بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

اقتصاد دولي

الأسواق تتفاعل مع هدنة واشنطن وطهران وتُعيد تسعير المخاطر: النفط دون 100 دولار والذهب يستعيد بريقه

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

في لحظة مفصلية للأسواق العالمية، أعاد إعلان ترامب وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين رسم خريطة تحركات الأصول المالية، دافعاً المستثمرين لتصحيح أوضاعهم وتسعير المخاطر من جديد بوتيرة سريعة. فبعد أسابيع من التوترات التي غذّت ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة وأثارت مخاوف واسعة بشأن الإمدادات، جاءت الهدنة لتقلب المعادلة.

النفط والغاز يتراجعان بقوة، فيما يصعد الذهب وتنتعش أسواق الأسهم عالمياً بقيادة أوروبا وآسيا والخليج، مع توقعات بمكاسب وزخم استثنائي في الولايات المتحدة.

النفط يتراجع دون 100 دولار

أبرز انعكاسات الهدنة ظهرت في أسواق النفط، حيث تراجع خام برنت 14% إلى نحو 94 دولاراً للبرميل، فيما هبط خام غرب تكساس الوسيط إلى قرابة 95 دولاراً بنسبة 16%. هذا الانخفاض السريع يعكس تلاشي ما يُعرف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي كانت قد دفعت الأسعار إلى ما فوق 100 دولار خلال ذروة التصعيد.

المحرك الأساسي لهذا التراجع هو الاتفاق على إعادة فتح مضيق “هُرمز”، الشريان الحيوي الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومع عودة احتمالات تدفق الإمدادات بشكل طبيعي، أعاد المتعاملون تقييم سيناريوهات النقص الحاد التي كانت تُسعّر سابقاً في السوق.

لكن هذا التصحيح لا يعني نهاية المخاطر. فالسوق لا تزال تحتفظ بهامش من الحذر، وأي تعطّل جديد في الملاحة أو فشل في تثبيت الهدنة قد يرفع الأسعار مجدداً وبسرعة، خصوصاً في ظل هشاشة التوازن الجيوسياسي في المنطقة.

الغاز الأوروبي يهبط بحدة

في أوروبا، كان رد الفعل أكثر حدة، حيث هبطت أسعار الغاز الطبيعي بنحو 20% مع افتتاح التداولات، ليتراجع عقد الغاز الهولندي المرجعي “تي تي إف” إلى نحو 42 يورو. وهو ما يعكس حساسية السوق الأوروبية المفرطة لأي اضطراب محتمل في الإمدادات، خاصة أن القارة تعتمد بشكل كبير على الواردات. ومع تراجع احتمالات تعطل الشحنات عبر الخليج، سارع المتعاملون إلى تفكيك مراكز التحوط التي بنوها خلال فترة التصعيد.

كما أن هذا التراجع قد يحمل آثاراً إيجابية أوسع على الاقتصاد الأوروبي، إذ يخفف الضغوط على تكاليف الطاقة والصناعة، ويمنح البنوك المركزية مساحة أكبر في إدارة السياسة النقدية بعيداً عن صدمات التضخم المرتبطة بالطاقة.

الأسهم العالمية تنتعش مع عودة شهية المخاطرة

في أسواق الأسهم، كان المشهد معاكساً تماماً للطاقة، إذ سجلت المؤشرات في آسيا وأوروبا ارتفاعات جماعية مدفوعة بتراجع المخاطر الجيوسياسية وتحسن توقعات النمو.

كما أشارت العقود الآجلة الأمريكية، ما قبل السوق، إلى افتتاح إيجابي يعكس تحولاً سريعاً في مزاج المستثمرين من الحذر إلى التفاؤل النسبي. ويُنظر إلى تراجع أسعار النفط والغاز كعامل داعم لأسهم الشركات، خصوصاً في القطاعات الصناعية والاستهلاكية، التي تستفيد من انخفاض تكاليف الطاقة.

هذا الانتعاش يمثل أيضاً عودة السيولة إلى الأصول ذات المخاطر، بعد أن كانت قد اتجهت نحو الملاذات الآمنة خلال فترة التصعيد.

الذهب يستعيد بريقه وأسواق الخليج تقفز

على الجانب الآخر، صعد الذهب إلى أعلى مستوياته في ثلاثة أسابيع، عند نحو 4812 دولاراً للأونصة، بارتفاع 2.3%، فيما قفزت العقود الآجلة بنسبة 3% إلى 4820 دولاراً للأونصة. أما بالنسبة للمعادن الأخرى، فارتفع سعر الفضة بنسبة 6.8% إلى 76.9 دولاراً للأونصة، وكذلك البلاتين بنسبة 4.8% إلى 2042.6 دولاراً، وبالمثل البلاديوم، الذي أضاف 4.7% وصولاً إلى 1526 دولاراً.

في الشرق الأوسط، قادت أسواق الخليج موجة الصعود، حيث سجلت بورصة دبي ارتفاعاً حاداً بلغ 8.5%، وهو الأكبر منذ من عشر سنوات، فيما صعد مؤشر أبوظبي بنسبة 3.5%. أداءٌ يعني انحسار المخاطر المباشرة التي كانت تهدد المنطقة، بما في ذلك استهداف البنية التحتية للطاقة والممرات الحيوية. كما استفادت الأسواق من عودة الثقة لدى المستثمرين، خصوصاً في قطاعات العقارات والبنوك التي كانت الأكثر تأثراً بالتقلبات السابقة.

تداعيات أوسع.. وتوقعات مشروطة

أعادت هذه التحركات التوازن الشامل للأسواق العالمية، حيث يجري تفكيك “تسعير الأزمة” الذي ساد خلال الأسابيع الماضية. ليخفف تراجع أسعار الطاقة الضغوط التضخمية، ويدعم النمو، ويعزز أرباح الشركات، في حين يظل الذهب محتفظاً بجاذبيته كأداة تحوط.

لكن الصورة لا تزال غير مكتملة. الهدنة محددة زمنياً بأسبوعين فقط، ما يعني أن الأسواق ستبقى شديدة الحساسية لأي تطورات سياسية أو عسكرية. كما أن بدء المفاوضات بين واشنطن وطهران يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على تحويل التهدئة المؤقتة إلى اتفاق أكثر استدامة.

في المدى القريب، من المرجح أن تستمر حالة “التفاؤل الحذر”، حيث تتحرك الأسواق بين دعم الهدنة ومخاوف انتكاسها. أما على المدى المتوسط، فيعتمد الاتجاه على مسار المفاوضات، واستقرار الملاحة في مضيق “هُرمز”، ومدى التزام الأطراف بخفض التصعيد.