بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

مقالات مشابهة

عصر المرشد (3-3)

الأذرع التي أكلت المركز: كيف انتهى مشروع علي خامنئي إلى إنهاك إيران وصراع الورثة

بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

لم يكن عصر خامنئي مجرد مرحلة حكم، بل منظومة قوة كاملة امتدت من الداخل إلى الإقليم. واليوم، بعد انكشاف حدود تلك المنظومة، تبدو إيران أمام نتيجة ثلاثية واضحة: نفوذ يتراجع في الخارج، وضغط اقتصادي يتفاقم في الداخل، وصراع مكتوم يتشكل حول لحظة الوراثة.

في هذا السياق، لا يُقرأ غياب المرشد بوصفه نهاية رجل، بل لحظة اختبار لبنية سياسية وأمنية بُنيت على مدى 35 عاماً. الجمهورية التي صاغها حول عقيدة الردع تواجه الآن سؤالاً مختلفاً: ماذا تبقى من مشروع استنزف موارد الدولة وشرعيتها، وما شكل التوازن الذي سيحكمها بعده؟

إذا كانت الحلقة الأولى قد شرحت كيف صُنعت “دولة المرشد”، والثانية كيف حُوّل النووي والأذرع إلى عقيدة ردع، فإن هذه الحلقة الأخيرة تنطلق من  حقيقة أكثر قسوة: المشروع الذي صُمم لحماية النظام بدأ، في سنواته الأخيرة، يستهلك النظام نفسه.

حين بدأ الردع يفقد جغرافيته

على مدى عقود، بنى خامنئي شبكة نفوذ إقليمية جعلت من إيران لاعباً يتجاوز حدوده المباشرة. لكن هذه الشبكة لم تدخل مرحلة التراجع دفعة واحدة، بل بدأت تتآكل حلقة بعد أخرى. وُصف سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024 بأنه حدث حطّم شبكة النفوذ الإيرانية في الشرق الأوسط، لأن سورية لم تكن مجرد حليف، بل ممراً استراتيجياً بين طهران وبيروت، وحلقة ربط لوجستي وسياسي وعسكري في قلب ما عُرف بمحور المقاومة. 

بعد السقوط، تضاعف الضغط على بقية الأذرع. ضعف النفوذ الإقليمي الإيراني بفعل الخسائر الكبيرة التي أصابت جماعات مدعومة من طهران، في مقدمتها حزب الله وحماس. 

الأهم أن “الأذرع” لم تعد تؤدي الوظيفة نفسها التي أنشئت من أجلها. فقد كان المقصود منها، في عقل خامنئي، أن تجعل أي مواجهة مع إيران مكلفة ومفتوحة على جبهات متعددة.  لكن في 2025، امتنع حزب الله، الذي مثّل لسنوات جوهرة الردع الإيرانية على حدود إسرائيل، عن فتح جبهة جديدة بعد الضربات على إيران، وبحث داخلياً في احتمال تقليص جزء من ترسانته تحت ضغط الحرب والخسائر. 

عندما تصل إحدى أهم أدوات الردع إلى لحظة تفكر فيها بالتخفف من سلاحها بدلاً من توسيع استخدامه، فهذا يعني أن المنظومة لم تعد تعمل بالكفاءة التي خُطط لها. لم تفقد إيران أدواتها دفعة واحدة، لكنها فقدت تماسك منظومتها. بقي الحوثيون، وبقيت جماعات عراقية مسلحة، وبقيت القدرة على الإزعاج والتهديد، لكن الوزن الاستراتيجي لهذه الأدوات تراجع بعد سقوط الأسد، وإنهاك حزب الله، والضربات التي أضعفت البنية العسكرية الإيرانية خلال حرب 2025. هكذا بدأت الجغرافيا التي أُريد لها أن تكون درعاً متقدماً تتحول إلى مساحات استنزاف.

