يُعدّ الغياب التام لمُجتبى خامنئي عن المشهد العلني، منذ تنصيبه مُرشداً أعلى أحد أكثر الملفات غموضاً في إيران اليوم. فمنذ أول بيان مكتوب إلى الإيرانيين في 12 مارس/آذار 2026 من دون تسجيل صوتي أو ظهور مُصوّر، تكثر التساؤلات بشأن موقعه ووضعه الصحي، في وقت تكتفي فيه السلطات الرسمية بتأكيد أنه “يُدير شؤون البلاد” من دون تقديم دلائل مباشرة.
هذا الغياب غير المسبوق، خصوصاً في لحظة حرب وأزمة داخلية، فتح الباب أمام موجة واسعة من التكهنات، ليس فقط خارج إيران، بل داخلها أيضاً، ليصبح السؤال عن مصير الرجل جزءاً من النقاش العام، وإن كان يجري غالباً في الظل، خاصة في ظل إعلان الإدارة الأمريكية عن انطلاق مفاوضات لإنهاء الأزمة بين واشنطن وطهران.
صور مشكوك بها وروايات مُتضاربة
زاد من تعقيد المشهد تداول صور حديثة نُسبت إلى مُجتبى خامنئي، رجّحت تحليلات إعلامية وأكاديمية أنها عُدّلت أو حتى وُلّدت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. ومن بين أبرز هذه الصور، تلك المرتبطة بحسابه الجديد على منصة “إكس”، والتي قيل إنها تستند إلى صورة أرشيفية جرى تعديلها رقمياً.
هذا الجدل البصري ترافق مع غياب أي تسجيل صوتي حديث، ما يعزز الانطباع بوجود محاولة لملء الفراغ الإعلامي بوسائل غير تقليدية، في ظل تعذر الظهور الحقيقي.
في المقابل، يواصل مسؤولون إيرانيون التأكيد أن خامنئي على قيد الحياة ويمسك بزمام الأمور، لكن هذه التصريحات لم تنجح في تبديد الشكوك، بل زادت من حدتها بسبب غياب الأدلة المباشرة.
إصابة محتملة أم تكتم أمني؟
تتقاطع تقارير إعلامية وتقديرات استخباراتية عدة حول احتمال إصابة مجتبى خامنئي خلال الضربة التي قتلت والده علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وهي الضربة التي استهدفت مقره وأدت أيضاً إلى مقتل أفراد من عائلته.
في هذا السياق، تشير بعض التقارير إلى أن خامنئي تعرّض لإصابة بالغة، ما تسبب بارتباك داخل القيادة الإيرانية. كما نقلت مصادر غير علنية عن مسؤولين إيرانيين تأكيدهم إصابته، مع الإشارة إلى أنه لا يزال قادراً على إدارة شؤون الدولة، لكنه يتوارى لأسباب أمنية.
ويتقاطع هذا الطرح مع تصاعد عمليات الاستهداف، إذ تواصل إسرائيل ضرب شخصيات بارزة داخل النظام، في إطار استراتيجية تستهدف تفكيك بنية القيادة.
“المُرشد الكرتوني”
في الداخل والخارج، استغل معارضون هذا الغياب للسخرية من النظام، متداولين صوراً ومقاطع مفبركة، بعضها مولّد بالذكاء الاصطناعي، ويصفون خامنئي بـ”المُرشد الكرتوني”، في إشارة إلى غيابه عن الواقع مقابل حضوره الشكلي في البيانات. هذا التفاعل يعكس أزمة ثقة متنامية، حيث لم يعد الخطاب الرسمي كافياً لإقناع الرأي العام، في ظل الفجوة بين ما يُقال وما يُرى.
وعزز مقتل علي لاريجاني، رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، في غارة جوية بعد أيام من ظهوره العلني، مناخ الخوف داخل النخبة الحاكمة، ودفع العديد من القادة إلى تقليل ظهورهم العلني. هذا الواقع يجعل من غياب مُجتبى خامنئي أمراً يمكن تفسيره جزئياً باعتبارات أمنية، خصوصاً أنه يُعد هدفاً بارزاً في أي استراتيجية “قطع رأس” تستهدف النظام.
بيان بلا صوت.. ورسائل غير مكتملة
في محاولة لاحتواء الشكوك، بثّ التلفزيون الرسمي بياناً منسوباً إلى خامنئي بمناسبة عيد النوروز، أكد فيه أن استهداف القيادات لم ينجح في إحداث الذعر داخل المجتمع الإيراني، مشيراً إلى تماسك داخلي واسع.
غير أن البيان، الذي أُذيع بصوت مذيع وليس بصوته، لم يحقق الهدف المرجو، بل أعاد طرح التساؤلات نفسها: لماذا لا يظهر؟ وهل يستطيع فعلاً إدارة البلاد؟ حتى الأجهزة الاستخباراتية، مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي، تابعت عن كثب مناسبة “النوروز”، على أمل رصد أي ظهور مباشر له، لكن ذلك لم يحدث.
بين الواقع والتكهنات
على الرغم من كل ما سبق، لا تزال الصورة غير مكتملة. فغياب مُجتبى قد يكون نتيجة إصابة فعلية، أو قرار أمني بتقليل المخاطر، أو مزيجاً من الاثنين. لكن المؤكد أن هذا الغموض بات عاملاً مؤثراً بحد ذاته، يعكس هشاشة لحظة انتقال السلطة في إيران.
في ظل ذلك، تستمر الأسئلة من دون إجابات حاسمة: هل يقود الرجل البلاد من خلف الستار؟ أم أن مراكز قوة أخرى تتولى القرار باسمه؟ وإلى متى يمكن لنظام مُعقّد في إيران أن يعمل بمُرشد “غير مرئي”؟
في انتظار الإجابة، يبقى المشهد الإيراني مُعلقاً بين روايات متضاربة وحقائق غائبة، في واحدة من أكثر مراحله غموضاً منذ قيام الجمهورية الإسلامية.















