صوّتت الجمعية الوطنية في فرنسا لصالح مشروع قانون يمنع من هم دون 15 عاماً من استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، مع إلزام المنصات بآليات تحقق عمري فعّالة، وتوسيع حظر الهواتف الذكية ليشمل الثانويات بعد أن كان محصوراً في المرحلة الإعدادية.
الخطوة، التي تُعد من بين أكثر الخطوات تشدداً في أوروبا حتى الآن، تعكس تحوّلاً نوعياً في مقاربة الدول للفضاء الرقمي: من تنظيم جزئي قائم على المسؤولية الطوعية للشركات، إلى منطق حماية استباقية تُحمّل المنصات مسؤوليات قانونية مباشرة تجاه القُصَّر.
القرار الفرنسي لا يُقرأ كإجراء معزول، بل كجزء من موجة دولية متصاعدة تعيد تعريف شبكات التواصل بوصفها بيئات مؤثرة في الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي وحتى التكوين السياسي للأجيال الناشئة، لا مجرد أدوات ترفيه أو تواصل.
لماذا بلغ الجدل هذه النقطة الآن؟
خلال السنوات الأخيرة، تراكمت مؤشرات دفعت الحكومات إلى مراجعة علاقتها الرقمية بالقُصَّر بشكل جذري.
في المقدمة، يبرز القلق المتزايد بشأن الصحة النفسية، حيث ربطت دراسات وتقارير رسمية بين الاستخدام المكثف لمنصات التواصل وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم لدى المراهقين، فضلاً عن تصاعد التنمّر الإلكتروني وضغوط المقارنة الاجتماعية.
العامل الثاني يرتبط بالبنية الاقتصادية للمنصات نفسها. فـ”اقتصاد الانتباه” القائم على تعظيم وقت الاستخدام يجعل القُصَّر فئة شديدة الهشاشة أمام الإدمان الرقمي، في ظل خوارزميات مُصممة للاستبقاء لا للتربية أو السلامة.
أما العامل الثالث، فهو تصاعد المحتوى عالي الخطورة: من “تحديات” مؤذية، إلى حملات تشهير جماعي، وصولاً إلى أنماط استدراج واستغلال. هذه الملفات دفعت عائلات ومنظمات مجتمع مدني إلى مقاضاة شركات تكنولوجيا كبرى، خصوصاً في فرنسا والولايات المتحدة، متهمة إياها بالإخفاق في واجب الحماية.
فرنسا: من التنظيم إلى الحظر
المشروع الفرنسي لا يستهدف الإنترنت بوصفه فضاءً مفتوحاً، بل يركّز تحديداً على شبكات التواصل الاجتماعي، مع نقل عبء التحقق من العمر من المستخدم إلى المنصة نفسها، بدل الاكتفاء بتصريحات شكلية عند إنشاء الحسابات.
وتؤكد الحكومة أن القانون ينسجم مع الإطار الأوروبي الأوسع، ولا سيما قانون الخدمات الرقمية، الذي يفرض على الشركات التزامات واضحة في إدارة مخاطر المحتوى وحماية الفئات الهشة.
الرهان الفرنسي مزدوج: حماية الصحة النفسية للأطفال من جهة، وإرسال رسالة سياسية واضحة لشركات التكنولوجيا بأن مرحلة التساهل انتهت.
من يلتحق بالموجة؟
فرنسا ليست وحدها في هذا المسار. فقد سبقتها أو لحقتها دول أخرى بإجراءات متقاربة، وإن اختلفت في شدتها وصيغها القانونية. أستراليا كانت السباقة عالمياً حين أقرت حظراً واسعاً على استخدام شبكات التواصل لمن هم دون 16 عاماً، مع فرض غرامات كبيرة على الشركات المخالفة، ودخل التشريع حيز التنفيذ نهاية 2025. أما ماليزيا أعلنت بدورها نيتها تطبيق حظر مماثل لمن هم دون 16 عاماً اعتباراً من 2026، ضمن حزمة تنظيمية أوسع للفضاء الرقمي.
في أوروبا، تتحرك النرويج نحو تشريع يضع حداً عمرياً مطلقاً عند 15 عاماً، بينما تدرس المملكة المتحدة خياراً قريباً من النموذج الأسترالي. أما إسبانيا فتسير في اتجاه تشديد القيود ورفع سن الموافقة الرقمية إلى 16 عاماً.
في خلفية هذه التحركات، يلوح نقاش أوروبي أوسع حول توحيد سقف عمري قاري، وسط دعوات من البرلمان الأوروبي لاعتماد حد أدنى افتراضي يبلغ 16 عاماً.
كيف تردّ الشركات؟
في مواجهة هذا المدّ التشريعي، تحاول شركات التكنولوجيا الكبرى تقديم بدائل أقل تصادمية من الحظر الكامل. شركة “ميتا” وسّعت نظام “حسابات المراهقين” على “إنستغرام”، مع إعدادات خصوصية مشددة وتقييد الرسائل والمحتوى الموصى به افتراضياً.
في المقابل، عززت “تيك توك” أدوات الرقابة الأبوية، وأدخلت خيارات لتحديد وقت الاستخدام ومتابعة نشاط الحسابات المرتبطة بالقُصَّر. غير أن الحكومات الأوروبية ترى أن هذه الإجراءات تبقى طوعية وقابلة للتراجع، ولا ترقى إلى مستوى الالتزامات القانونية الملزمة، ما يفسّر الإصرار المتزايد على فرض التحقق العمري كمعيار إلزامي.
إلى أين يتجه الملف؟
المؤشرات الحالية توحي بأن العالم يدخل مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والمنصات الرقمية. السيناريو الأول يتمثل في توسّع الحظر الوطني وتحوله إلى نموذج معياري. والسيناريو الثاني يقوم على تسوية تنظيمية أوسع، تفرض “تصميماً آمناً افتراضياً” لحسابات القُصَّر، مع تقليص دور الخوارزميات والاستهداف الإعلاني.
أما السيناريو الثالث، والأكثر تعقيداً، فيتعلق بالتنفيذ: كيف يمكن منع التحايل وضمان حماية فعلية دون خلق سوق سوداء للهوية الرقمية؟
في المحصلة، لم يعد الجدل يدور حول جدوى التدخل، بل حول شكله وحدوده. فـ”طفولة بلا خوارزميات” لم تعد شعاراً أخلاقياً، بل عنوان مرحلة تنظيمية جديدة تعيد رسم التوازن بين الابتكار، والربح، وحق الأطفال في فضاء رقمي آمن.















