قبل أشهر فقط، كان الحديث الرسمي في تركيا عن “حماية الأسرة” يدور أساساً حول الزواج والإنجاب وتراجع معدلات الخصوبة. أما اليوم، فقد دخل المفهوم نفسه إلى مساحة مختلفة تماماً: المداهمات الأمنية، والتحقيقات الجنائية، وحجب المواقع، وتوقيف ناشطين وأعضاء في جمعيات مدنية.
ظهر هذا التحول بوضوح مع إطلاق السلطات عملية حملت اسم “عائلتي آمنة”، وسّعت النيابات بموجبها تحقيقاتها إلى 15 ولاية تركية، وشملت 162 مشتبهاً بهم وتسع جمعيات و13 منشأة تجارية، وفق ما أعلنه وزير العدل أكين غورليك.
وتتولى نيابات عامة في إسطنبول وأنقرة وإزمير وأيدين ومرسين تنسيق التحقيقات، التي تقول الحكومة إنها تستهدف مجموعة من الجرائم تشمل الاستغلال الجنسي والمحتوى غير اللائق والمخدرات، وتشكيل جماعات إجرامية، إلى جانب شبهات تتعلق بتعريض أطفال ومراهقين لمحتوى تعتبره السلطات ضاراً. كما أعلنت وزارة العدل فحص تحويلات مالية تلقتها بعض الجمعيات من جهات داخل تركيا وخارجها.
اتساع الملاحقات بحق مجتمع الميم والنشطاء
نطاق العملية لم يبق محصوراً في اتهامات جنائية تقليدية. فقد طالت الإجراءات جمعيات ومنظمات تعمل في الدفاع عن حقوق مجتمع “الميم”، إضافة إلى ناشطين ومواقع إلكترونية وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول القضية سريعاً إلى اختبار أوسع للعلاقة بين مشروع الحكومة لحماية الأسرة وحدود حرية المجتمع المدني.
وبحلول 15 سبتمبر/أيلول، كانت المحاكم قد أمرت بحبس ما لا يقل عن 31 شخصاً احتياطاً خلال يوم واحد، بينهم خمس نساء متحولات جنسياً في أنقرة و26 شخصاً في مرسين، بعدما أُودع 18 آخرون الحبس الاحتياط في إزمير في اليوم السابق، وفق ما نقلته “رويترز” عن محامين. كما احتجزت الشرطة ما لا يقل عن 126 شخصاً خلال احتجاجات شهدتها أنقرة وإسطنبول اعتراضاً على المداهمات والاعتقالات.
لا يعني الرقم الإجمالي البالغ 162 شخصاً أنهم جميعاً معتقلون أو موقوفون، وإنما يشير إلى الأشخاص الذين شملتهم إجراءات قضائية في التحقيقات الممتدة عبر الولايات المختلفة.
من السكان إلى الأمن
ما يجعل العملية أبعد من حملة جنائية تقليدية هو أن الحكومة نفسها وضعتها داخل مشروع سياسي واجتماعي أوسع أطلقه الرئيس رجب طيب أردوغان تحت عنوان “عقد الأسرة والسكان 2026-2035”.
في مايو/أيار الماضي، دخل التعميم الرئاسي رقم 2026/4 حيز التنفيذ، محدداً إطاراً يمتد عشر سنوات لتعزيز بنية الأسرة، وتشجيع الزواج والإنجاب، ومواجهة تراجع معدلات الخصوبة في البلاد. لكن الوثيقة لم تتوقف عند السياسات السكانية. فقد تحدثت أيضاً عن ما وصفته بـ”التيارات الضارة”، وخصت بالذكر توجهات مرتبطة بإلغاء الفروق بين الجنسين، معتبرة أنها تستخدم خطاب حقوق الإنسان والحريات الفردية بطريقة تهدد الأسرة والأجيال والقيم الوطنية والدينية.
وطلب التعميم من مؤسسات الدولة مراجعة سياساتها وبرامجها وتشريعاتها من زاوية تأثيرها في الأسرة والسكان، وإدماج حماية الأسرة وتشجيع النمو السكاني في أنشطتها المختلفة. وعندما أعلنت وزارة العدل عملية “عائلتي آمنة”، لم تقدمها باعتبارها ملفاً منفصلاً عن هذه السياسة. فوزير العدل ربط الإجراءات صراحة برؤية “عقد الأسرة والسكان” والتعميم الرئاسي 2026/4، مؤكداً أن حماية الأطفال والشباب والأسرة تندرج ضمن المسؤوليات الدستورية للدولة.
وهنا يظهر التحول الأهم: السياسة التي بدأت بالإجابة عن سؤال ديموغرافي يتعلق بانخفاض معدلات الإنجاب باتت تُستدعى أيضاً لتفسير إجراءات أمنية وقضائية تستهدف أشخاصاً وجمعيات ومنصات إلكترونية.
