بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير جيوسياسي

إسلام آباد غرفة الطوارئ الدبلوماسية في زمن الصواريخ.. وساطة تصطدم بتصعيد الميدان ورفض شروط الاستسلام

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تحولت العاصمة الباكستانية إسلام آباد إلى منصة طارئة لما يشبه “الدبلوماسية تحت النار”، في لحظة إقليمية شديدة الاشتعال، تتصاعد خلالها أعمدة الدخان فوق المنشآت الحيوية والقواعد العسكرية في أنحاء الشرق الأوسط. اجتماع وزراء خارجية اللجنة الرباعية (باكستان، السعودية، مصر، تركيا) لم يكن حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل محاولة أخيرة لاحتواء مواجهة تتدحرج سريعاً نحو سيناريو إقليمي واسع، وربما غير قابل للضبط.

يتزامن هذا الحراك السياسي مع الحرب المستعرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ومع “عدٍّ تنازلي” فرضه إنذار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوصل لاتفاق بحلول السادس من إبريل المقبل، ما يجعل أي جهد دبلوماسي أقرب إلى سباق مع الزمن، أو محاولة لالتقاط أنفاس قبل انفجار أكبر.

مفاوضات على وقع الصواريخ

على الرغم من الأجواء الرسمية الهادئة داخل قاعات الاجتماعات، فإن الواقع الميداني يفرض إيقاعه القاسي. فقد أقر وزراء الخارجية الأربعة — الباكستاني محمد إسحاق دار، والسعودي الأمير فيصل بن فرحان، والمصري بدر عبد العاطي، والتركي هاكان فيدان — بأن التقدم نحو التهدئة لا يزال محدوداً وهشاً.

في الخلفية، كانت الطائرات الحربية تواصل غاراتها على أهداف داخل إيران، فيما ردّت طهران بسلسلة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة طالت مواقع أمريكية في الخليج وأهدافاً داخل إسرائيل. هذا التناقض بين “لغة الطاولة” و”لغة الميدان” يكشف فجوة عميقة في الثقة، ويطرح تساؤلات حول جدوى أي مسار تفاوضي في ظل استمرار العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة. ليتبين أن هذه الاجتماعات ليست مفاوضات بالمعنى التقليدي، بل “إدارة أزمة” تهدف إلى كسب الوقت، أو إعادة توزيع الأوراق قبل جولة تصعيد أكبر.

خطة الـ15 بنداً.. تسوية أم إنذار مقنّع؟

تكتسب اجتماعات إسلام آباد أهمية إضافية لكونها القناة التي مرّ عبرها المقترح الأمريكي لوقف الحرب. مقترحٌ يتضمن 15 بنداً نقلها وسطاء باكستانيون إلى طهران، من بينها وقف العمليات العسكرية، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، وفتح قنوات رقابة دولية على بعض الأنشطة الحساسة.

غير أن هذه المبادرة لم تأت من فراغ دبلوماسي، بل ترافقت بتهديد أمريكي واضح، تجلّى بمنح ترامب مهلة زمنية حتى السادس من إبريل المقبل لضرب منشآت الطاقة الإيرانية الكبرى، إذا لم تمتثل طهران بالكامل، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة.

هذا الربط بين “الدبلوماسية” و”التهديد العسكري” يضع الخطة في موقع مُلتبس: هل هي عرض تسوية أم إنذار نهائي بصيغة سياسية؟ بالنسبة لطهران، يبدو أن القراءة تميل إلى الخيار الثاني، وهو ما يفسر الحذر — بل والرفض الضمني — في بعض دوائر القرار الإيراني.

بين براغماتية التهدئة وعقيدة المواجهة

داخل إيران، لا يبدو الموقف موحداً، ففي حين أبدت القيادة التنفيذية مرونة نسبية عبر الترحيب بجهود الوساطة، صدرت مواقف أكثر تشدداً من مؤسسات أخرى، اعتبرت أن ما يجري ليس سوى غطاء سياسي لتحركات عسكرية أوسع.

هذا التباين يعكس صراعاً داخلياً بين تيار يرى ضرورة احتواء التصعيد لتفادي ضربات مدمرة، وآخر يعتبر أن التراجع تحت الضغط سيؤسس لمرحلة من الابتزاز المستمر. في هذا السياق، يُنظر إلى الخطة الأمريكية في بعض الأوساط على أنها “وثيقة إملاءات” أكثر منها أرضية تفاوض متكافئة.

ويشير الخطاب التصعيدي الذي يحذر من استهداف القوات الأمريكية وحلفائها في حال أي تدخل بري، إلى أن خيار المواجهة لا يزال مطروحاً بقوة، بل وقد يكون مفضلاً لدى بعض مراكز النفوذ.

ثقل إقليمي في مهمة شبه مستحيلة

تكمن أهمية اللجنة الرباعية في تركيبتها المتوازنة وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف. فهي تضم دولاً تمتلك علاقات مع واشنطن، وأخرى تحافظ على قنوات مفتوحة مع طهران، ما يمنحها هامشاً للتحرك كوسيط مقبول نسبياً.

  • باكستان وتركيا: تلعبان دور الوسيط النشط، وتسعيان إلى صياغة مخرج يحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، خصوصاً لإيران، دون الإخلال بالمطالب الأمنية الأمريكية. 
  • السعودية ومصر: تركزان على منع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، نظراً لما قد يترتب على ذلك من تهديد مباشر لممرات الطاقة العالمية، وخصوصاً مضيقي “هُرمز” و”باب المندب”، وما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية.

لكن على الرغم من هذا الثقل، تبقى قدرة اللجنة محدودة أمام واقع عسكري متسارع، وقرارات كبرى تُتخذ في عواصم الصراع أكثر مما تُصاغ على طاولة الوساطة.

سباق مع “الساعة الصفر”

مع اقتراب نهاية المهلة الأمريكية، تتحول الجهود الدبلوماسية إلى سباق محموم مع الزمن. والعالم بالفعل أمام أيام معدودات قد تكون الفاصل بين احتواء الأزمة أو التصعيد. والسيناريوهات المطروحة تتراوح بين اختراق دبلوماسي جزئي يؤدي إلى تهدئة مؤقتة، استمرار الوضع الحالي مع ضربات عسكرية محسوبة من دون حرب شاملة، أو انفجار واسع يبدأ بهجمات استراتيجية قد تغيّر شكل الصراع في المنطقة.

ما يجري في إسلام آباد ليس مفاوضات سلام تقليدية، بل محاولة لإدارة لحظة شديدة الخطورة تحت ضغط السلاح والوقت. وفي ظل هذا المشهد، يبقى الشرق الأوسط مُعلقاً بين خيارين أحلاهما مرّ: تسوية قسرية تُفرض تحت التهديد، أو مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ لعقود مقبلة.