مشكلة الولايات المتحدة لم تعد في حجم الدين العام وحده، رغم اقترابه من عتبة 40 تريليون دولار كما ذكرنا، بل في فاتورة الفوائد التي ترتفع عاماً بعد عام. ومع تحول خدمة الدين إلى أحد أسرع بنود الموازنة الفيدرالية نمواً، يصبح الدين قضية استراتيجية لا محاسبية فقط. فكل دولار يذهب إلى الفوائد هو دولار ينسحب من قطاعات الدفاع، أو التكنولوجيا، أو البنية التحتية، أو الاستثمار في المستقبل.
بحسب بيانات وزارة الخزانة، بلغ إجمالي الدين الأمريكي نحو 39.2 تريليون دولار في مطلع يونيو/حزيران 2026، بينما أظهرت بياناتها المالية أن مصروف الفوائد في السنة المالية 2026 حتى تاريخه بلغ نحو 867 مليار دولار، مع متوسط فائدة على الدين يقارب 3.35%. أما مكتب الميزانية في الكونغرس فيتوقع أن ترتفع مدفوعات الفائدة الصافية من نحو تريليون دولار في 2026 إلى 2.1 تريليون دولار في 2036.
من فائدة منخفضة إلى عبء مرتفع
على مدى سنوات طويلة، استفادت الحكومة الأمريكية من بيئة فائدة منخفضة للغاية. بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008، ثم خلال جائحة كورونا، ظلت أسعار الفائدة قرب الصفر لفترات طويلة. في تلك البيئة، كان بإمكان وزارة الخزانة إصدار كميات ضخمة من السندات بكلفة محدودة نسبياً.
لكن المشهد تغير بعد موجة التضخم التي ضربت الاقتصاد العالمي في مطلع العقد الحالي. فقد اضطر مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرة سريعة، ما انعكس مباشرة على تكلفة الاقتراض الحكومي.
المشكلة هنا ليست في الديون القديمة وحدها، بل في عملية إعادة التمويل المستمرة. فالدين الأمريكي ليس قرضاً واحداً طويل الأجل، بل سلسلة هائلة من السندات التي تستحق تباعاً وتُستبدل بإصدارات جديدة. وعندما يحين موعد إعادة التمويل في بيئة فائدة مرتفعة، تضطر الخزانة إلى إصدار دين جديد بكلفة أعلى. هكذا تتحول أسعار الفائدة من متغير مالي عابر إلى قوة تضغط تدريجياً على الموازنة الأمريكية.
أخطر بند في الموازنة
في النقاش السياسي التقليدي، يتركز الاهتمام غالباً على الدفاع، أو الرعاية الصحية، أو الضمان الاجتماعي، أو الضرائب. لكن الفوائد تختلف عن كل هذه البنود في نقطة جوهرية: إنها التزام تعاقدي.
الإنفاق الدفاعي قرار سياسي، والإنفاق الاجتماعي قرار سياسي أيضاً، وحتى الضرائب يمكن تعديلها بقرار سياسي. أما الفوائد، فلا تستطيع الحكومة ببساطة أن تتوقف عن دفعها من دون هز الثقة بأكبر سوق دين في العالم. ولهذا ينظر خبراء المالية العامة إلى مدفوعات الفوائد باعتبارها من أقل بنود الموازنة مرونة. فهي لا تنشئ طريقاً جديداً، ولا تموّل مختبراً بحثياً، ولا تطور سلاحاً متقدماً، ولا تبني جامعة، إنها ثمن اقتراض سابق.
كلما ارتفعت هذه الفاتورة، تقلصت المساحة المتاحة أمام الحكومة لتوجيه الموارد نحو أولوياتها المستقبلية.
في الظاهر، تبدو الولايات المتحدة دولة غنية بما يكفي لتحمل هذه التكاليف. لكن المشكلة ليست القدرة الحالية على الدفع فقط، بل الفرصة الضائعة.
مئات المليارات التي تُنفق سنوياً على الفوائد كان يمكن أن تذهب إلى تحديث شبكة الكهرباء، أو دعم الصناعات المتقدمة، أو تطوير الذكاء الاصطناعي، أو تمويل البحوث العسكرية، أو تحسين البنية التحتية، أو استقطاب المواهب العالمية. وعندما يزداد نصيب الفوائد من الموازنة، تبدأ هذه الاستثمارات في التنافس مع التزامات الماضي.
هنا يتحول الدين من مسألة مالية إلى سؤال عن موقع الولايات المتحدة في العالم. فالقوة لا تُقاس فقط بحجم الاقتصاد، بل أيضاً بحرية الدولة في توجيه مواردها نحو أولوياتها. وكلما ارتفعت الفوائد، تقلصت هذه الحرية.
ما يقلق الاستراتيجيين أكثر من الأسواق
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أزمة ثقة شاملة في الدين الأمريكي. الأسواق لا تزال تشتري سندات الخزانة، والدولار لا يزال يحافظ على موقعه المركزي، والولايات المتحدة ما زالت قادرة على الاقتراض بشروط لا تتاح لمعظم الدول.
