على الرغم من الزيادة الكبيرة في موازنات الدفاع الأوروبية خلال العامين الماضيين، يجد حلف شمال الأطلسي (الناتو) نفسه أمام معضلة أكثر تعقيداً من مجرد زيادة الإنفاق، تتمثل في قدرة الصناعات العسكرية على تحويل تلك المخصصات إلى أسلحة ومعدات جاهزة للاستخدام بوتيرة تتناسب مع التحديات الأمنية المتسارعة.
تأتي هذه القضية في صدارة جدول أعمال قمة الناتو المرتقبة في العاصمة التركية أنقرة، حيث يسعى القادة إلى إرسال رسالتين متوازيتين؛ الأولى إلى موسكو، بأن الحلف يعزز قدراته الدفاعية بصورة غير مسبوقة، والثانية إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سينضم إلى القادة، بأن أوروبا بدأت بالفعل تتحمل نصيباً أكبر من أعباء أمنها الجماعي، استجابة للمطالب الأمريكية المتكررة.
بالطبع، تكتسب القمة أهمية استثنائية في ظل استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واستنزاف مخزونات الأسلحة الغربية نتيجة الدعم العسكري لكييف والحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران وما رافقها من استخدام مكثف للذخائر والمنظومات الدفاعية، وهي عوامل كشفت بصورة واضحة أن امتلاك الأموال وحده لم يعد كافياً لضمان الجاهزية العسكرية.
من زيادة الإنفاق إلى أزمة الإنتاج
بعد عام من تعهد أعضاء الناتو بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى مستويات تاريخية، ارتفعت موازنات الدفاع في أوروبا وكندا بنحو 90 مليار دولار أمريكي العام الماضي، إلا أن المسؤولين يُقرون بأن ضخ الأموال لم ينعكس بعد على حجم القدرات العسكرية المطلوبة.
ولخّص الأمين العام للحلف، مارك روته، هذه المعضلة بقوله إن الأموال ضرورية، لكنها لا تستطيع اعتراض صاروخ أو إيقاف دبابة، مشدداً على أن الأولوية الحالية تتمثل في تحويل الموارد المالية إلى قدرات قتالية جاهزة بأسرع وقت ممكن.
ولهذا السبب، ستشهد قمة أنقرة منتدى صناعياً خاصاً على هامش الاجتماعات، يُرجح أن توقّع خلاله عقود دفاع بمليارات الدولارات بين الحكومات وشركات تصنيع الأسلحة الأوروبية والأمريكية، في محاولة لتسريع وتيرة الإنتاج وإظهار نتائج ملموسة للإنفاق العسكري المتزايد.
لكن المشكلة قد تكون أعمق من مجرد توقيع عقود جديدة، إذ تحتاج المصانع إلى سنوات لتوسيع خطوط الإنتاج، وتوظيف العمالة المتخصصة، وتأمين سلاسل التوريد للمواد الخام والمكوّنات الإلكترونية الدقيقة، وهي تحديات برزت بوضوح منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
نقاط الضعف الأوروبية
أثبتت الحرب الروسية-الأوكرانية أن أوروبا لم تعد تمتلك القدرة الصناعية الكافية لخوض صراع طويل الأمد. فعلى الرغم من ارتفاع إنتاج الذخيرة من 300 ألف قذيفة سنوياً في العام 2022 إلى هدف مليوني قذيفة، يرى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن هذا لا يزال غير كافٍ لتلبية احتياجات أي حرب ممتدة.
كما حذر المجلس من أن مخزونات بعض الذخائر الحيوية، وفي مقدمتها صواريخ الدفاع الجوي، قد تُستنزف خلال أسابيع في نزاع واسع، بينما قد تتعرض الطاقة الإنتاجية الأوروبية لضغط شديد خلال أيام في بعض المجالات الحرجة.
ولا يقتصر الضغط على الجبهة الأوروبية، إذ أدى انخراط الولايات المتحدة في العمليات العسكرية ضد إيران إلى استنزاف جزء كبير من مخزوناتها، الأمر الذي زاد الضغوط على شركات التصنيع الأمريكية لإعادة ملء المستودعات، في وقت لا تزال فيه خطوط الإنتاج تعمل بالقرب من طاقتها القصوى.
سوق دفاعية مجزأة
أطلق الاتحاد الأوروبي سلسلة من المبادرات لإعادة هيكلة الصناعات الدفاعية وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، لكن القطاع لا يزال مجزأً.
وتزداد المشكلة تعقيداً مع استمرار الحكومات في تفضيل الشركات الوطنية عند إبرام العقود العسكرية، حفاظاً على الوظائف المحلية والقدرات الصناعية الداخلية، حتى وإن جاء ذلك على حساب الكفاءة الاقتصادية أو سرعة الإنتاج، حيث تحرص دول، مثل فرنسا، بشدة على حماية شركاتها.
ويشير خبراء في معهد بروجيل ببروكسل، لوكالة “فرانس برس”، إلى أن نسبة المشتريات العسكرية الألمانية الموجهة للشركات المحلية ارتفعت من نحو 30% خلال العامين 2020 و2021 إلى ما يقارب 60% في الفترة بين 2025 و2026، وهو اتجاه يعكس تصاعد النزعة الوطنية داخل قطاع يفترض أن يتجه نحو مزيد من التكامل الأوروبي.
