في وقت تعتمد فيه السياسات الاقتصادية على نبض دقيق وحساس لحركة التوظيف، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام تحوّل استثنائي: غياب مؤشرات سوق العمل الرسمية بسبب الإغلاق الحكومي المستمر منذ سبتمبر، الأطول في تاريخ البلاد الحديث. هذا التعطيل أجبر المحللين على الاعتماد على مصادر بديلة لرسم ملامح سوق العمل. المشهداً ليس كاملاً، لكنه كاف ليُظهر أن سوق الوظائف تفقد زخمها ببطء.
توقع خبراء اقتصاديون، استطلعت شركة “داو جونز”، المتخصصة في الأخبار الاقتصادية والبيانات المالية، آراءهم، أنه لو أصدر مكتب إحصاءات العمل تقريره الشهري الطبيعي عن الوظائف غير الزراعية في السوق الأمريكي لشهر أكتوبر/تشرين الأول، لأظهر انخفاضاً بنحو 60 ألف وظيفة، وارتفاعاً في معدلات البطالة إلى 4.5%، ما يعكس تباطؤاً ملحوظاً في السوق.
توظيف ضعيف والتسريحات ترتفع
تشير بيانات القطاع الخاص إلى أن سوق العمل لا ينهار، لكنه يفقد حرارة التعافي التي استمرت لسنوات بعد الجائحة. أي أن الاقتصاد لا يخلق وظائف كافية، لكنه لا يستغني عنها بكثافة بعد. وبحسب شركة “ADP” لمعالجة كشوفات الرواتب، أضافت الشركات 42 ألف وظيفة فقط في أكتوبر، وهي زيادة متواضعة مقارنة بالأشهر السابقة، لكنها برأي الاقتصاديين أفضل من عدم النمو.
في المقابل، رصدت مؤسسة “Challenger, Gray & Christmas” للاستشارات وإعادة التوظيف، 153,074 عملية تسريح معلنة في أكتوبر، وهي الأسوأ منذ منذ عام 2003. وأوضح مؤشر “مديري المشتريات”، لقطاعي التصنيع والخدمات، هذا الأسبوع، أن المزيد من الشركات تخطط للحفاظ على مستويات التوظيف الحالية، أو خفضها، بدلاً من إضافة وظائف جديدة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مؤشر التوظيف لقطاع الخدمات بلغ 48.2%، بينما سجّل في التصنيع 46%. ورغم ارتفاع كلا المؤشرين قليلاً مقارنةً بالشهر السابق، إلا أن أي قراءة أقل من 50% تشير إلى انكماش.
وظيفة اليوم أثمن من الغد
انعكس هذا التباطؤ على مزاج القوى العاملة. وبحسب بيانات موقع “Glassdoor”، فقد سجّلت ثقة الموظفين تراجعاً في فرص الحصول على وظيفة جديدة، وتزايداً في قبول عروض العمل بدلاً من التريّث، مثلما كان يحدث في أوقات الازدهار. ويرى محللون أن إعلانات التسريح الأخيرة لدى شركات كبرى، مثل “أمازون” و”UPS”، ساهمت في تعزيز الخوف الجماعي من فقدان الوظيفة دون بديل سريع.
قال دانيال تشاو، كبير الاقتصاديين في “Glassdoor”: “إن انخفاض ثقة الموظفين في أكتوبر يعكس مدى سرعة انتشار عدم اليقين الاقتصادي في أوساط القوى العاملة، ومن الواضح أن إغلاق الحكومة، وتزايد مخاوف التسريح هزّت ثقة الموظفين”.
البطالة.. أرقام مستقرة
رغم التباطؤ الواضح في نمو الوظائف، لا يزال معدل البطالة الأمريكي “منخفضاً تاريخياً” عند حدود 4.3% و4.4% وفق بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو. ويُقدّر اقتصاديون في بنك “جيه بي مورغان” عدد طلبات الإعانة الأولية للبطالة الأسبوع الأول من نوفمبر الجاري بـ 229 ألف طلب، بزيادة بسيطة عن 220 ألفاً في الأسبوع السابق، ما يعكس ارتفاعاً طفيفاً. بالمثل، على الرغم من كثرة الإعلانات عن تسريح العمال، إلا أن العدد الفعلي للأشخاص الذين يتقدمون بطلبات للحصول على إعانات البطالة لا يزال منخفضاً أيضاً في الوقت الحالي.
