على امتداد ما يقارب عقدين، أعاد بنيامين نتنياهو بناء حضوره السياسي حول “الملف النووي الإيراني” بوصفه تهديداً مركّباً: وجودياً على إسرائيل، ونظامياً على بنية الأمن الدولي. لم تكن هذه المقاربة مجرد خطاب ظرفي، بل تحولت إلى إطار توجيهي لعقيدته الاستراتيجية، يقوم على مزيج من الردع، والضغط الاقتصادي، والدبلوماسية الهجومية، والعمليات غير المعلنة، مع إبقاء خيار القوة العسكرية المباشرة مطروحاً عند استنفاد البدائل.
تجلّى هذا التصور بوضوح في خطابه أمام الأمم المتحدة عام 2012، حين طرح فكرة “الخط الأحمر” لمنع إيران من بلوغ عتبة السلاح النووي. لم يكن ذلك مجرد تحذير بلاغي، بل محاولة لإعادة تعريف سقف المقبول دولياً، ودفع الفاعلين الغربيين نحو تبنّي مقاربة أكثر صرامة. بهذه الصياغة، تحوّل البرنامج النووي الإيراني إلى مسألة ردع سياسي وأمني مفتوح، أكثر من كونه ملفاً فنياً يتعلق بالتخصيب والمخزون وأجهزة الطرد المركزي.
غير أن المسار الخطابي لنتنياهو لم يتطابق دائماً مع التقديرات الاستخباراتية الغربية أو مع تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ففي حين أشارت تقديرات أمريكية معلنة عام 2007 إلى أن طهران أوقفت برنامج السلاح النووي بصيغته العسكرية عام 2003، مع الاحتفاظ بقدرة كامنة على الاستئناف، تبنّى نتنياهو فرضية مغايرة: برنامج مستمر بشكل مجزّأ ومموّه، يستخدم المفاوضات كأداة لكسب الوقت وإدارة الضغوط. هذا التباعد لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل أحد مفاتيح التوتر بين إسرائيل وبعض شركائها الغربيين حول تعريف “الإلحاح” وحدود “الضرورة”.
من السردية إلى العقيدة
بداية المرحلة المرجعية عام 2006 لا تمثل انطلاق اهتمام نتنياهو بالملف الإيراني بقدر ما تعكس تحوّلاً في موقعه السياسي: من زعيم معارضة إلى فاعل يسعى إلى تأسيس سردية أمنية طويلة الأمد. ومع عودته لاحقاً إلى رئاسة الحكومة واستمراره فيها، جرى تثبيت إيران بوصفها التهديد المركزي الذي يُبرّر حُزمة مُتكاملة من السياسات: تشديد العقوبات، رفض التسويات التي تُصوَّر على أنها “ناقصة”، والإبقاء على خيار الضربة العسكرية كأداة ردع قصوى.
أعاد نتنياهو صياغة النقاش النووي في قالب سياسي مبسّط وقابل للتعبئة. “الخط الأحمر” لم يكن مجرد رسم بياني أو تعبير دعائي، بل تلخيصاً لعقيدة كاملة: لا ينبغي انتظار اكتمال التهديد، بل يجب بناء ردع مسبق يمنع الخصم من الوصول إلى العتبة. وقد بلغ هذا المسار ذروته سياسياً عام 2015 حين نقل نتنياهو المواجهة إلى داخل الكونغرس الأمريكي، في خطاب مثّل تحدياً مباشراً لإدارة باراك أوباما. حينها، لم يعد الخلاف تقنياً حول بنود اتفاق، بل صراعاً أوسع حول تعريف الأمن المقبول: هل يُدار عبر اتفاق يُقيّد البرنامج، أم عبر ضغط دائم يمنع تثبيته كأمر واقع؟
من الردع الوقائي إلى حرب الظل
عملياً، لم تتوقف هذه المقاربة عند حدود الخطاب. فمنذ أواخر العقد الأول من الألفية، أخذت تتبلور بنية عملياتية تستند إلى فكرة “الإبطاء دون الحسم”. في هذه المرحلة، برزت العمليات السيبرانية كأداة نموذجية لهذا النهج. الهجوم المعروف باسم “ستوكسنت”، والذي نُسب في تحقيقات تقنية وإعلامية إلى تعاون أمريكي–إسرائيلي دون تبنٍ رسمي مباشر، استهدف أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز. التقديرات التحليلية رجّحت أنه أدى إلى تعطيل عدد ملحوظ من الأجهزة، بما يعكس منطق التأخير والإرجاع لا التدمير الكامل.
بالتوازي، شهدت الفترة نفسها موجة اغتيالات استهدفت علماء مرتبطين بالبرنامج النووي. إيران وجّهت اتهامات مباشرة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، في حين غاب الاعتراف الرسمي. هذه العمليات، بصرف النظر عن الفاعل النهائي، أدخلت عنصر “الاستنزاف البشري” إلى معادلة الردع، كما ساهمت في رفع منسوب العسكرة الأمنية داخل إيران.
