تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

حوار

آمال قرامي: القوانين تقدمت لكن التنشئة ما زالت تعيد إنتاج اللامساواة.. والنسوية تحولت إلى “تهمة” لأنها تزعج بنى الهيمنة

تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

يكشف النقاش المستمر في تونس وشمال إفريقيا حول مكاسب المرأة عن فجوة بنيوية بين النظرية التشريعية والواقع السوسيولوجي. فرغم الريادة التشريعية لتونس، تظل المؤسسات التربوية الرسمية تعمل كأدوات لإعادة إنتاج الهيمنة التقليدية بدلاً من تفكيكها. هذا الحوار يحلل أسباب تحول النسوية من إطار معرفي نقدي إلى “تهمة سياسية”، ويفكك آليات التنشئة الاجتماعية التي تجعل اللامساواة تبدو “أمراً طبيعياً”، مستعرضاً حدود التغيير القانوني في غياب ثورة تربوية وثقافية شاملة.

راكمت الدكتورة آمال قرامي، أستاذة الدراسات الجندرية في جامعة منوبة، تجربة أكاديمية لافتة من خلال بحوثها وكتبها مثل: قضية الردة في الفكر الإسلامي الحديث، وحرية المعتقد في الإسلام، والإسلام الآسيوي، والاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية، وغيرها، كما أسست مجلة علمية متخصصة في الدراسات الجندرية “عدسات جندرية”.

في هذا الحوار الخاص مع “غلوبال ووتش عربية”، تتحدث قرامي عن انتقالها من الدراسات الحضارية إلى الدراسات الجندرية وقضية المرأة في العالم العربي وبنية التفكير الذكوري وعلاقته بالسلطة. 

– بدأت مسيرتك الجامعية في البحث بالاهتمام بقضايا التراث وإشكاليات النص الديني قبل أن تحولي وجهتك نحو الدراسات الجندرية، لماذا اخترت هذا المنحى؟

آمال قرامي: أطروحتي الأولى كانت حول “قضية الردّة في الفكر الإسلامي: قديما وحديثا” تحت إشراف الدكتور عبد المجيد الشرفي. ثمّ أنجزت معه أيضاً أطروحة دكتورا الدولة حول الاختلاف والتمييز بين الجنسين وفق الثقافة العربية الإسلامية، والتي صدرت في 2007 عن دار المدار الإسلامي ببيروت، تحت عنوان “الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية”. ولكنّ تعمّقي في دراسات النوع الاجتماعي لم يحل دون اهتمامي بقضايا الفكر الإسلامي، تدريساً وتأطيراً ومشاركة في الندوات والمؤتمرات، ونشراً للبحوث والدراسات التي تتعلّق بحرية المعتقد في الإسلام، والفتاوى وتداعياتها على حقوق الإنسان، وزواج المسلمة بغير المسلم، وتحديث مناهج التعليم الدينيّ، ونشوز الرجل، والمساواة في المواريث، ورمزية زينب بنت علي ّ في التراث الشيعي وغيرها، بالإضافة إلى مشاريع المؤلفات الجماعية التي أُشرف عليها والتي خصصتُ فيها حيّزا لدراسة علاقة النساء بالإنتاج الديني (النساء والمعرفة والسلطة، والنساء والمعرفة الدينية: مواضيع للقول أم ذوات فاعلة؟).

وأزعم أنّ الإضافة التي قدّمتها خلال السنوات الأخيرة، تتمثّل في الربط بين التحليل الجندري والدراسات الدينية، وتنويع المقاربات والمناهج في دراسة النصوص الدينية، فمقال “تمثُل العلماء للرجولة من خلال حكم نشوز الرجل” تناولت فيه بالتحليل خطاب العلماء، مستخدمة ما وفّرته دراسات الرجولة من أدوات جديدة تساعد على فهم مسار تشكّل الرجولة والاختبارات الذكورية، والمعايير الاجتماعية والإكراهات الممارسة على الرجال، وغيرها من المسائل التي أثّرت في أحكام العلماء وتصوراتهم للعلاقات بين الجنسين.