اعتراض أوروبي
دفع هذا الربط القضية إلى خارج الحدود التركية، إذ أعرب مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا مايكل أوفلاهرتي عن قلقه من الاعتقالات والمداهمات وحجب المواقع وحسابات التواصل الاجتماعي التي طالت منظمات مجتمع مدني ومدافعين عن حقوق الإنسان يعملون في قضايا مجتمع الميم.
وأكد أن الدفاع عن المساواة وعدم التمييز يقع ضمن نطاق حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات اللتين تحميهما الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وكانت النقطة الأكثر مباشرة في موقفه أن الاستناد إلى “القيم الأسرية” أو “حماية الأطفال” لا يشكل، بمفرده، أساساً كافياً لفرض قيود على الحقوق.
كما أثار أوفلاهرتي تساؤلات بشأن ضمانات المحاكمة العادلة، مشيراً إلى تقارير عن تقييد وصول بعض محامي الدفاع إلى ملفات التحقيق، وإجبار مشتبه بهم على الاستعانة بمحامين منفصلين من دون تقديم مبررات فردية واضحة تثبت وجود تعارض في المصالح.
وشدد على أن أي تحقيق جنائي أو احتجاز يجب أن يقوم على أدلة فردية مرتبطة بجريمة معترف بها قانوناً، وليس على هوية الشخص، أو عضويته في جمعية، أو نشاطه السلمي والحقوقي، أو تلقيه تمويلاً قانونياً.
أنقرة: القضية جنائية
تؤكد وزارة العدل أن التحقيقات لا تستهدف الأشخاص بسبب هويتهم الجنسية أو نشاطهم الحقوقي، وإنما تتعلق بجرائم محددة تقول إن النيابات تملك بشأنها شهادات وأدلة رقمية ونتائج مراقبة وتحريات ميدانية.
ومن وجهة نظر الحكومة، لا يتعلق الأمر بتجريم هوية أو توجه، وإنما بممارسة الدولة مسؤوليتها في حماية الأطفال والأسرة من الاستغلال والمخدرات والجريمة والمحتوى الضار.
لم تقتصر الإجراءات على الأشخاص والجمعيات، إذ فرضت السلطات قيوداً على مواقع وحسابات إلكترونية تعود إلى جمعيات وأفراد ووسائل إعلام، ووصل الحجب إلى حساب الفرع التركي لمنظمة العفو الدولية على منصة “إكس”.
وهنا تتسع المسافة بين الروايتين. الحكومة تقول إنها تحقق في جرائم محددة، فيما يرى منتقدو الإجراءات أن اتساع دائرة الاستهداف، بالتزامن مع الخطاب الرسمي حول الأسرة والجندر، يثير مخاوف من انتقال سياسة “حماية الأسرة” من المجال الاجتماعي إلى أداة أوسع لتنظيم المجال المدني.
أين ينتهي حق الدولة؟
لا تتوقف القضية في جوهرها، عند الخلاف التركي حول حقوق مجتمع “الميم”. السؤال هو: أين ينتهي حق الدولة في حماية الأطفال وملاحقة الجرائم، وأين يبدأ حق الأفراد والجمعيات في التنظيم والتعبير والدفاع عن الحقوق؟
وجود شبهات تتعلق بالاستغلال الجنسي أو المخدرات أو استغلال القاصرين يتيح للدولة التحقيق والملاحقة، لكنه يضع النيابات في الوقت نفسه أمام ضرورة إثبات الاتهامات بصورة فردية أمام القضاء.
وفي المقابل، لا يشكل الانتماء إلى جمعية، أو ممارسة نشاط حقوقي، أو الدفاع عن فئة اجتماعية، أو الحصول على تمويل مشروع، دليلاً بذاته على ارتكاب جريمة.
لذلك لن تحسم الشعارات السياسية الجدل حول عملية “عائلتي آمنة”.
من السياسة السكانية إلى الملاحقة القضائية
الاختبار سيكون في ملفات التحقيق نفسها: ما الأدلة التي ستقدمها النيابات؟ وما الجرائم التي ستنسب بصورة فردية إلى المتهمين؟ وهل ستتمكن السلطات من رسم خط واضح بين النشاط المدني المشروع والسلوك الجنائي الذي تقول إنها تستهدفه؟
لكن شيئاً واحداً تغير بالفعل. لم يعد “عقد الأسرة والسكان” الذي بدأ مشروعاً لمواجهة انخفاض الخصوبة وتشجيع الزواج والإنجاب، محصوراً في السياسة الاجتماعية والديموغرافية.
خلال أشهر، انتقلت “حماية الأسرة” في الخطاب الرسمي التركي من غرف التخطيط السكاني إلى غرف التحقيق، وأصبحت جزءاً من الإطار الذي تستند إليه الدولة في تفسير إجراءات أمنية وقضائية تمس ناشطين وجمعيات ومساحات من المجتمع المدني.