كما تواجه الصناعة الدفاعية الأوروبية تحديات إضافية تتمثل في نقص العمالة الفنية، والاعتماد على واردات بعض المعادن النادرة وأشباه الموصلات، إلى جانب ارتفاع تكلفة الطاقة، وهي عوامل تؤخر توسيع الطاقة الإنتاجية على الرغم من تدفق الطلبات الجديدة.
أوكرانيا نموذج صناعي جديد
في المقابل، تقدم أوكرانيا نموذجاً مختلفاً يلفت أنظار الأوروبيين بصورة متزايدة. فعلى الرغم من تعرضها لقصف متواصل منذ أكثر من أربع سنوات، نجحت كييف في بناء قاعدة صناعية عسكرية مرنة تعتمد على الابتكار والإنتاج السريع، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، التي أصبحت أحد أبرز عناصر الحرب الحديثة.
وبينما لا يزال قطاع الدفاع الأوروبي يُصنّع ما يشبه “المنتجات الفاخرة”؛ وهي أسلحة متطورة تقنياً لكنها مرتفعة التكلفة وبطيئة التصنيع، تطور أوكرانيا معدات مصممة لظروف الحرب وقابلة للإنتاج بكميات كبيرة وبسرعة.
ولهذا السبب، بدأت شركات أوروبية متزايدة في إقامة شراكات مع نظيراتها الأوكرانية للاستفادة من خبراتها في الابتكار والإنتاج السريع، فيما يدعو مسؤولون أوروبيون إلى دمج الصناعة الدفاعية الأوكرانية تدريجياً ضمن المنظومة الصناعية للقارة، بوصفها استثماراً أمنياً طويل الأجل وليس مجرد تعاون مؤقت فرضته الحرب.
إلى جانب الملفات العسكرية، تدرك دول الناتو أن نجاح قمة أنقرة سيقاس أيضاً بقدرتها على الحفاظ على علاقة ودية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يُخفِ استياءه من بطء الأوروبيين في تحمل أعباء الدفاع الجماعي.
ولهذا، سيحرص القادة الأوروبيون، بعد عام من ضغط ترامب عليهم للموافقة على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، على إقناعه بأنهم يحرزون تقدماً. وعلى الرغم من أن أمامهم حتى العام 2035 لتحقيق الهدف، سيرغب الرئيس الأمريكي في الحصول على دليل بأن أوروبا تعالج مظالمه القديمة.
“ناتو” أكثر أوروبية
لتعزيز الانطباع بأن الحلف لا يكتفي برفع الموازنات، طلب مسؤولو الناتو من عدد من الحكومات تأجيل الإعلان عن بعض العقود الدفاعية إلى حين انعقاد قمة أنقرة، بما يسمح بالكشف عن حزمة كبيرة من الصفقات خلال المنتدى الصناعي المصاحب.
وتشمل العقود المتوقعة شركات أمريكية وأوروبية، في خطوة تستهدف إظهار أن الإنفاق الجديد بدأ يتحول إلى استثمارات إنتاجية حقيقية، كما تمنح ترامب فرصة للإشراف على إعلان صفقات ضخمة، وهو ما يتماشى مع أسلوبه السياسي القائم على إبراز إنجازاته الاقتصادية.
في الوقت نفسه، يسعى الأوروبيون إلى إقناع واشنطن بأنهم يتجهون تدريجياً نحو بناء “ناتو أكثر أوروبية”، عبر تحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن القارة، مع الإبقاء على أولويات الأمن الأمريكية بوصفها عنصراً لا غنى عنه في مواجهة روسيا.
أردوغان كعامل تهدئة
على الرغم من أن الملف الدفاعي سيهيمن على الاجتماعات، فإن تطورات الشرق الأوسط سوف تلقي بظلالها على المناقشات. فالتفاهم الأولي الذي توصلت إليه إدارة ترامب مع إيران لا يزال هشاً، وأي تصعيد جديد قد يغير أولويات القمة بالكامل، خاصة بعد الانتقادات الأمريكية لبعض الدول الأوروبية التي فرضت قيوداً على استخدام قواعدها العسكرية خلال العمليات الأخيرة.
وفي محاولة لتخفيف التوتر، أعدت كل من فرنسا وبريطانيا خططاً أولية لمهمة محتملة في مضيق هرمز إذا اقتضت التطورات ذلك، كما عززت بعض الدول انتشار كاسحات الألغام والقدرات البحرية في المنطقة، وإن كان من غير المتوقع أن يضطلع الناتو نفسه بدور عملياتي مباشر.
وتستفيد القمة أيضاً من استضافة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي تبدو علاقته الشخصية بترامب أوثق وأكثر قابلية للتوظيف دبلوماسياً من علاقة الرئيس الأمريكي بعدد من القادة الأوروبيين، بحسب ما تعكسه تصريحات ترامب وتقديرات دبلوماسية غربية.
لا تبدو قمة أنقرة اختباراً لقدرة الناتو على إعلان أرقام جديدة، بل لاختبار أصعب: هل تستطيع أوروبا تحويل الزيادة في الإنفاق إلى مصانع أسرع، ومخزونات أعمق، وجيوش أكثر جاهزية، قبل أن تفرض الأزمات المقبلة اختباراً لا ينتظر دورات الموازنة؟





