بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تكنولوجيا

الصين تدخل عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي: 89 مليار دولار استثمارات مرتقبة وتحول جذري في احتياجات الحوسبة

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

يدخل قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني مرحلة جديدة لم يعد فيها حجم النموذج وعدد المعالجات المستخدمة في تدريبه المعيار الوحيد للحكم على القوة التكنولوجية. فبعد سنوات من المنافسة على تطوير نماذج لغوية ضخمة وحشد أكبر قدر ممكن من القدرة الحاسوبية، تتجه الشركات الصينية بصورة متسارعة إلى “الوكلاء الذكيين” (AI Agents) أو الأنظمة القادرة ليس فقط على الإجابة عن الأسئلة، وإنما تنفيذ سلسلة من المهام واتخاذ القرارات والتفاعل مع البرمجيات والبيانات والأنظمة نيابة عن المستخدم.

هذا التحول، وفق تقرير لمعهد أبحاث الاتصالات التابع لمؤسسة “تشاينا تيليكوم” قد يقلب اقتصاديات الصناعة خلال السنوات المقبلة. ويتوقع التقرير أن يقود انتشار الوكلاء إلى نمو سنوي يقترب من عشرة أضعاف في الطلب على القدرة الحاسوبية الصينية خلال العامين إلى الثلاثة أعوام المقبلة، بينما ستستحوذ عمليات الاستدلال على نحو 80% من سوق القدرة الحاسوبية في البلاد بحلول 2029، متجاوزة الطلب المرتبط بتدريب النماذج.

والأهم أن شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى قد تنفق قرابة 600 مليار يوان، أي نحو 89 مليار دولار، على الذكاء الاصطناعي خلال 2026، بما يعادل أكثر من 10% من إجمالي الاستثمارات في الصين.

من النموذج الكبير إلى الوكيل

يمثل هذا التحول انتقالاً اقتصادياً وتقنياً معاً، ففي مرحلة تدريب النماذج، تنفق الشركات مبالغ ضخمة لبناء نموذج قادر على فهم اللغة والصور والفيديو والبرمجة والاستدلال. لكن بمجرد نشر النموذج، تبدأ معركة مختلفة: كم مرة سيُستخدم؟ وكم من العمليات سيجريها؟ وكم ستكلف كل عملية؟

ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد مساعد يجيب عن الأسئلة إلى وكيل يعمل بصورة مستمرة، تتزايد الحاجة إلى عمليات الاستدلال بصورة هائلة.

الوكيل قد يحتاج إلى قراءة ملفات، والبحث في قواعد بيانات، وتشغيل برامج، وكتابة أكواد، والتحقق من النتائج، ثم إعادة المحاولة قبل الوصول إلى النتيجة النهائية. ولذلك فإن المهمة الواحدة يمكن أن تستهلك عدداً كبيراً من “التوكنات” والعمليات الحاسوبية مقارنة بسؤال تقليدي موجه إلى روبوت محادثة.

يفسر هذا لماذا باتت كفاءة الاستدلال قضية استراتيجية لا تقل أهمية عن قوة النموذج نفسه.

الانتقال إلى المرحلة التجارية

المؤشرات القادمة من الشركات الصينية الكبرى تؤكد أن ما يصفه التقرير يتجاوز البُعد النظري. فقد أعلنت “علي بابا” صراحة أن صناعة الذكاء الاصطناعي تدخل عصر الوكلاء الذين سيصبحون واجهة رئيسية للتعامل مع الاقتصاد الرقمي. 

يُذكر أن الإيرادات الخارجية لمجموعة الحوسبة السحابية التابعة لعملاق التجارة الالكترونية ارتفعت 40% في الربع الأخير من سنتها المالية 2026، مع مساهمة منتجات الذكاء الاصطناعي بنحو 30% منها. كما تعمل الشركة على دمج نماذج “كوين” Qwen مع خدماتها السحابية ومنصاتها الاستهلاكية والتجارية.

وتتجاوز استراتيجية “علي بابا” تطوير النماذج إلى بناء منظومة كاملة تشمل الرقائق والبنية التحتية السحابية والنماذج والتطبيقات. كما طورت منصة “Wukong” لتنسيق وكلاء متعددين وتنفيذ مهام مؤسسية معقدة، فيما جرى دمج تطبيق “كوين” مع منصات مثل “تاوباو” و”تي مول” و”علي باي”.

أما “هواوي”، فتدفع في الاتجاه نفسه من خلال مفهوم Agentic Infra، الذي يركز على البنية التحتية اللازمة لعصر الوكلاء، بما في ذلك إدارة التوكنات والتعلم المستمر وجدولة موارد الحوسبة العامة والذكاء الاصطناعي. وتقول الشركة إن منصتها الجديدة تستطيع دعم عناقيد حوسبة تتجاوز 100 ألف وحدة حوسبة، مع تركيز كبير على تقليص زمن الاستدلال وزيادة إنتاجية التوكنات.

معركة الرقائق لم تنتهِ

لا يعني الانتقال من النماذج إلى الوكلاء أن الصين ستتراجع عن سباق الرقائق؛ بل ربما العكس. فالاستدلال واسع النطاق يحتاج إلى بنية تحتية مختلفة وأكثر كفاءة، ويزيد الطلب على وحدات معالجة متنوعة، بما في ذلك المعالجات المتخصصة والرقائق المخصصة والذاكرة وشبكات الربط.

