كشفت دراسة حديثة، أعدها البروفيسور جيوفاني بيري، أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا وفريق من الباحثين، أن الهجرة كانت أحد أبرز محركات النمو في الاقتصادات المتقدمة خلال العقود الثلاثة الماضية، مع تصاعد الضغوط السياسية المطالبة بتشديد القيود على الوافدين في أوروبا والولايات المتحدة؛ وهو ما يضع الحكومات أمام معادلة معقّدة: الاستجابة للمزاج الشعبي أو الحفاظ على تنافسية اقتصاداتها في ظل الشيخوخة السكانية وتراجع أعداد القوى العاملة المحلية.
اعتمدت الدراسة، التي جاءت بالتزامن مع الحضور القوي لملف الهجرة والمناهضين لها على أجندة الانتخابات في عدد من الاقتصادات الكبرى حالياً، على بيانات عشرات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لتخلص إلى أن الدول التي استقبلت أكبر نسب من المهاجرين خلال الأعوام الخمسة والثلاثين الماضية، حققت مكاسب اقتصادية واضحة، وأن العديد منها لا يزال يمتلك القدرة على استيعاب مزيد من العمالة الأجنبية من دون أن تتراجع آثارها الإيجابية على الإنتاجية والاستثمار.
محرك للإنتاجية والنمو
توصل الباحثون إلى أن زيادة أعداد المهاجرين بما يعادل 1% من سكان أي دولة، ترتبط بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لكل عامل بنسبة 1.2% خلال خمس سنوات، لتصل المكاسب إلى نحو 1.9% خلال عشر سنوات.
وقال بيري إن إنتاجية العمل في الدول المستقبلة للمهاجرين “نمت بصورة ملحوظة أثناء وبعد فترات ارتفاع معدلات الهجرة”، موضحاً أن جزءاً كبيراً من هذا النمو تحقق عبر زيادة الاستثمارات، وهو ما يعزز الأثر الاقتصادي طويل الأجل للهجرة بدلاً من أن يقتصر على معالجة نقص العمالة فقط.
وتشير الدراسة إلى أن معظم المهاجرين الذين وصلوا إلى الاقتصادات المتقدمة خلال العقود الماضية كانوا من أصحاب المهارات العالية، الأمر الذي ساعد على رفع كفاءة سوق العمل وتسريع الابتكار، خلافاً للروايات السياسية التي تربط الهجرة غالباً بتراجع الأجور أو زيادة الضغوط على الخدمات العامة.
كما ارتفع عدد المهاجرين القادمين من خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى نحو 100 مليون شخص في العام 2024، مقارنة بنحو 25 مليوناً فقط في العام 1990، في وقت بدأ فيه النمو الطبيعي للسكان يتحول إلى معدلات سلبية في العديد من الدول الصناعية.
الشيخوخة السكانية
تبرز أهمية هذه النتائج بصورة خاصة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي دخل منذ العام 2015 مرحلة الانكماش الطبيعي للسكان، قبل أن تتسارع وتيرة التراجع عقب جائحة كورونا، وهو ما أدى إلى تقلص أعداد العاملين وارتفاع متوسط الأعمار.
وفي ظل هذا التحول الديموغرافي، يرى خبراء الاقتصاد أن الهجرة أصبحت إحدى الأدوات الأساسية للحفاظ على معدلات النمو الاقتصادي واستدامة أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، خصوصاً مع استمرار انخفاض معدلات المواليد في معظم الاقتصادات المتقدمة.
وتشير الدراسة إلى أن نحو ثلث الزيادة في الناتج لكل عامل في دول مثل إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا بين العامين 1990 و2024 مرتبط مباشرة بتدفقات الهجرة.
ففي إسبانيا، ارتفعت نسبة المهاجرين بين السكان البالغين بنحو 15% خلال تلك الفترة، وهو ما قد يكون رفع نمو الناتج لكل عامل بنسبة تقارب 28%. وبالنظر إلى أن الإنتاجية الفعلية ارتفعت بنحو 75% خلال الفترة نفسها، فإن ما يقرب من ثلث هذا التحسن قد يكون ناتجاً عن الهجرة.
أما في بريطانيا، فقد زادت حصة المهاجرين من السكان بنحو عشر نقاط مئوية، وهو ما تشير الدراسة إلى أنه أسهم في نحو 19% من إجمالي نمو الناتج للفرد.
كما خلص الباحثون إلى أن المكاسب الاقتصادية للهجرة لا تتراجع مع زيادة أعداد الوافدين، مستشهدين بتجربتي كندا وأستراليا اللتين نجحتا في استيعاب نسب مرتفعة من السكان المولودين في الخارج مع استمرار تحسن الإنتاجية والاستثمار.
