بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير حقوقي

غرامات فورية تثير انتقادات حقوقية في فرنسا.. اتهامات باستهداف شبان سود وعرب وإثقالهم بالديون

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تواجه السلطات الفرنسية موجة انتقادات حقوقية متصاعدة بعد اتهامات للشرطة باستخدام نظام الغرامات الجنائية الفورية أداةً لاستهداف الشباب المنحدرين من أصول عربية وإفريقية، في ممارسات تعيد إلى الواجهة الجدل المزمن حول التنميط العرقي والعلاقة المتوترة بين قوات الأمن وسكان الضواحي منخفضة الدخل.

يوثق تقرير جديد لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، بالتعاون مع منظمتي (RECLAIM) و”الدار المجتمعية للتنمية التضامنية” (MCDS) المعنيتين بمجال العمل الاجتماعي وحقوق الإنسان ومكافحة التمييز العنصري، استخداماً متزايداً لهذه الغرامات لإبعاد الشباب عن الفضاءات العامة وتحويل مخالفات بسيطة إلى أعباء مالية متراكمة تلاحقهم لسنوات.

غرامات الوجود في الأماكن العامة

يرصد التقرير، وهو بعنوان “دفع ثمن مضايقات الشرطة: غرامات تمييزية تستهدف الشباب السود والعرب في فرنسا”، شهادات عشرات الشبان الذين قالوا إنهم تلقوا غرامات فورية وتمييزية بدعوى ارتكابهم مخالفات بسيطة، كالضوضاء أو رمي النفايات أو التسبب في أوساخ بالمرافق العامة، بينما كانوا يمارسون أنشطة اعتيادية مثل التحدث أمام منازلهم أو اللعب في الحدائق العامة.

وتُصدر هذه الغرامات بناءً على ملاحظات شخصية لعناصر الشرطة، دون أي رقابة قضائية، في حين أن الشخص المُغرّم لا يتمتع بأي ضمانات أساسية لمحاكمة عادلة.

واعتمد الباحثون على مقابلات مع 42 شخصاً، شملت شباناً متضررين وآباء واختصاصيين اجتماعيين وعدداً من أفراد الشرطة  في باريس وضواحيها ومنطقة “ليون” الكبرى و”غرونوبل”، وذلك خلال الفترة الممتدة بين فبراير/شباط 2025 وإبريل/نيسان 2026، إلى جانب مراجعة سجلات الديون وإشعارات الغرامات، ما دعم الروايات.

كما كشفت الشهادات عن حالات تلقى فيها بعض الشبان عدة مخالفات دفعة واحدة عن الواقعة ذاتها، أو تسجيل مخالفات في أوقات وأماكن يستحيل وجودهم فيها، بما في ذلك أثناء وجود بعضهم خارج البلاد أو داخل المستشفيات. كما أكد التقرير أن جميع الأشخاص الذين تمت مقابلتهم تقريباً تلقوا غرامات منذ سنوات الطفولة، بينهم شاب قال إنه تعرض لأول غرامة عندما كان في الثالثة عشرة من عمره.

غير مرغوب فيهم!

يرى معدو التقرير أن هذه الممارسات تمثل امتداداً لظاهرة التنميط العرقي التي طالما ارتبطت بعمليات التحقق من الهوية والتفتيش في فرنسا، وهي قضية أثارت انتقادات متكررة من المؤسسات الحقوقية الفرنسية والأوروبية والدولية خلال العقدين الماضيين.

قال عمر ماس كابيتولين من منظمة MCDS، إن الغرامات التعسفية “فاقمت مناخ المضايقات التمييزية، ودفعت الأطفال والشباب إلى الابتعاد عن الأماكن العامة عبر تجريم وجودهم فيها، بدلاً من اعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق”.

ويشير التقرير إلى أن بعض أجهزة الشرطة كانت تستخدم تصنيفاً غير قانوني يحمل وصف “غير المرغوب فيهم” داخل أنظمتها المعلوماتية للإشارة إلى بعض الشباب المستهدفين. ما يدفعهم نحو عزلة اجتماعية تهدد مستقبلهم، وتقوض مشاركتهم في المجتمع، وتغذي انعدام ثقتهم في مؤسسات الدولة، وتدمر شعورهم بالانتماء.