لكن “وول ستريت” تسأل سؤالاً مختلفاً عن الذي يشغل الاستراتيجيين: هل تستطيع الحكومة الأمريكية دفع الفوائد وسداد التزاماتها؟ أما المؤسسات الاستراتيجية فتسأل: ماذا تخسر الولايات المتحدة لأنها تدفع هذه الفوائد؟
في بيئة تنافس جيوسياسي متصاعد مع الصين، يصبح تخصيص الموارد قضية أمن قومي. فكل زيادة كبيرة في خدمة الدين تعني موارد أقل للتفوق التكنولوجي، وأموالاً أقل للتحديث العسكري، وهوامش أضيق للاستجابة للأزمات المستقبلية.
لهذا بدأ مصطلح “المساحة المالية” يحتل مكانة متقدمة في النقاشات الأمريكية. فالدولة العظمى لا تحتاج فقط إلى اقتصاد ضخم، بل تحتاج أيضاً إلى هامش واسع للتحرك. وعندما يبتلع الدين هذا الهامش تدريجياً، لا تظهر الأزمة بالضرورة في شكل انهيار مفاجئ، بل في شكل تراجع بطيء في القدرة على الاختيار.
الخطر الذي يناقشه الاقتصاديون لا يتعلق، في اللحظة الراهنة، بانهيار وشيك في سوق الدين الأمريكي، بل بإمكانية تشكل دائرة ضغط يصعب كسرها. وإذا بدأ المستثمرون بالمطالبة بعوائد أعلى لتعويض مخاطر مالية مستقبلية، سترتفع كلفة الاقتراض، وستزداد مدفوعات الفوائد، وسيتضخم العجز. والنتيجة، ستحتاج الخزانة إلى إصدار مزيد من السندات.
هذه ليست نبوءة بانفجار قريب، لكنها آلية ضغط تدريجية. وكلما استمرت لفترة أطول، أصبح الخروج منها أكثر تكلفة سياسياً واقتصادياً. في هذا المعنى، لا تكمن خطورة فوائد الدين في أنها ستُفلس الولايات المتحدة غداً، بل في أنها قد تجعل إدارة القوة الأمريكية أكثر صعوبة خلال العقد المقبل.
لماذا لا تلجأ واشنطن إلى التضخم؟
تاريخياً، استخدمت بعض الدول التضخم لتقليص القيمة الحقيقية لديونها. فعندما ترتفع الأسعار والأجور، يصبح الدين القديم أقل عبئاً نسبياً. لكن الولايات المتحدة تواجه معضلة مختلفة. فالدولار ليس مجرد عملة وطنية، بل أصل عالمي. وما يحمي واشنطن ليس قدرتها على طباعة العملة فقط، بل ثقة العالم في هذه العملة.
أي محاولة متعمدة لإضعاف الدولار عبر التضخم قد تضرب أحد أهم مصادر القوة الأمريكية. فالولايات المتحدة تستفيد من كون ديونها مقومة بعملتها، لكنها في المقابل تحتاج إلى الحفاظ على الثقة بهذه العملة.
هذه هي المفارقة الأمريكية الكبرى: الامتياز الذي يسمح لواشنطن بالاقتراض بكثافة هو نفسه ما يجعل إدارة هذا الاقتراض أكثر حساسية. فالدول الصغيرة قد تتعثر من دون أن يهتز النظام العالمي كله. أما الولايات المتحدة فتدير العملة المرجعية للأسواق العالمية. ولذلك فإن أي خلل كبير في ماليتها العامة لا يبقى شأناً أمريكياً داخلياً، بل يتحول إلى قضية عالمية.
ثمن الماضي على حساب المستقبل
الحديث عن 40 تريليون دولار يجذب الانتباه لأنه رقم ضخم وسهل التداول إعلامياً، لكنه لا يشرح وحده طبيعة التحدي الأمريكي. الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الدين، بل في تكلفة حمله.
الولايات المتحدة لا تزال قادرة على الاقتراض ونيل ثقة الأسواق في آن واحد، وما زال الدولار يحتفظ بمكانته الاستثنائية. لكن كل ارتفاع في فاتورة الفوائد يستهلك جزءاً من الموارد التي كان يمكن توجيهها إلى النمو والتكنولوجيا والدفاع والابتكار. فهل تستطيع أمريكا سداد ديونها؟ وكم ستُنفق من مقدّراتها وقوتها المستقبلية على خدمة هذه الديون؟
من هنا يبدأ الرهان على النمو، الذي تعتمد عليه واشنطن لتجنب هذا السيناريو. فطالما بقي الاقتصاد الأمريكي قادراً على التوسع بما يكفي لاحتواء العجز وكلفة الفوائد، تبقى المعادلة قابلة للإدارة. أما إذا تباطأ النمو، وواصلت الفوائد ارتفاعها، واستمر العجز عند مستويات كبيرة، فإن الدين سيتحول من عبء قابل للإدارة إلى قيد استراتيجي متزايد.















