رحلت تمار بن عمي، المعروفة في أدبيات المقاومة الفلسطينية باسم “ريتا”، بهدوء في برلين، عن عمر ناهز 79 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض. برحيلها يُطوى فصل إنساني شديد الخصوصية من سيرة الشاعر محمود درويش، ويُفتح باب واسع للتأمل في العلاقة المُعقدة بين السيرة الشخصية والرمز الشعري، بين الحبّ كحكاية فردية، والوطن كقدر جماعي.
لم تكن ريتا اسماً عابراً في قصيدة، بل وجهاً حقيقياً، وامرأة عاشت بين حيفا وبرلين، وحملت في قلبها ذكرى شاعرٍ أصبح لاحقاً صوت فلسطين الأكثر حضوراً في القرن العشرين.
تيار كهربائي في حيفا
تعود الحكاية إلى عام 1963، في مدينة حيفا. كان درويش يافعاً في بداياته الشعرية، وكانت تمار بن عمي شابة يهودية تشارك في فرقة رقص شعبي. التقيا في أمسية ثقافية، كما لو أن الأدب اختار أن يختبر حدوده في تلك اللحظة.
وصفت ريتا ذلك اللقاء لاحقاً بـ “التيار الكهربائي”. حُبّ من النظرة الأولى، في زمن لم يكن يسمح لقصة كهذه أن تعيش طويلاً. كانت تلك الحقبة مشبعة بتوترات سياسية عميقة داخل فلسطين. الهوية لم تكن مجرد انتماء ثقافي، بل خط تماس. ومع ذلك، اختار الشاعر أن يرى في عيني تلك الفتاة ما يتجاوز الأسلاك الشائكة.
كان حباً ممكناً في القلب، مستحيلاً في الجغرافيا، وفي السياسة أيضاً، التي وضعت تشعباتها سريعاً العلاقة أمام امتحانها الأصعب، وهو تجنيد ريتا في الجيش. عندها لم يعد الصراع خارجياً فقط، بل بات جزءاً من تفاصيل العلاقة نفسها.
القصيدة التي صارت وطناً للحب المستحيل
من هذا التمزق ولدت قصيدة “ريتا والبندقية”. كتبها درويش لا بوصفها مرثية لعلاقة عاطفية، بل بياناً شعرياً عن استحالة الجمع بين الحب والواقع السياسي:
“بين ريتا وعيوني بندقية
والذي يعرف ريتا ينحني
ويصلي لإلهٍ في العيون العسلية”
تحولت هذه القصيدة إلى أيقونة في الشعر العربي الحديث، وتكرّس حضورها أكثر حين غنّاها مارسيل خليفة، فخرجت من الديوان إلى الذاكرة الجمعية، وصار اسم “ريتا” مُرادفاً للحب المُحاصر، وللعينين العسليتين اللتين وقفت بينهما بندقية. لم يكن الجمهور العربي يعرف آنذاك أن ريتا شخصية حقيقية. ظلَّ الاسم مُحاطاً بهالة من الرمز، كأنه استعارة كبرى. لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيداً: إنها قصة شاب فلسطيني أحب فتاة يهودية، ثم خسرها أمام معادلة سياسية لا ترحم.
ريتا بين الإنسان والرمز الأدبي
على مدى عقود، بقيت القصة محصورة في دائرة ضيقة من أصدقاء الشاعر. لم تسع ريتا إلى استثمار شهرتها غير المعلنة، ولم تدخل في سجالات علنية حول تفاصيل العلاقة.
لاحقاً، حين بدأت بعض ملامح الحكاية تتكشف، أكدت بطلتها أن قراءة رسائل درويش القديمة كانت تجربة “مؤلمة وقاسية”، لكنها شددت على أن الشاعر نجح في البقاء “شُعلة تنير العتمة” في ذاكرة الإنسانية.
هنا تتداخل طبقات الحكاية: ريتا، المرأة التي عاشت حباً في ريعان الصبا وانتهى، وهي الرَّمز الأدبي الذي جرى تأويله سياسياً وثقافياً على مدى نصف قرن. لقد تحولت من شخص إلى استعارة، ومن حبيبة إلى سؤال وجودي عن حدود الهوية.
لقاء بعد الفراق: محاولة ترميم الذاكرة
بعد عقود من الصمت، سعت ريتا إلى ترتيب لقاء مع درويش في فرنسا أواخر التسعينيات. وبالفعل تحقق ذلك عام 1998. لقاءٌ لم يكن لإحياء علاقة مستحيلة، بل لمصافحة ذاكرة حب قديم لم تُمسح على مر السنين.
مرت السنوات، وتجاوز درويش مرحلة “القصائد الأولى” إلى أفق شعري أكثر تركيباً وتأملاً. وفي أمسيته الشهيرة في حيفا عام 2007، حاول أن يتحرر من سطوة البدايات ومن صورة الشاعر الرومانسي المقاوم، مقدماً نتاجه الفكري الأكثر نضجاً.
لكن الجمهور ظل مشدوداً إلى “ريتا”، وإلى قصائد مثل “أحن إلى خبز أمي”. كأن الذاكرة الجماعية تُصر على الاحتفاظ بالنسخة الأولى من الأسطورة.
وصية إنسان.. “فكر بغيرك”
في سنواتها الأخيرة، تنقلت ريتا بين برلين وحيفا، وأدارت مشاريع فنية وثقافية، وظلت على صلة بالمشهد الثقافي الفلسطيني. لم تنكفئ عن الحوار، ولم تتبرأ من الماضي.
في آخر ظهور علني لها، أوصت بترجمة قصيدة “فكّر بغيرك” إلى جميع لغات العالم، معتبرة أنها تمثل بياناً إنسانياً عالمياً وهوية شعرية تُعبر عن شخصية درويش. كما طالبت بتدريسها في المدارس، لما تحمله من قيم أخلاقية واجتماعية عابرة للحدود.
اختارت ريتا أن تختتم سيرتها برسالة تتجاوز قصتها الشخصية. لم تطلب تخليد اسمها، بل طالبت بتوسيع دائرة المعنى من خلال “فكر بغيرك”. كأنها أرادت أن تقول إن الشعر، في جوهره، دعوة إلى التعايش لا إلى الانقسام.
رحيل ريتا.. وعودة الأسئلة
برحيلها، يُعاد فتح النقاش حول أثر السيرة الشخصية في شعر محمود درويش. إلى أي حد يمكن فصل النص عن صاحبه؟ وهل كانت “ريتا” مجرد شطرٍ عاطفي عابر، أم حجر أساس في تشكيل حساسيته الشعرية المبكرة؟
الحب الذي عاشه درويش مع ريتا لم يُكتب له الاكتمال في الواقع، لكنه اكتمل في القصيدة. وربما كان هذا هو قدر الشعر، أن يمنح الخلود لما تعجز الحياة عن حمايته.
لقد أُغلق فصل حقيقي من فصول إلهام الشاعر، لكن القصيدة ستبقى حيّة. ستبقى “ريتا” تمشي في سطور الشعر العربي، لا كامرأة يهودية أحبها شاعر فلسطيني، بل كصورة للحظة إنسانية حاولت أن تتغلب على السياسة، وفشلت.
“بين ريتا وعيوني بندقية” جملة تختصر تاريخاً كاملاً من التمزق، وتؤكد أن الشعر، حتى وهو يعترف بالهزيمة، يكتب انتصاره الخاص.
هكذا ترحل “ريتا”، وتبقى الحكاية. حكاية عينين عسليتين، وشاعرٍ رأى فيهما وطناً، قبل أن تقف البندقية بينهما إلى الأبد.