الداخل يدفع فاتورة الخارج

جاء هذا التراجع في لحظة كانت فيها إيران نفسها تدخل أحد أسوأ أطوارها الاقتصادية والاجتماعية. ففي يناير 2026، وصفت التقارير الوضع بأنه “أزمة شرعية” في قلب الجمهورية الإسلامية، وقالت إن المتظاهرين صاروا يرددون أن السياسة الخارجية العدوانية “لا تساعدهم”. ونقلت أخرى بأن التضخم الرسمي بلغ نحو 42.5% إلى 43%، وأن الريال فقد نحو نصف قيمته خلال عام واحد، حتى أصبح الدولار يساوي نحو 1.5 مليون ريال في السوق الموازية، بينما قادت الأزمة إلى احتجاجات بدأت من الاقتصاد ثم تحولت سريعاً إلى سياسة صريحة ضد النظام والمرشد نفسه.

اللافت أن الغضب لم يعد محصوراً في الطبقات المهمشة أو الطلاب، بل امتد إلى البازار، أحد الأعمدة التاريخية لثورة عام 1979 ومن البيئات التقليدية الداعمة للنظام. فتجار السوق في طهران انقلبوا على السلطة بسبب تقلب الأسعار، وانكماش النفوذ الاقتصادي التقليدي لهم، وهيمنة الحرس الثوري على قطاعات استراتيجية من التجارة والطاقة والنقل. وحين تبدأ القاعدة التجارية المحافظة في التمرد، لا يعود الأمر مجرد موجة احتجاجات اجتماعية، بل يصبح تصدعاً في العقد السياسي-الاقتصادي الذي عاش عليه النظام لعقود.

هنا ينقلب مشروع خامنئي على الداخل. العقوبات المرتبطة بالنووي والسياسات الإقليمية لم تضغط فقط على الدولة فحسب، بل أسهمت في توسيع اقتصاد موازٍ يسيطر عليه الحرس وشبكات التهريب والواجهات التجارية. ووفق تحقيقات صحفية، بسط الحرس الثوري سيطرته على ما يصل إلى 50% من صادرات النفط الإيرانية، ارتفاعاً من نحو 20% قبل ثلاث سنوات، ما أتاح له تأمين مليارات الدولارات لطهران وحلفائها الإقليميين. بعبارة أخرى، فإن اقتصاد “المقاومة” لم يحمِ الداخل بقدر ما أنتج أرستقراطية أمنية ازداد وزنها كلما ضعفت الدولة الرسمية.

المفارقة التي تختصر عصر خامنئي كله: كلما توسعت إيران في الخارج باسم الأمن القومي والردع، ازدادت هشاشتها في الداخل اقتصادياً واجتماعياً. وما دام الحرس هو المستفيد الأكبر من اقتصاد العقوبات ومن شبكات التهريب ومن تمويل الوكلاء، فإن أي تراجع في المشروع الإقليمي لا يفضي تلقائياً إلى انفتاح سياسي، بل قد يدفع بالعكس نحو مزيد من العسكرة والانغلاق داخل مركز الحكم نفسه. وهذا ما يجعل لحظة ما بعد خامنئي شديدة الحساسية.

ما بعد المرشد: النص شيء وموازين القوة شيء آخر

دستورياً، تبدو آلية الخلافة واضحة. فالمادة 107 تجعل مجلس خبراء القيادة الجهة المخولة باختيار المرشد، فيما تنص المادة 111 على أنه في حال وفاة القائد أو استقالته أو عزله، يتعين على الخبراء اتخاذ الخطوات اللازمة “في أقصر وقت ممكن” لتعيين قائد جديد. وخلال الفترة الانتقالية، يتولى مجلس مؤقت من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وفقيه من مجلس صيانة الدستور يختاره مجمع تشخيص مصلحة النظام، ممارسة مهام القيادة إلى حين اختيار المرشد الجديد. هذه هي الخريطة الرسمية للانتقال.