وتشير بيانات قطاعية إلى أن سوق رقائق الذكاء الاصطناعي في الصين قد ترتفع من 217.5 مليار يوان (نحو 32.4 مليار دولار) في 2024 إلى 898.1 مليار يوان (نحو 133.8 مليار دولار) في 2029. مع ذلك، تظل “إنفيديا” الأمريكية صاحبة المنظومة البرمجية الأكثر رسوخاً عالمياً، خصوصاً عبر منصة CUDA، لكن قيود واشنطن على تصدير الرقائق إلى الصين دفعت بكين إلى تسريع بناء بدائل محلية مثل رقائق “هواوي” وغيرها. وهذا يجعل كفاءة الحوسبة عنصراً حاسماً: فكلما أمكن تشغيل نموذج بمزيد من المهام باستخدام قدرة حاسوبية أقل، أصبح الاعتماد على الرقائق المتقدمة أقل حدة.

المعركة نفسها بأدوات مختلفة

التحول الصيني لا يحدث في فراغ؛ فالولايات المتحدة تتحرك في الاتجاه نفسه، وإن كانت شركاتها تمتلك ميزة أكبر في الرقائق ومراكز البيانات والنماذج الحدودية.

“أمازون”، على سبيل المثال، أصبحت من أبرز الشركات التي تراهن على اقتصاد الوكلاء. فقد أبرمت اتفاقاً مع شركة “أوبن إيه آي” لتوفير بيئة تشغيلية متقدمة للوكلاء عبر “أمازون ويب سيرفسز” AWS التي ستكون الموزع السحابي الخارجي الحصري لمنصة OpenAI Frontier المخصصة لبناء وإدارة فرق من وكلاء الذكاء الاصطناعي. كما التزمت مطورة “تشات جي بي تي” باستخدام نحو 2 غيغاواط من قدرة Trainium التابعة لـ AWS، في صفقة تتضمن توسعة اتفاق سابق بقيمة 38 مليار دولار.

كما أعلنت “أمازون” و”إنفيديا” في أغسطس/آب الماضي عن خطط لنشر مليوني وحدة GPU إضافية في بنية AWS العالمية، في مؤشر إلى أن طفرة الوكلاء ستدفع الطلب على الحوسبة حتى مع انتقال مركز الثقل من التدريب إلى الاستدلال.

الصين بالحجم وأمريكا بالمنظومة

هنا يظهر أحد أبرز الفروق بين النموذجين. الصين تمتلك سوقاً محلية هائلة، وقاعدة صناعية واسعة، وقدرة على دمج الذكاء الاصطناعي سريعاً في التجارة والتصنيع والخدمات، فضلاً عن منظومة تطبيقات ضخمة تستطيع توفير بيئة جاهزة للوكلاء.

في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة منظومة أكثر تكاملاً تمتد من تصميم الرقائق والبرمجيات إلى مراكز البيانات والنماذج السحابية والتطبيقات، ما يمنحها عمقاً استثمارياً وتقنياً يصعب على المنافسين مجاراته.

لكن المعضلة المقبلة لن تكون من يستطيع بناء أكبر نموذج، وإنما من يستطيع تحويل الذكاء الاصطناعي إلى نشاط مربح على نطاق واسع. فالإنفاق الصيني المتوقع عند 600 مليار يوان يعكس رهاناً هائلاً، لكن ارتفاع النفقات الرأسمالية لا يضمن بالضرورة عائداً مماثلاً.

في الولايات المتحدة، بدأت شركات الحوسبة السحابية ترى مؤشرات أوضح على العائد التجاري؛ فقد سجلت AWS نمواً في الإيرادات بلغ 37% في الربع الثاني من 2026، بينما تقول “أمازون” إن إنفاقها الرأسمالي البالغ نحو 200 مليار دولار هذا العام مدفوع بدرجة كبيرة بالطلب على الذكاء الاصطناعي.

سباق النماذج الذكية

وهكذا، فإن الصين لا تتخلى عن سباق النماذج، لكنها تعيد تعريف ميدان المنافسة: النموذج هو العقل، أما الوكيل، فهو العامل الذي يستخدم هذا العقل لإنجاز المهمة. وإذا صحت توقعات معهد أبحاث الاتصالات الصيني، فإن السنوات الثلاث المقبلة قد تشهد تحولاً تاريخياً في صناعة الذكاء الاصطناعي: من اقتصاد يقوم على بناء نماذج باهظة التكلفة إلى اقتصاد يعتمد على تشغيل ملايين الوكلاء بصورة مستمرة.

سيكشف المستقبل أن المنافسة لن تدور فقط حول من يمتلك النموذج الأقوى، بل حول من يمتلك البنية الأرخص والأسرع والأكثر كفاءة لاستدلاله، ومن يستطيع تحويله إلى وكيل ينجز عملاً حقيقياً ويولد إيرادات حقيقية. وهذه هي المعركة التي بدأت الصين والولايات المتحدة خوضها الآن.