لكن، تحت هذا المتوسط الإيجابي، تختفي هوّة تفاوت اجتماعي حادة. إذ سجّلت بطالة الشباب (بين 20 و24 عاماً) 9.2%، وبطالة الأمريكيين الأفارقة عند حدود 7.5%. وهو ما وصفته مسؤولة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، بـ “الاقتصاد ثنائي السرعات”، حيث الأثرياء يزيدون من ثرائهم، بينما تواجه الفئات الهشّة مخاطر مخاطر متزايدة في سوق العمل”.
الشركات الصغيرة.. الحلقة الأضعف
بينما ما تزال بعض الشركات الكبرى قادرة على التوظيف المحدود، تُظهر البيانات أن الشركات الصغيرة هي الأكثر تأثراً.. وأفاد موقع “Indeed” لنشر إعلانات التوظيف، أن عدد الوظائف الشاغرة انخفض إلى أدنى مستوياته في أربع سنوات، وأن نمو الأجور المعلنة في الوظائف الجديدة تراجع إلى 2.5% على أساس سنوي، وهو أقل من معدل التضخم الحالي البالغ 2.8%.
كما أشار موقع “Homebase” لإدارة أماكن العمل، إلى مزيد من التدنّي في مستويات توظيف الشركات الصغيرة، مع انحسار مؤشر “الموظفين العاملين” بنسبة 2.9% عن مستواه في يناير/كانون الثاني، وتراجع ساعات العمل بنسبة 2.9%.
وأظهرت بيانات “ADP” أن الشركات التي يقل عدد موظفيها عن 250 عاملاً فقدت 34 ألف وظيفة في أكتوبر. بينما أضافت الشركات الصغيرة جداً (أقل من 50 موظفاً) نحو 133 ألف وظيفة منذ بداية العام 2025. الأمر الذي يفسر أن الشركات الصغيرة أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية (من تكاليف وأسعار فائدة)، وتبدأ بتجميد أو تخفيض التعيينات بسرعة أكبر من الشركات الضخمة عند أول إشارة للمخاطر. كما أن أصحاب المشروعات الصغيرة يُفضّلون عدد موظفين أقل مع ساعات أكثر للبقية، كاستراتيجية دفاعية أمام عدم اليقين.
الوظائف الحكومية.. ضربة ظرفية لكن مؤثرة
لا تشمل أرقام “ADP” الوظائف الحكومية في الولايات المتحدة، ومن المحتمل أن يكون هناك انخفاض حاد في التوظيفات الفيدرالية في أكتوبر، بسبب ما يُسمى “برنامج الاستقالة المؤجلة” لإدارة ترامب، والذي استمر في دفع رواتبهم حتى 30 سبتمبر/أيلول. وهو ما كان سيظهر بوضوح في بيانات الوظائف الرسمية، لو صدرت.
صحيحٌ أن هذا الجزء من التراجع مؤقت تقنياً، لكنه يزيد من ضبابية المشهد، ويضع المزيد من علامات الاستفهام حول اتجاه السوق الحقيقي. وهذه العوامل تعني أن الطلب على الوظائف يبرد تدريجياً، وقد يتحول إلى “ضمور أوسع” إذا استمر عدم اليقين الحاصل، وواصلت معه ثقة الشركات والمستهلكين بالانحدار.
الفيدرالي حائر بين التضخم والبطالة
يضع هذا المشهد المُلتبس صانعي السياسة في أكبر مؤسسة نقدية في العالم أمام معادلة صعبة: “سوق عمل ليس قوياً بما يكفي، وليس ضعيفاً بما يبرر قرارات تيسير نقدي مُفرط”. وفي هذا الصدد، يقول أوستان غولسبي، رئيس “فيدرالي شيكاغو”: “نحن في بيئة غير عادية.. معدلات البطالة منخفضة، وكذلك التسريح. وسيكون هذا أمراً جديداً كلياً في بداية الركود، مثلما أنه يُميز فترات عدم اليقين الشديد”.
مع ذلك، فإن ندرة بيانات التضخم الرسمية، في ظل الإغلاق المستمر، تجعل قرار خفض الفيدرالي مزيداً من أسعار الفائدة، لدعم التوظيف، أكثر تعقيداً.
يُمكن القول إن سوق الوظائف الأمريكي يعيش مرحلة توظيف بطيئة بعض الشيء، لا انهياراً سريعاً. لكن المؤشرات التحذيرية تتزايد، وإذا طال الإغلاق وتواصل اضطراب البيانات، فقد يتحول القلق إلى واقع اقتصادي أشدّ قسوة. الأسواق، والسياسات، والمؤسسات المالية تعتمد في قراراتها على أرقام دقيقة. وحين تُحجب هذه الأرقام، تتوسع مساحة الخطأ والتردد.















