بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

موارد بشرية

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم سوق التوظيف.. من فرز السير الذاتية إلى التحكم في فرص العمل

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة أكثر حساسية في سوق العمل، تتجاوز أتمتة المهام أو رفع إنتاجية الموظفين، إلى تحديد من يحصل أصلاً على الفرصة. وبدأت الشركات تستخدم بصورة متزايدة أدوات آلية للبحث عن المرشحين، وفرز السير الذاتية، وإجراء الاختبارات، وتحليل المقابلات وترتيب المتقدمين، في محاولة لخفض تكلفة التوظيف والتعامل مع أعداد كبيرة من الطلبات.

اقتصادياً، تبدو المعادلة جذابة. فإذا كان بإمكان خوارزمية فحص آلاف الطلبات في وقت قصير، فإنها تستطيع تقليل الوقت الذي ينفقه موظفو الموارد البشرية على الفرز الأولي، وتوجيه الجهد البشري إلى المراحل الأكثر تعقيداً من عملية الاختيار. لكن مكسب الكفاءة لا يعني بالضرورة تحسناً في جودة القرار، لأن المشكلة الأساسية لا تتعلق بما إذا كان الذكاء الاصطناعي أسرع من الإنسان، وإنما بما إذا كان يقيس فعلاً ما تحتاج إليه الشركة.

من كفاءة الفرز إلى كفاءة التخصيص

تواجه أسواق العمل، في جانب مهم منها، مشكلة معلومات: صاحب العمل لا يعرف بصورة كاملة إنتاجية المتقدم قبل توظيفه، والباحث عن العمل لا يعرف بوضوح ما إذا كانت الوظيفة تناسب قدراته. لذلك تعتمد الشركات على مؤشرات مثل الشهادة الجامعية، المسمى الوظيفي، سنوات الخبرة، واسم الشركة السابقة باعتبارها إشارات إلى الكفاءة.

وتدخل الخوارزميات إلى هذه العملية بهدف تحسين المطابقة بين الوظائف والمرشحين. لكن استخدام المؤشرات الأسهل للمعالجة الرقمية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية إذا تحولت هذه المؤشرات إلى بدائل عن المهارات الفعلية.

وتكتسب المسألة أهمية أكبر مع التحول الذي تشهده سوق العمل نحو نموذج “التوظيف القائم على المهارات”. وتقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن أسواق العمل تبتعد تدريجياً عن الاعتماد الحصري على المؤهلات التقليدية والمسمى الوظيفي، نحو تقييم أكثر مباشرة للمهارات التي يستطيع الفرد إثباتها. وترى المنظمة أن هذا التحول يمكن أن يقلل فجوات المعلومات بين أصحاب العمل والعمال، ويوسع قاعدة المواهب المتاحة للشركات.

هنا تظهر مفارقة مهمة: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة لتسريع الانتقال إلى التوظيف القائم على المهارات، أو أن يعزز النموذج القديم نفسه ولكن بصورة أكثر كفاءة.

عندما تتحول “الإشارة” إلى معيار

قد يكون لدى مرشحين اثنين القدرات نفسها، لكن أحدهما يملك مساراً مهنياً تقليدياً يسهل على النظام التعرف إليه، بينما انتقل الآخر بين قطاعات مختلفة، أو اكتسب مهاراته بصورة ذاتية، أو عمل في مؤسسة صغيرة، أو أمضى فترة خارج سوق العمل.

بالنسبة إلى خوارزمية تبحث عن أنماط مألوفة، قد يبدو المرشح الأول أكثر ملاءمة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه الأكثر إنتاجية.

هذه المشكلة تصبح أوضح عندما تستخدم الشركات بيانات موظفيها الحاليين لتحديد خصائص المرشحين الذين تعتبرهم “ناجحين”. فإذا أظهرت البيانات أن عدداً كبيراً من الموظفين الناجحين تخرجوا من جامعات معينة أو عملوا لدى شركات محددة، يمكن للنظام أن يتعامل مع تلك الخصائص بوصفها مؤشرات على النجاح المستقبلي.

لكن الارتباط الإحصائي لا يثبت السببية. قد تكون الجامعة أو الشركة السابقة مجرد مؤشر غير مباشر على مجموعة من الفرص والموارد التي حصل عليها الموظف، وليس دليلاً على امتلاكه المهارات المطلوبة للوظيفة. وإذا جرى تحويل هذا الارتباط إلى قاعدة فرز آلية، فإن النظام قد يبدأ باستبعاد أشخاص قادرين على أداء العمل لمجرد أن خصائصهم لا تتطابق مع الأنماط المستخلصة من البيانات التاريخية.

وهذا تحديداً ما يجعل مسألة الذكاء الاصطناعي في التوظيف قضية اقتصادية، وليست تقنية أو قانونية فقط. كلما أخطأت الشركة في تخصيص المواهب، ارتفعت تكلفة رأس المال البشري المهدَر.

تحيّز الخوارزمية

من أبرز الحجج المؤيدة للتوظيف الآلي قدرة الذكاء الاصطناعي على إزالة التحيّز البشري. وهذا منطقيٌّ إلى حدٍّ ما، فالحاسوب لا يكن ضغينة شخصية لأي مرشح، ولا يُفضل شخصاً ما غريزياً لمجرد التحاقه بنفس الجامعة.

