في 28 فبراير/شباط 2026، لم يُغلق مضيق “هُرمز” رسمياً، لكن تحولاً أكثر دقة بدأ يتشكل، تمثّل في تآكل قابلية العبور نفسها. منذ ذلك الوقت، انتقل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم من كونه “ممراً مفتوحاً تحت ضغط” إلى بيئة تشغيل مشروطة، لم يعد فيها الخطر يُقاس بعدد الصواريخ فحسب، بل بقدرة السفن على التأمين، والعبور، والوصول دون تكبد خسائر كبيرة.
لم يعد السؤال: هل سيُغلق المضيق؟ بل أصبح: هل لا يزال بالإمكان استخدامه بالوتيرة والموثوقية المعتادتين؟ منذ نهاية فبراير/شباط الماضي، لم يكن المشهد في مضيق “هُرمز” تصعيداً مفاجئاً بقدر ما كان انزلاقاً تدريجياً نحو تعطّل تشغيلي.
الملاحة البحرية.. بين السلوك والانسيابية
بدأت الأزمة مع تصاعد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لكن الإشارة الحاسمة لم تأتِ من التصريحات، بل من سلوك الملاحة نفسه.
في الأيام الأولى من مارس/آذار، انتظرت بعض ناقلات النفط ما يصل إلى 72 ساعة لعبور لا يستغرق عادة سوى ساعات في إشارة مبكرة إلى أن الممر بدأ يفقد انسيابيته قبل أن يفقد انفتاحه.
بالتوازي، أفادت تقارير بارتفاع حاد في أقساط مخاطر الحرب (War Risk Premiums) على ناقلات النفط في الخليج العربي، إلى جانب تقييد بعض التغطيات المرتبطة بهذه المخاطر، ما دفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم قرارات العبور فوراً. ولم تكن هذه مجرد تقلبات.
ومع تزايد التحذيرات وتسجيل أضرار محدودة في بعض السفن، أعادت سوق لويدز في لندن (Lloyd’s of London) وشركات تأمين رئيسية تسعير المخاطر التأمينية بشروط أكثر صرامة. وخلال أيام، تراكمت السفن بانتظار وضوح المشهد، وارتفعت أسعار النفط بنحو 9%، وبدأت حركة الملاحة تفقد انسيابها تدريجياً.
مع مرور الأيام خلال الشهر الماضي وفي الأيام الأولى من أبريل/نيسان الجاري، باتت الحركة البحرية “شبه مشلولة”. الممر لا يزال مفتوحاً نظرياً، لكنه بطيء ومكلف ومحفوف بعدم اليقين.
القدرة على التنبؤ
لا تبدأ هذه المعادلة من الصواريخ بقدر ما تبدأ من التأمين. التصعيد العسكري لا يرفع فقط احتمال الخسارة، بل يضرب عنصراً أكثر حساسية: القدرة على التنبؤ بطبيعة هذه الخسارة.
لم يعد السؤال مقتصراً على وقوع هجوم مباشر، بل اتسع ليشمل سيناريوهات متعددة، من الألغام البحرية إلى التشويش الملاحي أو حتى حوادث الاصطدام الناتجة عن اضطراب الإشارات.
يكفي أن يصبح الخطر “غير قابل للتحديد” حتى يتغير سلوك التسعير بالكامل. عند هذه النقطة، تتحول شركات التأمين من تسعير حادثة محتملة إلى تسعير هشاشة البيئة التشغيلية.
وتظهر النتيجة كسلسلة مترابطة: إعادة تقييم فورية للمخاطر، ارتفاع حاد في أقساط مخاطر الحرب، فرض شروط أكثر انتقائية على التغطية، ثم انتقال الكلفة تدريجياً من شركات التأمين إلى مالكي السفن، ومنها إلى مستأجري الناقلات، وصولاً إلى كلفة نقل النفط نفسها. إنها سلسلة واضحة… لكنها متسارعة.
كيف انتقلت الصدمة إلى الأسواق؟
لم تنشأ الصدمة من توقف تدفق النفط، بل من ارتفاع كُلف نقله وتأمينه. ولتبسيط الصورة: زيادة بنسبة 0.5% فقط على ناقلة تبلغ قيمتها 130 مليون دولار تعني أكثر من 650 ألف دولار إضافية لكل رحلة.
لكن ما حدث في مارس/آذار 2026 تجاوز ذلك بكثير، إذ أشارت تقارير إلى أن أقساط التأمين قفزت إلى عدة أضعاف مستوياتها المعتادة، في استجابة مباشرة لتزايد المخاطر وصعوبة تسعيرها.
وهكذا، لم يعد النفط يُسعّر فقط وفق العرض والطلب، بل أصبح يحمل معه ثلاث طبقات إضافية من الكلفة: كلف عبور مرتفعة، علاوة خطر، وهامش واسع من عدم اليقين. الممر لم يتوقف، لكن فاتورة استخدامه تغيّرت.
المفارقة الأساسية
لم يُغلق مضيق “هُرمز” فعلياً، لكن سلوك السوق عكس واقعاً مختلفاً، وكأنه خرج جزئياً من الخدمة. يمكن توصيف هذا الوضع بأنه تعطّل تأميني–تشغيلي دون إغلاق سيادي. الدولة لم تفرض قيوداً رسمية على العبور، إلا أن السوق، بفعل ارتفاع المخاطر وعدم اليقين، لم تعد قادرة على التعامل مع الممر كمسار طبيعي ومستقر. بمعنى أدق، لم يتوقف العبور بقرار سياسي… بل تعثّر بفعل كلفته.
الحديث عمّا يُعرف بـ”حرب الظل”، سواء عبر تهديدات سيبرانية أو تشويش في أنظمة الملاحة، يفسر جزءاً من المشهد… لكنه قد يكون أيضاً مبالغة مريحة. فالسوق لم تكن بحاجة إلى تهديد خفي معقّد لتفسير سلوكها؛ يكفي وجود بيئة متعددة المخاطر، متغيرة، يصعب قياسها بدقة، حتى تبدأ عملية إعادة التسعير.
الأرجح أن ما جرى تسعيره لم يكن نوعاً محدداً من التهديد، بل تراكبها جميعاً. الخطر هنا ليس في طبيعته… بل في غموضه.
الفرضية البديلة
ربما لم تُخطئ السوق في تقدير الخطر، بل سبقت الواقع. فهي في هذه البيئات، لا تنتظر وقوع الحدث، بل تعيد التسعير بناءً على احتماله. والأضرار المحدودة لا تنفي وجود المخاطر، بل قد تكون مؤشراً مبكراً عليها. السؤال إذن، هل كان الرد مبالغاً فيه، أم استباقياً أكثر من اللازم؟
المؤشر الحاسم لا يتمثل في عدد السفن، بل في سلوك قطاع التأمين. إذا تراجعت الأقساط سريعاً وعادت التغطيات، فهذا اضطراب مؤقت. أما إذا بقيت مرتفعة ومعقدة، فهذا يعني أن المضيق دخل مرحلة جديدة منذ مارس 2026.
يمكن القول إن “هُرمز” لم يُغلق… لكنه فقد شيئاً أهم، وهو اليقين.















