بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

اقتصاد رقمي

هل يحمي الذكاء الاصطناعي حقوق الفئات المهمشة اجتماعياً في سوق العمل التكنولوجية الجديدة؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

بينما تتسابق الاقتصادات العربية على إقحام الذكاء الاصطناعي في صلب أعمال الشركات والإدارات والخدمات، يظهر سؤال أقل حضوراً في النقاش العام: من يستطيع فعلاً أن يدخل سوق العمل الجديدة، ومن قد يجد نفسه أبعد منها؟

التكنولوجيا التي تعد بزيادة الإنتاجية وخلق وظائف جديدة لا تعمل في فراغ اجتماعي. إنها تدخل أسواق عمل تعاني أصلاً من تفاوتات في التعليم والمهارات والوصول إلى الفرص، ومن حواجز تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة والمهاجرين واللاجئين وكبار السن والعاملين ذوي المهارات المنخفضة.

هذه الفئات تحديداً يضعها تقرير مشترك حديث لمنظمة العمل الدولية ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا”، ضمن الدوائر المعرضة لخطر تعميق الإقصاء مع تسارع اعتماد الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية.

التقرير، الذي يستشرف تحولات سوق العمل بين عامي 2025 و2035، يرسم سيناريوهات تختلف نتائجها جذرياً بحسب قدرة الحكومات وأسواق العمل على الاستثمار في المهارات والحماية الاجتماعية وإدارة الانتقال التكنولوجي.

وهنا تكمن القضية الحقوقية: المشكلة ليست في دخول الذكاء الاصطناعي إلى سوق العمل، بل في إمكانية دخوله  بسرعة أكبر من قدرة الفئات المهمشة أصلاً على اللحاق به.

ربع المهن قد يتأثر

وفق تقديرات منظمة العمل الدولية، يمكن أن تتأثر قرابة 25% من المهن في المنطقة العربية بالذكاء الاصطناعي التوليدي بصورة أو بأخرى. ولا يعني “التأثر” بالضرورة اختفاء الوظيفة؛ فقد يؤدي في بعض الحالات إلى الاستغناء عن مهام أو وظائف، وفي حالات أخرى إلى تعزيز قدرة العامل ورفع إنتاجيته، فيما تنشأ وظائف جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة.

التقرير يرسم ثلاثة مسارات محتملة حتى 2035. في أكثرها تفاؤلاً، يقترن التبنّي السريع للذكاء الاصطناعي باستثمار قوي في انتقال العمال وتطوير المهارات، بما يسمح بتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة رغم إعادة هيكلة ملايين الوظائف. وفي سيناريو أكثر اضطراباً، يتقدم التغيير التكنولوجي أسرع من استعداد قوة العمل، فتتوسع الفجوة بين المستفيدين من الاقتصاد الجديد والعاملين الأقل قدرة على الانتقال إليه.

هذا الفارق بين السيناريوهين مهم. فهو ينقل النقاش من السؤال الشائع: كم وظيفة سيأخذها الذكاء الاصطناعي؟، إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالحقوق: من يملك الأدوات التي تسمح له بالانتقال إلى وظيفة جديدة، ومن لا يملكها؟

الإعاقة أمام بوابة الرقمنة  

الأشخاص ذوو الإعاقة يقدمون مثالاً واضحاً على هذه المعضلة. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون أداة إدماج قوية. تطبيقات تحويل الكلام إلى نص، والقراءة الصوتية، والترجمة الفورية، والأدوات المساعدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تستطيع إزالة حواجز كانت تمنع بعض الأشخاص من الوصول إلى وظائف أو أداء مهام معينة.

لكن الاستخدام المؤسسي للذكاء الاصطناعي يحمل الجانب المقابل أيضاً. وهنا، تحذر منظمة العمل الدولية من أن تقنيات الموارد البشرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تضر بمرشحين من ذوي الإعاقة عندما تعتمد على أنماط تعتبر بعض الوجوه أو الأصوات أو طرق التفاعل “غير معيارية”. أي أن أداة مصممة لاختيار الموظف الأكثر ملاءمة قد تستبعد شخصاً مؤهلاً قبل وصول طلبه إلى مسؤول بشري.

وهنا تتغير طبيعة التمييز. في سوق العمل التقليدي يستطيع الباحث عن وظيفة، نظرياً، أن يطلب ترتيبات تيسيرية أو يشرح احتياجاته لصاحب العمل. أما عندما تمر مراحل الإعلان والتقديم والاختبار والفرز الأولي عبر أنظمة رقمية، فقد يحدث الاستبعاد في نقطة مبكرة لا يرى فيها المرشح من اتخذ القرار، ولا يعرف المعايير التي استُخدمت ضده.

المهمشون يدفعون تكلفة الفجوة  

الإعاقة ليست الحالة الوحيدة التي يثيرها التقرير. فالعمال الأكبر سناً يواجهون مخاطر مرتبطة بصعوبة إعادة التدريب واكتساب المهارات الجديدة، فيما قد يبقى العاملون ذوو المهارات المنخفضة والمهاجرون واللاجئون خارج مسارات التدريب والحماية المطلوبة للانتقال إلى الاقتصاد الرقمي ما لم تصمم سياسات تستهدفهم بصورة واضحة.