الداخلية الفرنسية تدافع

في المقابل، رفضت وزارة الداخلية الفرنسية جانباً من الاتهامات الواردة في التقرير. وأوضح وزير الداخلية لوران نونيز، أن تصنيف “غير المرغوب فيهم” أُزيل من الأنظمة المعلوماتية التابعة للشرطة.

كما اعترض الوزير على وصف الغرامات بأنها شكل من أشكال المضايقة، مشيراً إلى أن الأشخاص المعنيين يملكون حق الطعن، ومعتبراً أن هذه الآلية تمثل “أداة لا غنى عنها لاستعادة الأمن اليومي”.

غير أن المنظمات الحقوقية ترى أن حق الطعن يبقى نظرياً إلى حد كبير، نظراً للتعقيدات الإجرائية التي تواجه المتضررين، ولأن القانون يمنح تقارير الشرطة قوة إثبات عالية ما لم يثبت العكس.

آلاف اليوروهات من الديون

أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق في التقرير يتعلق بالتداعيات المالية المتراكمة للغرامات. فبحسب الشهادات التي جُمعت، تراوحت الديون بين 1600 و37 ألف يورو، فيما أشار أخصائيون اجتماعيون إلى حالات وصلت ديونها 50 ألف يورو نتيجة تراكم الغرامات ورسوم التحصيل والزيادات التلقائية الناتجة عن التأخير في السداد.

من بين الحالات التي سلط التقرير الضوء عليها، شاب يدعى جبريل يبلغ من العمر 24 عاماً من منطقة إيسون جنوب باريس، قال إنه مدين بغرامات متراكمة منذ طفولته بقيمة 36 ألف يورو، وإن الدولة تقتطع جزءاً كبيراً من راتبه المتواضع الذي يتراوح بين 500 و600 يورو للسداد، ما يجعله بلا موارد كافية لمستوى معيشي لائق.

وأعرب آخرون عن اضطرارهم للاختيار بين دفع الغرامات أو توفير احتياجات أساسية مثل الغذاء والإيجار وفواتير الكهرباء، فيما امتدت إجراءات التحصيل إلى بعض الإعانات الاجتماعية. وهو ما تعتبره المنظمات الحقوقية عاملاً إضافياً في تعميق الفجوة بين الدولة وسكان الأحياء الشعبية.

لا تقتصر تداعيات الغرامات على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى آثار اجتماعية ونفسية واسعة. وفي هذا الصدد، أشار عدد من الشبان إلى أنهم انسحبوا من الحياة العامة والمجتمعية خوفاً من تلقي مخالفات جديدة. كما تحدث آخرون عن إغلاق حساباتهم المصرفية أو الابتعاد عن الوظائف الرسمية واللجوء إلى العمل غير النظامي لتجنب اقتطاعات الدولة.

دعوات لتغيير القوانين

ترى المنظمات الثلاث أن نظام الغرامات الفورية بصيغته الحالية ينطوي على انتهاكات لالتزامات فرنسا بموجب القانونين الدولي والأوروبي لحقوق الإنسان، بما يشمل حظر التمييز العنصري، وضمان المحاكمة العادلة، وحقوق الأطفال، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية بما فيها مستوى معيشي لائق.

قالت بينيديكت جانرود، مديرة “هيومن رايتس ووتش” في فرنسا، “إن التنميط العرقي في فرنسا ما زال واسع الانتشار ومستداماً، ومع ذلك مُنحت الشرطة صلاحيات جديدة تسمح لها بمضايقة الشباب المنتمين إلى أقليات عرقية دون أي رقابة أو مساءلة”.

ودعت المنظمات السلطات الفرنسية إلى إزالة ثلاث مخالفات مرتبطة بالإخلال بالنظام العام من قانون العقوبات، وإلغاء الديون المتراكمة الناتجة عنها، وإنهاء السياسات التي تهدف إلى إقصاء الشباب من الفضاءات العامة.

كما طالبت بتعزيز الرقابة المستقلة على الغرامات التي تصدرها الشرطة، وجمع بيانات تفصيلية تسمح برصد أي أنماط تمييزية محتملة، إلى جانب الاستثمار في حلول مجتمعية لمعالجة مشكلات النظام العام بدلاً من الاعتماد على العقوبات المالية.