لاحقاً، ومع عرض ما سُمّي “الأرشيف النووي” عام 2018، انتقل جزء من العمل الاستخباراتي إلى العلن. لم تكن الغاية هنا إيقاع ضرر تقني مباشر بالبرنامج، إنما إعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة به: تقويض شرعية الاتفاق النووي، وتعزيز سردية أن إيران أخفت أبعاداً عسكرية سابقة من برنامجها. بذلك، أصبح الاستخباراتي جزءاً من المعركة الدبلوماسية، لا مجرد مقدمة لها.
حدود الإبطاء ومفارقة “الأثر العكسي”
بين 2020 و2021، تكثّفت عمليات التخريب في منشآت نووية، خصوصاً في نطنز. حوادث الحريق والانفجار وانقطاع الكهرباء، التي ربطتها تقارير إعلامية بعمليات تخريب محتملة، عكست استمرار “حرب الظل” بوصفها بديلاً عن الحرب المفتوحة. لكن هذه المرحلة كشفت أيضاً حدود هذا النهج. فبعد إحدى هذه العمليات عام 2021، أعلنت إيران رفع نسبة التخصيب إلى 60%، في مثال واضح على ما يمكن تسميته “الأثر العكسي للردع غير المباشر”: الضربة التي تستهدف التأخير قد تدفع في المقابل إلى تسريع بعض المسارات التقنية والسياسية لدى الطرف المستهدف.
في الوقت نفسه، شهدت المنظومة الرقابية تآكلاً تدريجياً. إذ أضعف التوتر حول معدات المراقبة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما في ذلك تعطّل كاميرات أو نقص البيانات، ما يُعرف بـ”استمرارية المعرفة”، أي قدرة الوكالة على تتبّع تطور البرنامج زمنياً بصورة متصلة. وهذه مسألة تبدو تقنية ظاهرياً، لكنها استراتيجية عملياً: كلما تراجعت الشفافية، ارتفع هامش الخطأ في التقدير، وتقلصت القدرة على التمييز بين الإبطاء الفعلي والتغيير غير المرصود.
من الإرجاع السري إلى الضرب المباشر
عام 2025 مثّل نقطة تحوّل حادة. فمن جهة، انتقلت دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة إلى محاولة إعادة تفعيل آليات العقوبات، في مؤشر على تآكل الإطار التفاوضي. ومن جهة أخرى، ظهرت تقارير عن ضربات عسكرية مباشرة استهدفت منشآت نووية إيرانية، أعقبتها ضربات أمريكية على مواقع إضافية. بهذا الانتقال، لم يعد الصراع يدار فقط عبر التخريب المحدود أو الضغط المتدرّج، بل دخل مرحلة أقرب إلى الاشتباك شبه المفتوح.
هذا التحول لم يُبدّل مستوى العنف فقط، بل غيّر قواعد الاشتباك ذاتها. فمن عمليات يمكن إنكارها أو احتواؤها نسبياً، انتقل الملف إلى أفعال ذات تبعات قانونية وأمنية دولية واضحة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمنشآت نووية خاضعة لنظام ضمانات. النتيجة المباشرة لذلك كانت تراجع قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على العمل داخل إيران، مع سحب مفتشين وتعليق بعض أنشطة التحقق، إضافة إلى خطوات إيرانية لتقليص التعاون.
هنا يدخل الملف مرحلة يمكن وصفها بـ”العتمة النووية”، أي تراجع الشفافية، ارتفاع عدم اليقين، وتزايد اعتماد التقديرات على معلومات غير مكتملة. وبحلول فبراير 2026، تشير التقارير إلى تصعيد إضافي ضمن سياق مواجهة أوسع، ما يعكس تحوّلاً في جوهر المقاربة: من استراتيجية تقوم على تأخير البرنامج وإبقائه تحت العتبة، إلى واقع تتداخل فيه الضربات المباشرة مع مخاطر الانفلات الإقليمي.
نهجٌ تصاعدي بكلفة متنامية
ما تكشفه هذه المسيرة ليس مجرد تشدد ثابت في خطاب نتنياهو، بل نهجاً تراكمياً: يبدأ بردع خطابي، يتعزز بأدوات سرية، ثم ينفتح تدريجياً على خيارات أكثر صداماً. لكن المفارقة الأساسية أن كل تصعيد في أدوات المنع ترافق مع تآكل الأدوات التي تسمح بقياس نجاحه، وهي آليات التحقق، قنوات التفاوض، وحدود العمليات غير المعلنة.
بهذا المعنى، لم تعد المسألة محصورة في سؤال ما إذا كانت هذه السياسة قد أخّرت البرنامج الإيراني أم لا، بل في الكلفة التي ترتبت على الانتقال من منطق “المنع الوقائي” إلى حافة الانكشاف العسكري. فكلما اقتربت المقاربة من الضرب المباشر، تقلّص هامش الضبط، واتسعت احتمالات سوء الحسابات، وتراجع الفرق بين إدارة التهديد وإعادة إنتاجه في صورة أكثر خطورةً.