وتزداد خطورة المسألة مع فجوة المهارات الموجودة أصلاً. فالتقرير يشير إلى أن عدم التطابق بين مخرجات أنظمة التعليم واحتياجات سوق العمل يصل في بعض البلدان العربية إلى ما بين 40 و70%.

هذه ليست مجرد مشكلة تعليمية. فعندما تصبح المهارات الرقمية والقدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي شرطاً متزايداً للتوظيف، يتحول الحرمان من التدريب أو الاتصال الرقمي أو أدوات الوصول المناسبة تدريجياً إلى حاجز أمام الحق في العمل نفسه.

وقد يكون العامل الذي لا يمتلك المهارات الجديدة معرضاً لخسارة موقعه، لكن العامل المهمش أصلاً يواجه خطراً مزدوجاً: ضعف موقعه في السوق الحالية، وضعف قدرته على الانتقال إلى السوق الجديدة.

التكنولوجيا لا توزع مكاسبها تلقائياً

تكمن إحدى أهم خلاصات التقرير في أن أثر الذكاء الاصطناعي ليس نتيجة تقنية حتمية. فالسيناريوهات التي يطرحها تختلف بحسب السياسات المتبعة: الاستثمار في المهارات، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتطوير خدمات التوظيف، وتحديث قوانين العمل، وضمان أن تكون حوكمة الذكاء الاصطناعي أكثر شمولاً.

وهذا يغير طريقة النظر إلى “الفجوة الرقمية”. إذ لم يعد المقصود فقط من يملك هاتفاً أو اتصالاً بالإنترنت، بل من يستطيع استخدام الأنظمة الجديدة، ومن صُممت له هذه الأنظمة، ومن يستطيع الاعتراض عندما تتخذ قراراً يؤثر في مستقبله المهني.

بالنسبة إلى شخص ذي إعاقة، قد يبدأ الإدماج من إمكانية قراءة إعلان الوظيفة أو إكمال الاختبار الإلكتروني. وبالنسبة إلى لاجئ أو مهاجر، قد يرتبط بالاعتراف بالمهارات والوصول إلى التدريب والخدمات. أما العامل الأكبر سناً، فقد تتوقف قدرته على البقاء في سوق العمل على وجود فرص حقيقية لإعادة التأهيل بدلاً من افتراض أن اكتساب المهارات الرقمية مسؤولية فردية بالكامل.

فجوة داخل التقرير  

مع ذلك، تكشف قراءة التقرير عن مشكلة تستحق الانتباه. فهو يسمي الأشخاص ذوي الإعاقة والمهاجرين واللاجئين والعمال الأكبر سناً ضمن الفئات المعرضة لخطر الاستبعاد، لكنه لا يقدم لكل واحدة منها تقديرات كمية مفصلة تعادل التحليل المتاح لبعض المتغيرات الأخرى مثل العمر والنوع الاجتماعي والمهارات.

هذه الفجوة لا تلغي التحذير، لكنها تحد من القدرة على قياس حجمه. فمن الصعب بناء سياسة إدماج دقيقة إذا كانت البيانات لا تظهر أين يعمل الأشخاص ذوو الإعاقة مثلاً، وما المهن الأكثر تعرضاً للتحول، ومدى وصولهم إلى التدريب الرقمي، أو نسبة من يستخدم منهم أدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة.

وقد تصبح البيانات هنا جزءاً من المشكلة الحقوقية نفسها: الفئات الأقل ظهوراً في الإحصاءات أكثر عرضة لأن تصبح أقل ظهوراً أيضاً في السياسات التي تصمم مستقبل العمل.

حق العمل يدخل مرحلة جديدة

لا يقدم تقرير منظمة العمل الدولية و”الإسكوا” حجة ضد الذكاء الاصطناعي. على العكس، يرى أن التكنولوجيا قادرة على تحقيق مكاسب كبيرة في الإنتاجية وفتح وظائف وفرص اقتصادية جديدة إذا أُدير الانتقال بصورة صحيحة.

لكن المكاسب الاقتصادية الإجمالية لا تكفي للحكم على عدالة التحول. فقد ينمو الاقتصاد وتتحسن إنتاجية الشركات، بينما تجد مجموعات معينة أن المسافة بينها وبين سوق العمل أصبحت أكبر. وقد تفتح التكنولوجيا أبواباً جديدة للأشخاص ذوي الإعاقة عبر الأدوات المساعدة والعمل الرقمي، وفي الوقت نفسه تغلق أبواباً أخرى إذا بنيت أنظمة التوظيف على افتراضات لا تأخذ اختلاف البشر في الاعتبار.

لذلك فإن الاختبار الحقيقي للذكاء الاصطناعي في سوق العمل العربية لن يكون عدد الوظائف التي يخلقها وحده، بل من يستطيع الوصول إلى هذه الوظائف.

فالتحول الرقمي العادل لا يبدأ بعد أن تُستبعد الفئات المهمشة ثم تُصمم برامج لإعادتها إلى السوق. يبدأ قبل ذلك، عندما تُبنى أنظمة التعليم والتوظيف والتدريب والحماية الاجتماعية والتكنولوجيا على افتراض أن سوق العمل لا تتكون من عامل “نموذجي” واحد.

وإلا فقد تدخل المنطقة العربية عصر وظائف أكثر ذكاءً، بينما يبقى بعض من يحتاجون إليها أكثر من غيرهم خارج الباب.