أكد وزراء المالية والطاقة في مجموعة السبع استعدادهم لاتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لضمان استقرار سوق الطاقة، في إطار جهودهم لمواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لا سيما بعد اضطراب أحد أهم شرايين الإمداد العالمية مضيق “هُرمز”.
بينما تسعى القوى الصناعية الكبرى لاحتواء الصدمة، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن العالم قد يكون أمام موجة جديدة من التضخم وتباطؤ النمو، ما يعيد إلى الواجهة شبح الأزمات المركبة.
اللافت في الاجتماع أنه ضمّ وزراء المالية والطاقة معاً، للمرة الأولى منذ نحو 50 عاماً، بما يعكس الترابط العميق بين أسعار الطاقة والاستقرار المالي. التضخم، والسيولة، وأسعار الفائدة باتت جميعها رهينة لتقلبات سوق الطاقة.
تحرك عاجل لاحتواء الصدمة
يأتي هذا التحرك في أعقاب الضربات الجوية التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ نهاية فبراير الماضي، والتي تبعتها ردود إيرانية استهدفت منشآت الطاقة في المنطقة وأثرت على تدفق الشحنات نسبياً عبر الخليج العربي، ما تسبب في نقص حاد في الإمدادات وارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، مع تداعيات مباشرة على سلاسل التوريد في عدد من القطاعات.
ودعا الوزراء جميع الدول إلى الامتناع عن فرض قيود غير مبررة على صادرات المحروقات والمنتجات المرتبطة بها، في محاولة للحد من تفاقم الأزمة. وقالوا في بيان مشترك: “نحن على أتم الاستعداد لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة والحفاظ على استقرار وأمن سوق الطاقة بالتنسيق مع شركائنا، للتخفيف من التداعيات وحماية استقرار الاقتصاد الكلي”. متعهدين بمتابعة التطورات وتأثيراتها المحتملة على النمو العالمي وأوضاع الأسواق المالية.
كانت دول مجموعة السبع قد لوّحت في وقت سابق باستخدام أدوات الطوارئ، بما في ذلك السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط، وهو ما بدأ تنفيذه بالفعل عبر وكالة الطاقة الدولية التي أعلنت ضخ نحو 400 مليون برميل من احتياطيات الدول الأعضاء لتهدئة الأسواق.
صندوق النقد: صدمة غير متكافئة تهدد التعافي
في تقييم أكثر شمولاً، أوضح صندوق النقد الدولي أن الحرب تمثل “صدمة عالمية غير متكافئة”، تضرب الاقتصادات بدرجات متفاوتة، لكنها تتقاطع جميعاً عند نتيجتين أساسيتين: ارتفاع معدلات التضخم، وتباطؤ النمو الاقتصادي. وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن إغلاق مضيق “هُرمز” وتضرر البنية التحتية للطاقة ساهما في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية.
كما أوضح الصندوق أن الأمن الغذائي عرضة للخطر في الدول منخفضة الدخل أكثر من غيرها، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وبأن هذه الدول قد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلص فيه كثير من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية. وأضاف، أنه في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، سيتأجج التضخم عالمياً، لافتاً إلى أن التاريخ يؤكد على أن الارتفاعات المستمرة في أسعار النفط تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. ما قد يدفع إلى زيادات في الأجور ويُصعّب احتواء الأزمة دون تباطؤ اقتصادي حاد.
اقتصادات تحت الضغط وأخرى أكثر مرونة
رغم وحدة الخطاب داخل مجموعة السبع، فإن التأثيرات الاقتصادية للأزمة تختلف بشكل واضح بين الأعضاء. الدول الأوروبية، مثل فرنسا، تواجه ضغوطاً تضخمية حادة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، في حين تعاني اقتصادات آسيوية من تحديات أكبر نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة. وهذا ما أشار إليه وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي رولان ليسكور.
أما الولايات المتحدة، فتعتمد جزئياً على إنتاجها المحلي من النفط الصخري، ما يمنحها هامشاً نسبياً من المرونة، لكنه لا يعزلها عن تقلبات السوق العالمية، خاصة في ظل ترابط الأسعار. ليفسر هذا التفاوت اختلاف السياسات والاستجابات، ويعقد مهمة تنسيق رد عالمي موحد، رغم الإجماع الظاهري.
تُعيد الأزمة الحالية إلى الأذهان سيناريوهات ما بعد جائحة “كورونا”، حيث تداخلت صدمات العرض مع اختناقات سلاسل التوريد، لتنتج موجة تضخمية عالمية. فارتفاع أسعار الطاقة لا يؤثر فقط بشكل مباشر على تكاليف الوقود، بل يمتد إلى تكاليف النقل والشحن، وأسعار المواد الغذائية، وتكاليف الإنتاج الصناعي.
هذا التأثير المتسلسل يخلق ما يُعرف بـ “التضخم المدفوع بالتكاليف”، وهو من أصعب أنواع التضخم من حيث المعالجة، لأنه يرتبط بعوامل خارج سيطرة السياسات النقدية التقليدية.
اختبار جديد لقدرة النظام الاقتصادي العالمي
الحقيقة الواضحة اليوم أن أمن الطاقة لم يعد مسألة قطاعية، بل أصبح عنصراً محورياً في الاستقرار الاقتصادي العالمي، وبأن الترابط بين الجغرافيا السياسية والأسواق المالية بلغ مستويات غير مسبوقة.
تحرك مجموعة السبع يعكس وعياً بحجم المخاطر، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على محدودية الأدوات المتاحة في مواجهة صدمات خارجية معقدة. وفي ظل هذا المشهد، يبقى الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة من النمو والتضخم وإعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية، ناهيك عن مدى قدرة الأسواق والسياسات على امتصاص الصدمة.















