بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

قواعد صارمة

الاتحاد الأوروبي يتجه لحظر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال دون 13 عاماً وتقييدها حتى سن 15

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

يتجه الاتحاد الأوروبي إلى فرض واحدة من أكثر القواعد صرامة عالمياً على استخدام الأطفال والمراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي، عبر حظر وصول من تقل أعمارهم عن 13 عاماً إلى هذه المنصات، ومنع من هم دون 15 عاماً من امتلاك حسابات شخصية مستقلة، في خطوة تستهدف الحد من التأثيرات النفسية والسلوكية للتصميمات الرقمية التي تشجع على الاستخدام المفرط.

أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، النقاط الرئيسية للخطة خلال خطابها السنوي عن “حالة الاتحاد” أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، مؤكدة أن المفوضية ستطرح مشروعاً جديداً تحت اسم EU Kids Act لتنظيم وصول القاصرين إلى الخدمات الرقمية.

وبحسب الخطة، لن يُسمح للأطفال دون 13 عاماً باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، في حين يستطيع من تتراوح أعمارهم بين 13 وأقل من 15 عاماً الوصول إليها عبر “حسابات مصغرة” ينشئها الآباء أو الأوصياء ويشرفون عليها، مع تعطيل عدد من الميزات وفرض قيود على مدة الاستخدام. أما الفئة بين 15 و18 عاماً، فلن تخضع للحظر، لكن المنصات ستكون ملزمة بتوفير تصميمات وخدمات تتوافق مع معايير السلامة المخصصة للقاصرين.

في التفاصيل أيضاً، فإن الحسابات المخصصة للفئة بين 13 و14 عاماً قد تخضع لحد أقصى يبلغ ساعة واحدة يومياً، إلى جانب تقليص الوظائف المتاحة مقارنة بحسابات المستخدمين البالغين. وقالت فون دير لاين، إن لكل مرحلة عمرية “حساسيتها الخاصة”، ولذلك ستتبنّى بروكسل نموذجاً متدرجاً للحماية بدلاً من فرض قاعدة موحدة على جميع القاصرين، في تحول قد يفرض تغييرات واسعة على طريقة تشغيل منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” و”فيسبوك” و”يوتيوب” في السوق الأوروبية.

من الحماية إلى التنظيم

التحرك الأوروبي الجديد لا يقتصر على منع الأطفال من مشاهدة أنواع معينة من المحتوى، بل ينقل النقاش إلى الطريقة التي تُصمم بها المنصات نفسها. 

فقد أدخلت المفوضية بصورة متزايدة ما يعرف بـ”التصميم المسبب للإدمان” في قلب سياساتها الرقمية، بما يشمل التمرير اللانهائي للمحتوى، والتشغيل التلقائي لمقاطع الفيديو، والإشعارات المتكررة، وأنظمة التوصية المصممة لزيادة مدة بقاء المستخدم على المنصة. وفي يوليو 2025، أصدرت بالفعل إرشادات لحماية القاصرين بموجب قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، شملت إجراءات لمواجهة التنمر الإلكتروني والمحتوى الضار والسلوكيات الإدمانية والممارسات التجارية التي تستهدف الأطفال.

كما دعا البرلمان الأوروبي في نوفمبر 2025 إلى وضع حد أدنى موحد يبلغ 16 عاماً لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات مشاركة الفيديو وبعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة، مع إمكانية السماح لمن تتراوح أعمارهم بين 13 و16 عاماً باستخدامها بموافقة الوالدين. وطالب النواب كذلك بتعطيل ميزات مثل التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي وأنظمة التوصية القائمة على زيادة التفاعل بالنسبة للقاصرين.

ويمثل مقترح المفوضية الجديد صيغة مختلفة قليلاً عن موقف البرلمان السابق، إذ يضع سن الـ15 حداً لإنشاء الحساب الشخصي المستقل، مع فرض حظر كامل قبل 13 عاماً.

المنصات مطالبة بالامتثال

تحاول بروكسل من خلال التشريع الجديد نقل جزء أكبر من المسؤولية القانونية من الأسرة والمستخدم إلى شركات التكنولوجيا نفسها.

ولفتت فون دير لاين إلى أن الاتحاد الأوروبي يريد “عكس عبء الإثبات”، بحيث يتعين على المنصات إثبات أن خدماتها آمنة للقاصرين، بدلاً من الاكتفاء بمطالبة الأسر والأطفال بحماية أنفسهم من مخاطرها.

وأضافت أن القضية لا تتعلق فقط بموعد دخول الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما أيضاً “بمتى وكيف نسمح لوسائل التواصل الاجتماعي بالوصول إلى القاصرين”، مشددة على أن أوروبا ليست مضطرة إلى قبول الميزات التي تسبب الإدمان أو التي تدفع الأطفال تدريجياً نحو محتوى أكثر تطرفاً.

