بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

قمة الناتو (2-2)

ترامب يدفع الناتو إلى سؤال التكلفة.. هل تدخل أوروبا مرحلة ما بعد الضمانة الأمريكية؟ وبأي ثمن؟

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

تضع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبيل قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، أوروبا أمام اختبار لم يعد قابلاً للتأجيل: ماذا يبقى من الناتو إذا تحولت الضمانة الأمريكية من التزام استراتيجي شبه تلقائي إلى علاقة مشروطة بالتكلفة، والولاء السياسي، وحسابات البيت الأبيض؟

اعتبر ترامب أن استمرار الولايات المتحدة في مستوى دعمها الحالي للحلف أمر “سخيف”، منتقداً ما يراه علاقة غير متبادلة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. التصريح لا يبدو مجرّد هجوم عابر على الحلفاء، بل يعكس تحولاً أعمق في السياسة الأمريكية: تراجع الاستعداد لتحمل تكلفة أمن أوروبا من دون مقابل سياسي ومالي واضح.

أهمية اللحظة لا تكمن في أن ترامب يهاجم الناتو؛ فقد فعل ذلك من قبل. الأهم أن خطابه يضع الحلف أمام انتقال بنيوي من منطق “التحالف” إلى منطق “العقد”، ومن فكرة الدفاع الجماعي باعتبارها مظلة استراتيجية إلى فكرة الفاتورة التي يجب أن يدفعها الأوروبيون إذا أرادوا استمرار الحماية.

الناتو حين يصبح فاتورة

منذ تأسيس الحلف، قامت معادلته على توزيع غير مكتوب للأدوار: أوروبا توفر العمق السياسي والجغرافي، والولايات المتحدة توفر الثقل العسكري والنووي والقيادي. هذه المعادلة منحت أوروبا عقوداً من الأمن منخفض التكلفة نسبياً، لكنها جعلت القارة أيضاً شديدة الاعتماد على قرار أمريكي لم يعد مضموناً بالدرجة نفسها.

المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي تنص على أن الهجوم المسلح ضد عضو واحد يُعد هجوماً ضد الجميع. غير أن قوة هذه المادة لا تأتي من النص وحده، بل من اقتناع الخصوم بأن واشنطن ستتحرك فعلاً إذا اختُبرت. أي غموض أمريكي حول الالتزام لا يربك العواصم الأوروبية فقط، بل يفتح مساحة حسابات لدى روسيا وقوى أخرى تراقب تماسك الردع الغربي.

ترامب لا يلغي المادة الخامسة على الورق. لكنه يضع حولها سؤالاً سياسياً خطيراً: هل تبقى الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن حلفاء لا يدفعون بالقدر الذي تريده، أو لا يدعمون عملياتها خارج المسرح الأوروبي كما تتوقع؟ هذا السؤال وحده يكفي لإضعاف الردع، لأن التحالفات لا تنهار فقط عندما تُلغى نصوصها، بل عندما يبدأ الخصوم في الشك بصدقية تنفيذها.

لهذا لا يمكن قراءة قمة أنقرة كاجتماع بروتوكولي. القمة تأتي في لحظة تتغير فيها وظيفة الولايات المتحدة داخل النظام الغربي، وتتجه فيها واشنطن إلى إعادة تسعير التزاماتها الأمنية. وفي هذا السياق، يصبح رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035 أكثر من بند مالي؛ إنه اختبار لقدرة أوروبا على تحويل المال إلى قوة.

الأمن الرخيص انتهى

الضغط الأمريكي على الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي ليس جديداً. الجديد هو سقف المطالبة، وطريقة طرحها، والبيئة الاستراتيجية التي ترافقها. فالحلفاء لم يعودوا يناقشون هدف الـ2% الذي كان معياراً للخلاف خلال السنوات الماضية، بل ينتقلون إلى التزام دفاعي وأمني يصل إلى 5%، بينها 3.5% للمتطلبات الدفاعية الأساسية و1.5% لإنفاق أمني مرتبط بحماية البنية التحتية الحيوية والقدرات الداعمة.

لكن الأرقام لا تصنع الردع وحدها. أوروبا تستطيع إعلان التزامات ضخمة، غير أن السؤال التنفيذي أكثر قسوة: هل تملك قاعدة صناعية قادرة على إنتاج الذخائر، وأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات، والمدرعات، والقدرات السيبرانية بالسرعة المطلوبة؟ وهل تستطيع توحيد المشتريات العسكرية بدلاً من توزيعها على أولويات وطنية متنافسة؟

هذه هي لحظة الحقيقة الأوروبية. القارة التي بنت جزءاً من نموذجها الاجتماعي على افتراض استقرار المظلة الأمريكية تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تسعير أمنها. إذا أنفقت أكثر، ستدخل في صراع داخلي حول الضرائب، والديون، والرعاية الاجتماعية، والتحول الصناعي. وإذا لم تنفق، ستبقى في تبعية أمنية لواشنطن من دون ضمان أن واشنطن ستتعامل مع هذه التبعية بوصفها التزاماً تاريخياً لا ورقة تفاوض.

الحرب في أوكرانيا كشفت هذا الخلل بوضوح. فقد استعادت أوروبا لغة الردع منذ الغزو الروسي، لكنها لم تستعد بعد قدرة الردع الكاملة. الدعم الغربي لكييف أظهر قوة الناتو، لكنه كشف أيضاً هشاشاته: نقص المخزونات، بطء الإنتاج، تردد القرار، واعتماد كبير على القدرات الأمريكية في الاستخبارات، والقيادة، والنقل الاستراتيجي، والذخائر المتقدمة.