لكن الخوارزمية تعمل وفق البيانات التي دُرّبت عليها والمعايير التي صممها البشر. وإذا كانت البيانات التاريخية تعكس ممارسات توظيف غير متوازنة، فقد تعيد الخوارزمية إنتاجها على نطاق أكبر.

وقد حذرت لجنة تكافؤ فرص العمل الأمريكية من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي والبرمجيات المستخدمة في التوظيف يمكن أن تؤدي إلى تمييز مخالف للقانون، بما في ذلك من خلال فرز السير الذاتية والاختبارات الرقمية. 

وتبرز الإعاقة مثالاً واضحاً على المشكلة. فقد أشارت اللجنة إلى أن بعض أدوات التقييم قد تستبعد أشخاصاً قادرين على أداء الوظيفة، سواء من دون مساعدة أو من خلال ترتيبات تيسيرية معقولة، لأن النظام يقيس طريقة أداء لا ترتبط بالضرورة بالقدرة الفعلية على إنجاز العمل.

لم تعد الحكومات تتعامل مع أنظمة التوظيف الآلية باعتبارها أدوات تقنية محايدة. ففي الاتحاد الأوروبي، صُنفت أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التوظيف والاختيار وإدارة العاملين ضمن الاستخدامات عالية المخاطر، نظراً لتأثيرها المحتمل في المسار المهني والدخل والحقوق الأساسية للأفراد.

وتشير مراجعة حديثة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن سياسات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل تتوسع لتشمل عدة محاور، من بينها عدم التمييز، وحماية البيانات، والشفافية، وقابلية تفسير القرارات والمساءلة. إلا أن الأطر التنظيمية ما زالت تتطور، خصوصاً في ما يتعلق بالشفافية والمساءلة.

أداة لا صاحب قرار

لا يعني ذلك أن الحل هو العودة إلى التوظيف اليدوي. فالأتمتة تستطيع أن تقلّل حجم الأعمال الإدارية المتكررة، وتساعد في تنظيم أعداد ضخمة من الطلبات، وتحدد مرشحين محتملين، وتوفر بيانات أفضل لفرق الموارد البشرية.

لكن القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي تتوقف على موضعه داخل سلسلة القرار. إذا كان دوره هو مساعدة الشركة على اكتشاف المواهب، فقد يوسع سوق العمل ويخفض تكاليف البحث والمطابقة. أما إذا تحول إلى “بوابة” مغلقة تستبعد المرشحين بناءً على خصائص سهلة القياس، فقد يخفض عدد الطلبات التي يراها الإنسان من دون أن يرفع جودة التوظيف.

وهنا تكمن المفارقة؛ قد تصبح الشركة أكثر كفاءة في رفض المرشحين، من دون أن تصبح أكثر كفاءة في العثور على الموظفين الذين تحتاج إليهم.

لذلك ينبغي أن تبدأ الشركات من الوظيفة نفسها، لا من البيانات المتاحة. عليها أولاً تحديد المهارات والقدرات التي تتطلبها الوظيفة، ثم اختيار الأدوات القادرة على قياسها، واختبار نتائجها بصورة منتظمة، ورصد أي فروق غير مبررة بين مجموعات المتقدمين، والإبقاء على مسار حقيقي للمراجعة البشرية.

فالهدف من “التوظيف القائم على المهارات” هو تقليل الاعتماد على المؤشرات غير المباشرة، وليس تحويلها إلى قواعد خوارزمية أكثر صرامة. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من التوظيف بالفعل، والسؤال الحقيقي اليوم: ما الذي نريد من التقنيات الحديثة أن تحسّنه؟

إذا كانت الإجابة هي السرعة، فقد يبني أصحاب العمل أنظمة فعالة للغاية لرفض المتقدمين. أما إذا كانت الإجابة هي العثور على الكفاءات، وقياس القدرة الفعلية والتعلم والمهارات القابلة للنقل، فقد تساعد التقنيات في تحسين تخصيص رأس المال البشري وفتح فرص أمام مواهب لم تكن تصل إليها أنظمة التوظيف التقليدية.

السيرة الذاتية مجموعة من البيانات. أما العامل فهو مجموعة من القدرات والإمكانات. وكلما اتسعت الفجوة بين الاثنين، زاد خطر أن تصبح الخوارزمية بوابة إلى سوق العمل، لا أداة للعثور على أفضل من فيه.

تصاعد مخاطر التحيز والتمييز

الذكاء الاصطناعي يدخل سوق التوظيف بقوة. ومن فرز السير الذاتية إلى تقييم المرشحين وترتيبهم، يمنح الشركات سرعة وكفاءة أكبر. لكن خلف هذه الكفاءة سؤال مهم: هل تستطيع الخوارزمية فعلاً اكتشاف الأفضل؟

قد تتحول المؤهلات والعناوين الوظيفية والكلمات المفتاحية إلى معايير تستبعد أصحاب الخبرات غير التقليدية، حتى لو كانوا الأكثر قدرة على أداء الوظيفة.

ومع تصاعد مخاطر التحيز والتمييز، تتجه الجهات التنظيمية إلى تشديد الرقابة على أنظمة التوظيف المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

في النهاية، القضية ليست ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيشارك في التوظيف، بل ما الذي نريد منه أن يحسّنه: سرعة استبعاد المتقدمين، أم دقة العثور على أفضل المواهب؟