحوّل العمل العسكري إلى مشروع توسعي إقليمي يستند إلى بناء شبكات من الحلفاء والجماعات المسلحة التابعة لإيران. وكان ذلك إيذانًا بانتقال النظام في إيران من مرحلة الدفاع إلى تصدير النفوذ.
قائد عسكري ولاعب سياسي مؤثر
بعد نهاية الحرب مع العراق، لم يتراجع دور ذو القدر، بل تعاظم. شغل مناصب عليا في الحرس الثوري لمدة ستة عشر عامًا، وتولّى رئاسة هيئة الأركان المشتركة، ثم أصبح نائبًا للقائد العام. في تلك الفترة، لم يكن مُجرد قائد عسكري، بل كان لاعبًا سياسيًا مؤثرًا داخل مؤسسة الحرس الثوري. وشكّل مع شخصيات متشددة، مثل رحيم صفوي ومحمد رضا نقدي، ثلاثيًا صلبًا في مواجهة التيار الإصلاحي، خصوصًا خلال رئاسة محمد خاتمي. وقد ارتبط اسمه بأحداث مفصلية، أبرزها قمع احتجاجات الطلبة عام 1999، والرسالة التهديدية التي وجّهتها قيادة الحرس الثوري آنذاك إلى الرئيس خاتمي.
لكن نفوذ ذو القدر لم يتوقف عند حدود المؤسسة العسكرية. في التسعينيات، ومع تصاعد ما عُرف بعمليات “القتل التسلسلي”، برز اسمه ضمن الدائرة الأمنية الضيقة التي أشرفت على تلك العمليات، في سياق صراع النظام مع معارضيه. وكان ذلك أحد أكثر الفصول إثارة للجدل في مسيرته، حيث تداخل الأمني بالسياسي في مواجهة داخلية دموية ومعقدة.
من الأجهزة الأمنية إلى قلب القرار
مع وصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة، انتقل ذو القدر إلى وزارة الداخلية كنائب للشؤون الأمنية، في خطوة عكست ثقة القيادة العليا به. هناك، لعب دورًا محوريًا في إدارة الملف الأمني الداخلي، والإشراف على آليات التعامل مع الاحتجاجات. إلا أن هذا الدور لم يدم طويلًا، إذ أُبعد بعد عامين نتيجة خلافات سياسية ظرفية.
رغم ذلك، لم يخرج من دائرة النفوذ. انتقل إلى السلطة القضائية، ثم إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، حيث عُيّن أمينًا له عام 2021. وكان ذلك مؤشرًا واضحًا بأن حضوره لم يعد مرتبطًا بمنصب محدد، بل بشبكة علاقات عميقة داخل بنية النظام، وعلى رأسها علاقته الوثيقة بالمرشد علي خامنئي.
في شهر مارس الماضي، بلغ ذو القدر ذروة مسيرته بتعيينه أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، بعد اغتيال علي لاريجاني. لم يكن هذا التعيين مجرد ترقية إدارية، بل تعبيرًا عن توجه أوسع يعكس المرحلة الأخيرة في تصاعد نفوذ الحرس الثوري، بحيث باتت قبضته متحكمة في كل مفاصل الدولة الإيرانية. فالرجل الذي بدأ مسيرته في تنظيم سري، أصبح اليوم أحد أبرز صناع القرار الأمني في البلاد.
شبكة نفوذ عائلية
في حياته الشخصية، تتقاطع السياسة بالعائلة. فزوجته صديقة بيغم حجازي تشغل موقعًا مهمًا في “منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية”، بينما يعمل صهره كاظم غريب آبادي ممثلًا لإيران في الوكالة الدولية للطاقة الذرية. شبكة عائلية تعكس بدورها تشابك السلطة في كواليس النظام.
محمد باقر ذو القدر ليس مجرد مسؤول جديد في موقع حساس، بل هو نتاج مسار طويل من العمل الأمني والعسكري والسياسي. رجلٌ تحوّل من فاعل في الظل إلى واجهة للحرس الثوري في العلن، من دون أن يتخلى عن أسلوبه الصارم أو قناعاته المتشددة. وفي ظل نظامٍ باتت فيه المؤسسة الأمنية (الحرس الثوري) مهيمنة بالكامل، وبالأخص بعد مقتل المرشد علي خامنئي، لم يكن صعود ذو القدر إلى أعلى هرم السلطة الأمنية بالأمر المفاجئ، بل جاء نتيجة منطقية لمسيرة امتدت لعقود، سعى الحرس الثوري من خلالها لبسط سيطرته على جميع مراكز القرار الأمني والسياسي والاقتصادي في إيران.















