تستعد إدارة الرئيس دونالد ترامب لإطلاق جولة جديدة من الرسوم الجمركية قد تطال نحو 60 اقتصاداً حول العالم، في خطوة تعكس انتقال السياسة التجارية الأمريكية من الإجراءات المؤقتة إلى مسار أكثر رسوخاً واستدامة. ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على حجم الاقتصادات المستهدفة، بل تمتد إلى الآلية القانونية الجديدة التي تعتمدها واشنطن، وتهدف إلى تجاوز القيود التي فرضها القضاء على صلاحيات الرئيس بخصوص التعريفات.
يشير توقيت هذه التحركات إلى أن البيت الأبيض لا ينظر إلى الرسوم الجمركية بوصفها مجرد أداة تفاوضية، وإنما كجزء من استراتيجية اقتصادية وتجارية أوسع لإعادة تشكيل علاقات الولايات المتحدة التجارية، والضغط على الشركاء الأجانب لتغيير سياساتهم الصناعية والتجارية، في وقت تتزايد فيه النزاعات التجارية بين واشنطن وعدد من حلفائها التقليديين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي وكندا.
من الرسوم المؤقتة إلى نظام دائم
كشف الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير، في مقابلة مع قناة “سي إن بي سي”، أن الإدارة الأمريكية تستعد للإعلان قريباً عن رسوم جمركية جديدة تستهدف نحو 60 اقتصاداً، مؤكداً أن مكتب الممثل التجاري يقترب من إنهاء سلسلة من التحقيقات التجارية، مع توقع صدور نتائجها بحلول نهاية الأسبوع، في مؤشر على قرب اتخاذ إجراءات تنفيذية جديدة.
تأتي هذه التحديثات لتكون بديلاً عن التعرفة المؤقتة البالغة 10% التي فرضتها إدارة ترامب عقب قرار المحكمة العليا الأمريكية إبطال جزء كبير من الرسوم التي كان الرئيس قد فرضها العام الماضي، استناداً إلى قانون رأت المحكمة أنه استُخدم بصورة غير صحيحة.
ورغم أن الحكم القضائي ألغى جزءاً واسعاً من تلك الرسوم، فإنه لم يشمل الرسوم القطاعية المفروضة على صناعات استراتيجية مثل السيارات والصلب والألمنيوم والنحاس، ما أبقى أمام الإدارة هامشاً مهماً لمواصلة استخدام التعريفات الجمركية في ملفات محددة.
التفاف قانوني على المحكمة
بدلاً من التراجع عن سياسة الرسوم، لجأت إدارة ترامب إلى مسار قانوني مختلف يسمح للرئيس بفرض رسوم إضافية لمدة تصل إلى 150 يوماً، وهو ما وفّر غطاءً مؤقتاً لاستمرار السياسة الحمائية ريثما يتم استكمال تحقيقات رسمية تمنح هذه الرسوم أساساً قانونياً أكثر صلابة.
ولهذا الغرض، أطلق مكتب الممثل التجاري الأمريكي سلسلة تحقيقات تستند إلى القوانين ذاتها التي تُستخدم عادة لتبرير فرض الرسوم القطاعية، بما يمنح الإدارة فرصة لتحويل الرسوم المؤقتة إلى إجراءات دائمة يصعب الطعن بها قضائياً.
وتعكس هذه المقاربة تطوراً مهماً في استراتيجية البيت الأبيض، إذ باتت الإدارة أكثر حرصاً على بناء ملفات قانونية مفصلة لكل حالة، بما يقلل احتمالات إبطال الرسوم مستقبلاً أمام القضاء، ويمنح السياسة التجارية الأمريكية استقراراً أكبر.
العمل القسري.. أداة ضغط جديدة
تركز التحقيقات التي يجريها مكتب الممثل التجاري الأمريكي على عدد من الممارسات التجارية، وفي مقدمتها قضايا العمل القسري وسلاسل التوريد، وهو ملف اكتسب زخماً متزايداً في السياسة التجارية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
ومنذ مطلع يونيو، اقترح جيميسون غرير فرض رسوم جمركية بنسبة 12.5% على نحو 45 دولة اعتبرت واشنطن أنها لم تطبق بصورة كافية حظر استيراد السلع المنتجة باستخدام العمل القسري.
ولا يقتصر هذا النهج على الأبعاد الإنسانية، بل أصبح أحد أبرز أدوات الضغط التجاري الأمريكية، إذ تستخدمه واشنطن لدفع الشركاء التجاريين إلى تعديل قوانينهم الرقابية وتشديد الرقابة على سلاسل الإمداد، خصوصاً في ظل تنامي المخاوف المرتبطة بالإنتاج في بعض الأسواق الآسيوية والنامية.
