بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

أوروبا وملف الهجرة

إسبانيا تكسر موجة التشدد الأوروبي.. هل تصبح تسوية أوضاع المهاجرين نموذجاً اقتصادياً لا استثناءً سياسياً؟

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

في لحظة أوروبية تميل فيها السياسات العامة إلى التشدد في ملف الهجرة، اختارت إسبانيا السير في اتجاه مغاير. فقد تلقت الحكومة الإسبانية أكثر من مليون طلب لتسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين وطالبي لجوء، ضمن برنامج استثنائي أُطلق في أبريل/نيسان الماضي وانتهت مهلة التقديم إليه في 30 يونيو/حزيران، متجاوزاً بكثير التقديرات الأولية التي كانت تدور حول نصف مليون مستفيد. وتشير بيانات إلى أن عدد الطلبات بلغ حوالي 1.175 مليون طلب، في حين أن أكثر من 600 ألف شخص حصلوا على تصاريح عمل مؤقتة أثناء مراجعة ملفاتهم.

أهمية الخطوة لا تكمن في العدد فقط، بل في توقيتها السياسي. ففي يونيو\حزيران 2026 دخل ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء حيّز التطبيق، حاملاً قواعد أكثر صرامة تشمل تعزيز إدارة الحدود الخارجية، وتسريع إجراءات اللجوء، وتوسيع آليات التضامن والمسؤولية بين الدول الأعضاء. كما اتجه الاتحاد، في مسار موازٍ، إلى تشديد قواعد إعادة المهاجرين غير النظاميين، بما في ذلك فتح الباب أمام مراكز أو ترتيبات عودة في دول ثالثة.

وسط هذا المناخ، لا تبدو مدريد كأنها تقدم استثناءً إنسانياً معزولاً، بل كأنها تختبر قراءة مختلفة لمعضلة الهجرة الأوروبية: تقليل الفوضى لا يتحقق دائماً عبر الدفع إلى الخارج، بل أحياناً عبر إدخال الموجودين بالفعل داخل الاقتصاد الرسمي، وتقييد الهامش الرمادي الذي تتحرك فيه العمالة غير الموثقة.

أوروبا تشدد.. وإسبانيا تنظّم

منذ أزمة اللجوء الكبرى في العام 2015، تحولت الهجرة إلى أحد أكثر الملفات قدرة على إعادة تشكيل السياسة الأوروبية. لم تعد الحكومات تتعامل معها بوصفها ملفاً إدارياً أو إنسانياً فقط، بل كقضية أمن داخلي، وهوية وطنية، وضغط انتخابي، وتنافس بين الوسط واليمين واليمين المتطرف.

في الدنمارك، مضت الحكومة نحو خط أكثر تشدداً في قوانين الترحيل، حتى مع احتمالات الاصطدام بتفسيرات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وفي إيطاليا، دفعت حكومة جورجيا ميلوني بسياسات أكثر صرامة تجاه قوارب المهاجرين والإنقاذ البحري. وعلى مستوى الاتحاد، اتسع النقاش حول “مراكز العودة” خارج أوروبا، في محاولة لتحويل إدارة الهجرة من الداخل الأوروبي إلى محيطه الخارجي.

في المقابل، يتبنى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خطاباً يربط الهجرة بالنمو الاقتصادي والديموغرافيا، لا بالضغط الحدودي وحده. وقالت الحكومة الإسبانية إن البرنامج يمنح، بعد المراجعة، تصاريح إقامة وعمل لمدة عام قابلة للتجديد لمن يستوفون شروطاً تشمل الإقامة السابقة في البلاد وعدم وجود سجل جنائي. كما أعلنت مدريد خطة اندماج ومواطنة بقيمة 500 مليون يورو، في محاولة لربط التسوية القانونية بسياسات الاندماج والتدريب والخدمات.

هذا هو الفرق الجوهري: أوروبا تبحث غالباً عن خفض عدد الداخلين، بينما تقول إسبانيا إن جزءاً من المشكلة موجود أصلاً داخل البلاد، يعمل ويستهلك ويسكن ويتحرك، لكنه يفعل ذلك في منطقة قانونية هشة. ومن ثم، فإن تركه خارج النظام لا يحل المشكلة، بل يجعلها أقل قابلية للإدارة.

الاقتصاد قبل الأخلاق 

الخطاب الرسمي الإسباني يستخدم لغة حقوقية واضحة، لكن قوته السياسية الحقيقية تأتي من الاقتصاد. فإسبانيا، مثل معظم أوروبا، تواجه ضغط الشيخوخة ونقص العمالة في قطاعات تعتمد بشدة على العمل الميداني والخدمات، من الزراعة والسياحة إلى الرعاية والبناء. وتظهر بيانات “يوروستات” أن 22٪ من سكان الاتحاد الأوروبي كانوا في سن 65 عاماً فأكثر في مطلع 2025، وأن العمر الوسيط في الاتحاد بلغ 44.9 عاماً، وهي مؤشرات تضغط على أسواق العمل وأنظمة الرفاه والتقاعد.