أوروبا ليست كتلة واحدة

المفارقة أن ترامب، على الرغم من حدّة خطابه، قد يكون دفع أوروبا إلى نقاش كان لا بد منه. استمرار اعتماد قارة بحجم أوروبا الاقتصادي على حماية أمريكية شبه مجانية نسبياً لم يكن قابلاً للاستدامة إلى الأبد. غير أن طريقة ترامب تجعل الإصلاح أقرب إلى الابتزاز السياسي منه إلى إعادة توزيع مسؤوليات داخل تحالف ناضج.

ألمانيا تقف في قلب هذه المعادلة. برلين لا تستطيع أن تبقى قوة اقتصادية أوروبية أولى مع حضور عسكري أقل من وزنها السياسي. الانتقال من ثقافة التحفظ العسكري إلى ثقافة الإنفاق الدفاعي لا يتعلق بالموازنة فقط، بل بتغيير أعمق في دور ألمانيا داخل أوروبا، وفي تصورها لنفسها بعد عقود من الاحتماء بالمظلة الأمريكية.

لكن أوروبا ليست كتلة استراتيجية واحدة. دول الشرق الأوروبي ترى روسيا خطراً مباشراً وفورياً. فرنسا تتحدث بلغة الاستقلال الاستراتيجي، لكنها تعرف حدود القدرة الفرنسية وحدها. ألمانيا تتحرك بحذر تحت ضغط التاريخ والاقتصاد. جنوب أوروبا ينظر إلى المتوسط والهجرة والطاقة بقدر ما ينظر إلى الجبهة الشرقية. أما تركيا، مستضيفة القمة، فتمثل حالة خاصة داخل الحلف: عضو أساسي عسكرياً وجغرافياً، لكنه يحتفظ بسياسة خارجية أكثر استقلالاً من النمط الأطلسي التقليدي.

هذا التباين يجعل الحديث عن “أوروبا تقود دفاعها” جذاباً في الخطاب، لكنه معقد في التنفيذ. فالاستقلال الاستراتيجي لا يتحقق بمجرد رفع الإنفاق، بل يحتاج إلى قرار سياسي مشترك، وسلاسل إنتاج عسكرية، وعقيدة دفاعية، ومقبولية اجتماعية، وقدرة على تحمل التكلفة لفترة طويلة.

الأزمة لا تقف عند روسيا. ملف إيران والحرب في الشرق الأوسط يضيف طبقة أخرى من التوتر بين واشنطن والأوروبيين. فإذا بدأت الولايات المتحدة تتوقع من الحلفاء دعماً أوسع لعملياتها خارج المجال الأطلسي، مقابل استمرار التزامها بأمن أوروبا، فإن الناتو يصبح شيئاً مختلفاً: ليس فقط تحالف دفاع جماعي، بل أداة مساومة داخل سياسة أمريكية عالمية أكثر اندفاعاً.

من هنا يظهر المعنى العملي لعبارة “مرحلة ما بعد الضمانة الأمريكية”. المقصود ليس أن الولايات المتحدة ستغادر أوروبا غداً، ولا أن الناتو سينهار كهيكل مؤسسي. المقصود أن الضمانة الأمريكية تدخل مرحلة الغموض المشروط. ستبقى القواعد، والقيادة، والمناورات، والتنسيق، والبيانات المشتركة، لكن الثقة السابقة بأن واشنطن ستتصرف دائماً كقائد تلقائي للغرب تراجعت.

اختبار ما بعد أنقرة

أمام أوروبا ثلاثة مسارات. الأول، أن تحول ضغط ترامب إلى فرصة: إنفاق أعلى، صناعة دفاعية أوسع، قدرة أكبر على التحرك، مع إبقاء الولايات المتحدة داخل الحلف. هذا هو السيناريو الأفضل للناتو، لأنه ينتج تحالفاً أقل اختلالاً وأكثر قدرة.

الثاني، أن تتحول الزيادة الدفاعية إلى أرقام محاسبية لا تصنع قدرة حقيقية. عندها سيبقى الحلف معتمداً على واشنطن، لكن داخل علاقة أكثر توتراً وابتزازاً. أما الثالث، فهو أن تتعمق الانقسامات الأوروبية نفسها، فتظهر كتل أمنية فرعية: شرق أكثر تشدداً تجاه روسيا، غرب أكثر ميلاً للحسابات السياسية، وجنوب مشغول بتهديدات مختلفة.

قمة أنقرة قد تنتج بياناً مطمئناً. قد تؤكد الالتزام بالدفاع الجماعي، وتعلن خطط إنفاق، وتعرض وحدة شكلية أمام روسيا. لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعدها: في الموازنات الوطنية، وعقود الإنتاج، ومخزونات الذخيرة، وقدرة القادة الأوروبيين على إقناع مجتمعاتهم بأن زمن الأمن الرخيص انتهى.

السؤال ليس ما إذا كان الناتو سيبقى. الأغلب أنه سيبقى. السؤال الأهم هو: أي ناتو سيبقى؟ حلف تقوده الولايات المتحدة كما في السابق، أم إطار أطلسي جديد تدفع أوروبا كلفته، وتتحمل جزءاً أكبر من قراره، وتعيش داخله مع ضمانة أمريكية أقل تلقائية ومشروطة أكثر؟ في هذه المسافة بين البقاء والتحول، تتحدد المرحلة المقبلة من الأمن الأوروبي.