جاء الإعلان بعد أن قالت فون دير لاين إن الشباب الأوروبيين يمضون حالياً ما بين أربع وست ساعات يومياً أمام الشاشات، محذرة مما وصفته باستحواذ المنصات على انتباه الأطفال وتركيزهم. واستشهدت في خطابها بحالة فتاة بلجيكية في الرابعة عشرة توفيت منتحرة بعد تعرضها للتنمر الإلكتروني، لتؤكد حجم الضغوط التي دفعت المفوضية نحو تشديد قواعد حماية القاصرين.

العمر.. الاختبار الأصعب

يفتح تطبيق الحظر عملياً واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في تنظيم الإنترنت: كيف يمكن للمنصة التأكد من عمر المستخدم من دون جمع كميات إضافية من البيانات الشخصية؟

وتشير مسودات الخطة التي سبقت الإعلان الرسمي إلى توجه نحو إلزام الشركات باستخدام تقنيات للتحقق من العمر، بما في ذلك أدوات أوروبية رسمية أو حلول تحقق معادلة تحافظ على الخصوصية. كما يمتد نطاق المقترح، بحسب المسودة، إلى بعض منصات الألعاب وخدمات الفيديو وروبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وليس شبكات التواصل التقليدية وحدها. ولا تزال هذه التفاصيل قابلة للتعديل إلى حين نشر النص الرسمي للتشريع.

كان البرلمان الأوروبي قد حذر بدوره من أن تقنيات التحقق من العمر ليست حلاً كاملاً، مشيراً إلى وجود مشكلات تتعلق بالدقة والخصوصية وإمكانية التحايل عليها، وداعياً إلى استخدام أنظمة موثوقة تحافظ على بيانات الأطفال.

أستراليا سبقت أوروبا

يأتي التحرك الأوروبي بعد أقل من عام على بدء أستراليا تطبيق أول نظام وطني واسع من نوعه، إذ ألزمت منذ 10 ديسمبر/كانون الأول 2025 عدداً من منصات التواصل باتخاذ “خطوات معقولة” لمنع المستخدمين دون 16 عاماً من إنشاء حسابات أو الاحتفاظ بها.

وتشمل القواعد الأسترالية منصات مثل “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تيك توك” و”سناب شات” و”يوتيوب” و”إكس” و”ريديت”، فيما يمكن أن تواجه الشركات المخالفة غرامات تصل إلى 54.6 مليون دولار أسترالي. وتقول هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية إن ملايين الحسابات التي يُعتقد أنها تعود إلى مستخدمين دون السن القانونية أُزيلت أو عُطلت منذ بدء تطبيق النظام.

لكن التجربة الأسترالية أظهرت أيضاً صعوبة التنفيذ الكامل، إذ أشار بحث للبرلمان الأوروبي في يونيو/حزيران الماضي إلى أن كثيراً من الأطفال ما زالوا قادرين على الوصول إلى بعض المنصات رغم القيود، وأن تقنيات تقدير العمر والتحقق منه لم تصل بعد إلى مستوى كامل من الدقة.

غرامات من الإيرادات العالمية

سيمنح الإطار الأوروبي المقترح سلطات الرقابة أدوات مالية كبيرة في مواجهة الشركات المخالفة. وتشير مسودة التشريع إلى إمكانية فرض عقوبات تصل إلى 6% من الإيرادات السنوية العالمية للشركة في حالات عدم الامتثال، وهذه النسبة تتوافق مع سقف العقوبات الموجود بالفعل في قانون الخدمات الرقمية الأوروبي.

غير أن الإعلان لا يعني أن الحظر أصبح قانوناً نافذاً. فبعد تقديم المفوضية النص الرسمي، سيحتاج التشريع إلى المرور بمفاوضات بين البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي الذي يمثل الدول الأعضاء قبل الاتفاق على الصيغة النهائية.

بذلك تدخل أوروبا مرحلة جديدة في المواجهة التنظيمية مع شركات التكنولوجيا الكبرى: فبعد التركيز لسنوات على حماية البيانات والمنافسة والمحتوى غير القانوني، ينتقل النقاش الآن إلى حق الأطفال في عدم التعرض أصلاً لخدمات مصممة لتعظيم التفاعل والوقت الذي يقضونه أمام الشاشة.

وتلخص فون دير لاين فلسفة التحرك الأوروبي الجديدة بقولها إن أوروبا هي التي تحدد قواعدها، وليس شركات التكنولوجيا الكبرى. وإذا نجح مشروع (EU Kids Act) في اجتياز المسار التشريعي، فقد يصبح النموذج الأوروبي أحد أكثر التجارب تأثيراً في إعادة رسم العلاقة بين الأطفال ومنصات التواصل عالمياً.