وتشير المفوضية الأوروبية، في دراسة عن الهجرة وسوق العمل، إلى أن نسبة السكان في سن العمل المولودين خارج الاتحاد الأوروبي ارتفعت من نحو 8٪ في العام 2014 إلى أكثر من 12٪ في العام 2024، وأن الهجرة ساهمت بشكل ملحوظ في نمو التوظيف داخل الاتحاد خلال السنوات الأخيرة.

من هذه الزاوية، لا تمثل سياسة سانشيز قطيعة كاملة مع منطق الدولة، بل إعادة تعريف له. فالدولة لا تتنازل عن سيادتها عندما تسوّي أوضاع المقيمين غير النظاميين بشروط واضحة؛ هي تحاول استعادة السيطرة على مساحة خرجت جزئياً من القانون. التصريح القانوني يعني ضرائب، وتأمينات اجتماعية، وقدرة أكبر على الرقابة، وتقليصاً لاقتصاد الظل، ومنافسة أقل تشوهاً في سوق العمل.

لكن ذلك لا يجعل النموذج بلا كلفة. تسوية أوضاع أكثر من مليون شخص تضع ضغطاً مباشراً على الإدارة العامة، والبلديات، والمدارس، والسكن، والخدمات الصحية، كما تمنح اليمين واليمين المتطرف مادة جاهزة لتأطير الحكومة بوصفها متساهلة مع الهجرة. وقد عارض الحزب الشعبي وحزب “فوكس” الخطوة، بينما طعنت بعض الحكومات الإقليمية التي يقودها اليمين في البرنامج أو انتقدت آثاره المحتملة.

معادلة سانشيز

القراءة الخاطئة للخطوة الإسبانية هي اعتبارها سياسة “أبواب مفتوحة”. البرنامج، وفق المعطيات المنشورة، ليس دعوة عامة إلى الهجرة، بل تسوية مشروطة لمن كانوا موجودين في إسبانيا قبل تاريخ محدد، أو لطالبي حماية دولية ضمن شروط معينة، مع استبعاد أصحاب السوابق الجنائية. لذلك، فالمسألة ليست إلغاء الحدود، بل ترتيب وضع كتلة بشرية واقتصادية قائمة بالفعل.

هنا يصبح النموذج الإسباني أكثر تعقيداً من ثنائية “الترحيب” و”الرفض”. مدريد تقول عملياً إن التشدد وحده لا يمنح الدولة قدرة أفضل على الإدارة، وإن تحويل المهاجر غير النظامي إلى عامل قانوني قد يكون أقل كلفة من تركه في اقتصاد غير مرئي. هذه مقاربة براغماتية، حتى إن جاءت مغلفة بخطاب حقوقي.

لكن نجاحها سوف يتوقف على ثلاثة اختبارات. الأول إداري: هل تستطيع السلطات معالجة هذا الحجم من الملفات خلال فترة معقولة ومن دون فوضى إجرائية؟ والثاني اجتماعي: هل تكفي خطة الاندماج لتخفيف الاحتكاكات في السكن والعمل والخدمات؟ أما الثالث فسياسي: هل تستطيع حكومة سانشيز الدفاع عن النموذج أمام موجة أوروبية أوسع تستثمر انتخابياً في الخوف من الهجرة؟

ملف أوروبي مفتوح  

القيمة التحليلية للقصة أنها تكشف انقساماً أعمق داخل أوروبا. فالقارة تحتاج العمالة، لكنها تخاف من أثر الهجرة على السياسة والهوية والخدمات. تحتاج ضبط الحدود، لكنها تعرف أن الاقتصادات المحلية في قطاعات كاملة تعتمد على مهاجرين، بعضهم يعمل خارج الأطر القانونية. تريد حماية اللجوء، لكنها تتحرك نحو إجراءات أسرع وأكثر تقييداً. هذه التناقضات لا يحلها شعار واحد.

إسبانيا لا تقدم وصفة جاهزة لبقية أوروبا. بنيتها اللغوية والثقافية، وصلاتها بأمريكا اللاتينية، واحتياجات سوقها، وتوازناتها السياسية، تجعل حالتها مختلفة عن ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو الدنمارك. لكنها تضع أمام الاتحاد سؤالاً لا يمكن تجاوزه: هل الأفضل سياسياً وإدارياً مطاردة الهجرة غير النظامية بعد أن تستقر داخل المجتمع، أم تحويل جزء منها إلى وضع قانوني مضبوط يقلل الهشاشة ويزيد قدرة الدولة على الإدارة؟

الأشهر المقبلة ستحدد إن كانت التجربة الإسبانية سوف تُقرأ كاستثناء يساري في قارة تتجه يميناً، أم كبداية نقاش أوروبي أكثر واقعية حول الهجرة. معيار النجاح لن يكون عدد التصاريح الممنوحة وحده، بل ما إذا كانت مدريد ستنجح في تحويل التسوية من حدث سياسي كبير إلى نظام قابل للإدارة، لا يترك الاقتصاد محتاجاً إلى المهاجرين في الظل، ولا يترك المجتمع أمام صدمة اندماج غير محسوبة.