كما ينسجم هذا التوجه مع مساعي الولايات المتحدة لإعادة رسم سلاسل التوريد العالمية وتقليل اعتماد الشركات الأمريكية على الدول التي تعتبرها واشنطن ذات مخاطر مرتفعة في مجالات حقوق العمال أو الأمن الاقتصادي.
الالتزام هو الحكم
تميز الخطة الأمريكية الجديدة بين الدول وفق مستوى التزامها بتطبيق حظر استيراد السلع الناتجة عن العمل القسري. فالإدارة تقترح فرض رسوم مخفضة بنسبة 10% على الاقتصادات التي تمتلك بالفعل تشريعات مماثلة، لكنها ترى أن تطبيقها لا يزال غير كافٍ. وتشمل هذه القائمة كندا، والإكوادور، والاتحاد الأوروبي، وإندونيسيا، والمكسيك، وباكستان، إضافة إلى المملكة المتحدة التي تعتبر واشنطن أن نظام الحظر فيها لا يزال جزئياً.
ويمثل هذا التصنيف رغبة الإدارة الأمريكية في استخدام الرسوم الجمركية كوسيلة لتحفيز الإصلاحات التنظيمية لدى شركائها التجاريين، بدلاً من الاقتصار على معاقبة المخالفين فقط، وهو ما يمنح السياسة التجارية بُعداً تنظيمياً يتجاوز أهدافها الاقتصادية التقليدية.
تصعيد ضد كندا والبرازيل
تأتي الخطوات المرتقبة في وقت وسّعت فيه واشنطن بالفعل نطاق استخدام الرسوم الجمركية ضد عدد من شركائها الرئيسيين.
فقد أعلنت الإدارة الأمريكية الأسبوع الماضي فرض رسوم بنسبة 25% على مجموعة من المنتجات البرازيلية، مبررة القرار بما وصفته بسياسات تجارية “غير معقولة” حدّت من وصول الصادرات الأمريكية إلى السوق البرازيلية.
كما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جديدة بنسبة 50% على بعض السلع الكندية، على أن تدخل حيز التنفيذ بعد شهر، متهمة أوتاوا باتباع سياسات تمييزية ضد المنتجات الأمريكية.
وأكد غرير أن هذه الخطوة تمثل رداً مباشراً على الإجراءات الانتقامية التي فرضتها كندا عقب الجولة الأولى من الرسوم الأمريكية خلال العام 2025، مشيراً إلى أن واشنطن طالبت الحكومة الكندية على مدى عام كامل بسحب تلك الإجراءات أو تعديلها، إلا أنها لم تستجب لذلك.
أما الاتحاد الأوروبي، فيكتسب إدراجه أهمية خاصة، لأن الطرفين يمثلان أكبر شريكين تجاريين في العالم، بقيمة مبادلات ثنائية تتجاوز تريليونات الدولارات سنوياً. لذلك فإن أي رسوم إضافية لا تهدد قطاعات بعينها فحسب، بل قد تزيد الضغوط على المفاوضات التجارية عبر الأطلسي، في وقت يسعى فيه الجانبان إلى احتواء خلافات أوسع تتعلق بالدعم الصناعي، والمعادن الاستراتيجية، والمنتجات الزراعية.
مرحلة جديدة
قد تثير الجولة الجديدة من الرسوم ردود فعل مقابلة من الاقتصادات المستهدفة، ولا سيما الاتحاد الأوروبي وكندا، بما يفتح الباب أمام موجة جديدة من النزاعات التجارية قد تمتد آثارها إلى سلاسل التوريد العالمية وأسعار السلع وحركة الاستثمار.
وفي ظل اتساع نطاق الإجراءات الأمريكية، تبدو الرسوم الجمركية مرشحة لأن تبقى إحدى أبرز أدوات إدارة ترامب في إدارة علاقاتها الاقتصادية الخارجية، مع تحولها تدريجياً من تدابير مؤقتة مرتبطة بالأزمات إلى ركيزة ثابتة في السياسة التجارية الأمريكية؛ وهو ما ينذر بمرحلة جديدة من الاحتكاك التجاري العالمي قد تتجاوز آثارها حدود الولايات المتحدة وشركائها المباشرين لتطال الاقتصاد العالمي بأسره.