السويد.. نموذج للصدام بين الاقتصاد والسياسة
في الوقت ذاته، وبينما تؤكد الدراسات الاقتصادية على أهمية الهجرة، تقدم السويد مثالاً واضحاً على الصدام المتزايد بين الاعتبارات الاقتصادية والحسابات السياسية. فالحكومة السويدية المنتمية إلى يمين الوسط، والمدعومة من حزب “ديمقراطيو السويد” اليميني، تعتزم تشديد سياسات الهجرة بصورة أكبر إذا فازت في الانتخابات المقبلة، وذلك عبر مواصلة تقليص أعداد طالبي اللجوء وتشديد شروط الإقامة والجنسية والهجرة العمالية.
غير أن قطاع الأعمال يحذر من أن هذه السياسات المتشددة بدأت تضعف نموذج النمو القائم على الابتكار، والذي جعل الاقتصاد السويدي يتفوق على متوسط أداء الاتحاد الأوروبي طوال ربع القرن الماضي.
وبحسب بيانات غرفة تجارة ستوكهولم، انخفضت طلبات رواد الأعمال من خارج الاتحاد الأوروبي الراغبين في تأسيس شركات، وكذلك أصحاب الكفاءات الباحثين عن فرص عمل، بنسبة 51% منذ العام 2022، أي منذ وصول الحكومة الحالية إلى السلطة.
يقول كارل بيرغكفيست، رئيس سياسات الأعمال في غرفة تجارة ستوكهولم، إن استمرار هذه القواعد يعني أن “الشركات الضخمة القادمة سوف تؤسس في مكان آخر غير السويد”.
وتُعد الشركات الناشئة أحد أهم محركات الاقتصاد السويدي، الذي حقق متوسط نمو سنوي بلغ 1.7% خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، مقابل 1.3% في الاتحاد الأوروبي، مستفيداً من نجاح أسماء عالمية مثل خدمة بث الموسيقى “سبوتيفاي” ومنصة المدفوعات “كلارنا”، وغيرها من شركات التكنولوجيا.
كما تشير منظمة TechSverige، إلى أن قطاع التكنولوجيا يحتاج إلى نحو 18 ألف موظف جديد سنوياً لتلبية الطلب المتزايد، فيما يؤكد الرئيس التنفيذي لشركة “إريكسون”، بورجه إيكهولم، أن السويد تحتاج إلى مزيد من الهجرة العمالية إذا أرادت الحفاظ على قدرتها التنافسية.
معضلة أوروبية تتكرر
تتجاوز هذه الإشكالية السويد إلى معظم الدول الأوروبية، حيث يمكن للهجرة أن تخفف آثار الشيخوخة السكانية وضعف نمو الإنتاجية، لكنها في الوقت ذاته أصبحت محوراً للجدل السياسي المرتبط بقضايا الجريمة والاندماج ومستويات المعيشة.
وتقول الحكومة السويدية إن القيود الجديدة تستهدف الحدّ من الاحتيال في سوق العمل، ومنع استغلال العمالة الأجنبية، والحفاظ على مستويات الأجور، إلى جانب تحسين اندماج المهاجرين عبر تشديد شروط اللغة والحصول على الجنسية.
في المقابل، يرى منتقدو هذه السياسات أنها قد تؤدي إلى “هجرة العقول”، خصوصاً مع تراجع أعداد العمالة الماهرة الوافدة من خارج الاتحاد الأوروبي.
وتجسّد قصة رائد الأعمال الهندي أبهيجيث بالاسوبرامانيا هذا التحدي، بعدما عاد إلى السويد في العام 2024 لإطلاق شركة ناشئة في مجال الزراعة المائية، وحصل على تمويل وعقود تجارية، قبل أن يتلقى إخطاراً من وكالة الهجرة يطالبه بمغادرة البلاد خلال عشرين يوماً، لينتهي به الأمر بإدارة مشروع عائلته في مدينة بنغالورو الهندية.
كما تحذر صناعة ألعاب الفيديو، التي تضم شركات تقف وراء ألعاب عالمية مثل “ماين كرافت” و”كاندي كراش ساغا”، من أن نقص الكفاءات الأجنبية بات يهدد توسع الشركات الصغيرة، خصوصاً أن نحو 20% من العاملين في القطاع جاءوا من خارج الاتحاد الأوروبي في العام 2023.
ووفقاً لبيانات مكتب الإحصاء السويدي، فإن عدد العمال ذوي المهارات العالية القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي والحاصلين على تصاريح عمل انخفض إلى نحو 3600 شخص في العام 2024، مقارنة بنحو 6600 شخص في العام 2022.
وعلى الرغم من الجدل السياسي، تشير تقديرات اتحاد الشركات السويدية إلى أن العمال المهاجرين أضافوا نحو 52 مليار كرونة (نحو 5.34 مليار دولار) إلى الناتج الاقتصادي خلال العام 2023 وحده، فيما يرى أستاذ الاقتصاد الفخري تشارلي كارلسون أن القيود المفروضة على هجرة العمال لا تستند إلى أسس اقتصادية، بل إلى اعتبارات أيديولوجية بحتة، وهو توصيف يعكس التحدي الذي يواجه عدداً متزايداً من الاقتصادات المتقدمة بين الحاجة إلى العمالة الماهرة والضغوط السياسية المطالبة بتشديد سياسات الهجرة.