لكن الجمهورية الإسلامية لا تُحكم بالنص وحده. خامنئي لم يكن قد أعلن علناً اسم خليفة له، وأن المسار الفعلي للخلافة كان قد دخل منذ 2025 مرحلة متقدمة عبر لجنة من ثلاثة أعضاء داخل مجلس الخبراء سرّعت عملها مع تصاعد التهديدات. وبرز اسمان في النقاشات: مجتبى خامنئي، ابن المرشد المعروف بعلاقاته الوثيقة بالحرس وخلفيته المتشددة، وحسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، الذي يُنظر إليه على أنه أكثر قبولاً لدى بعض الدوائر الأقل تشدداً. كما أن اختيار شخصية أقل شهرة يظل احتمالاً قائماً ومخرجاً توافقياً.

غير أن الثقل الفعلي في هذه اللحظة لا يكمن فقط في أسماء الفقهاء، بل في موقع الحرس الثوري داخل معادلة الخلافة. أشارت تقييمات لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وُضعت قبل الضربات الأخيرة، بأن خامنئي إذا قُتل فقد يخلفه عناصر متشددة من الحرس الثوري، أو على الأقل يفرض الحرس شكل الانتقال واتجاهه. وهذه نقطة مركزية: حتى لو خرج المرشد الجديد من مجلس الخبراء ووفق النص الدستوري، فإن السؤال الحاسم سيكون، أي مؤسسة صاغت هذا الاختيار، الدينية أم الأمنية؟

وتزداد حساسية هذه النقطة مع تزايد دور مجتبى خامنئي في السنوات الأخيرة بوصفه حلقة وصل بين الفصائل والأجهزة والشخصيات المتنافسة، وبناءه علاقات وثيقة مع الحرس، ما منحه نفوذاً يتجاوز موقعه غير الرسمي. لذلك فإن أحد السيناريوهات الأكثر ترجيحاً ليس انتقالاً إصلاحياً سريعاً، بل إعادة تركيب للنظام بوجه أكثر أمنية: مرشد جديد، ربما أقل حضوراً من خامنئي، لكنه أكثر اعتماداً على الحرس وأقل احتمالاً للمجازفة بانفتاح واسع. هذا استنتاج تحليلي، يستند إلى اتجاهات في بنية القوة الحالية.

هل يفتح الغياب باب التحول؟

رغم ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال أن تدفع الأزمة المزدوجة، تراجع النفوذ الخارجي والانفجار الاجتماعي الداخلي، بعض دوائر النظام إلى البحث عن شخصية أكثر قدرة على امتصاص الغضب وفتح قنوات تهدئة مع الخارج. وجود حسن الخميني في قائمة الأسماء المتداولة يعكس أن هذا الخيار لم يكن غائباً تماماً عن النقاش قبل مقتل خامنئي.

لكن معادلة القوة الحالية لا تبدو في صالح انتقال مرن وسريع؛ فالمؤسسة التي راكمت النفوذ تحت العقوبات والحصار والحروب، ليست المؤسسة المدنية أو الإصلاحية، بل الأمنية. لذلك فإن الشكل الأرجح للجمهورية بعد خامنئي لن يكون قطيعة مع إرثه، بل نسخة أكثر خشونة من هذا الإرث، ما لم يفرض الإنهاك الداخلي شيئاً آخر.

لم يترك خامنئي دولة متماسكة بقدر ما ترك دولة قوية في أدوات الردع، ومجروحة في بنيتها الداخلية. بنى الردع خارج الحدود، لكنه فعل ذلك بكلفة أضعفت العملة والاقتصاد والمجتمع وقلّصت السياسة. وعند لحظة الغياب، لم يعد السؤال من يخلفه فقط، بل أي إيران سيخلفها: إيران المرشد، أم إيران الحرس، أم إيران المنهكة من كلفة الجمهورية نفسها.