– لماذا صارت النسوية تهمة؟ 

– تطرح النسوية أسئلة حول توزيع السلطة داخل الأسرة، ومكان العمل، والجامعة، والفضاء العام، والسياسة، وتفكّك علاقات القوّة والهيمنة والاستغلال ونظام التراتبيات، إلى غير ذلك من المسائل الجوهرية. كما أنها نضال سياسي اجتماعي من أجل الفعل في الواقع وتغييره. وككلّ مشروع يطالب بإعادة توزيع السلطة والموارد والاعتراف، تُواجه الحركات الاجتماعية بمقاومة من الفئات المستفيدة من الوضع القائم، ونعني بذلك الرجل الذي يوفرّ لهم المجتمع الأبوي مجموعة من الامتيازات. وكلّما شعر هؤلاء بأنّ مصالحهم باتت مهدّدة، استبسلوا في سبيل الدفاع عنها، وناصبوا العداء للنسوية وحرّفوا مضامينها وشوهوّا المدافعات عن الحقوق الإنسانية للنساء بالرغم من أنّ المكاسب التي تحقّقها النساء تعود بالمنفعة على المجتمع ككلّ.

ونشهد في السنوات الأخيرة بروز خطابات وممارسات تستهدف الفكر النسوي، يزعم أصحابها أنّ النسوية هي دعوة إلى “كراهية الرجال” أو “مؤامرة لتفكيك الأسرة” أو “لرفض الدين والتقاليد”… وهي صور نمطية تختزل تيارات نسوية متنوّعة ومعقّدة في مجموعة من الاتهامات الجاهزة. 

هذه الحملات الممنهجة لا تعني أنّ النسوية فقدت مشروعيتها أو قيمتها الأخلاقية، بل على العكس من ذلك، أذهب إلى أنّ بعض التيارات النسوية نجحت، في كثير من السياقات، في مساءلة امتيازات راسخة وهياكل سلطة اعتادت أن تبدو “طبيعية” أو “بديهية” أو من “تحصيل الحاصل” واللامفكر فيه. 

أُشير في هذا الصدد إلى النسوية المناهضة للاستعمار والرأسمالية والإمبريالية، والنسوية اليومية والنسوية البيئية والنسوية الشعبية وغيرها. وعندما تنتقل النسوية من كونها فكرة نظرية إلى إطار لتحليل مختلف بنى الهيمنة والقمع، وممارسة نقدية تعرّي مظاهر اللامساواة والعنف والتمييز والاستغلال وتواطؤ الدول مع النظام الأبوي والنظام الديني والإمبريالية والرأسمالية، فإنّها تثير مقاومة اجتماعية وثقافية وسياسية. 

ولا يمكن أن نتغافل عن سبب آخر من أسباب الهجوم على النسويات يعود إلى تركيبة النظام السياسي. ففي عدد من البلدان، أصبحت قضايا الجندر والنسوية جزءًا من “حروب ثقافية” أوسع. ولذا، تشنّ بعض القوى السياسية حملات على النسوية وتقدّمها بوصفها “عدوًا رمزيًا” لحشد الأنصار والدفاع عن هوية متخيّلة ترى أنّها باتت مهدّدة بالتغيير.

– إلى أي حد يمكن اعتبار التعليم والتنشئة التربوية في العالم العربي، بما في ذلك تونس، سبب ما تعانيه المرأة اليوم من تبخيس ومعاناة وقهر وغياب كامل لثقافة المواطنة؟

– منذ الطفولة المبكّرة يتعلّم الأفراد، بصورة مباشرة أو ضمنية، ما يُتوقع من الذكور وما يُنتظر من الإناث. وفي كثير من البيئات ما زالت الفتاة تُربّى على الطاعة وثقافة الحذر وضبط الجسد والخوف من الفضيحة، بينما يُشجَّع الصبيّ على أخذ زمام المبادرة والاستقلالية والمغامرة. ولا تقتصر هذه الرسائل على الأسرة، بل تتسرّب أيضًا عبر المدرسة والكتب المدرسية والبرامج التلفزية والخطاب الديني والثقافة الشعبية، والمنتج الثقافي (الأغاني، الأفلام، والمسلسلات…) بهذا المعنى، لا تخلق التنشئة التمييز من العدم، بل تُعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل، حتى يبدو “طبيعيًا”.

ورغم أنّ المدرسة الحديثة أسهمت في تعليم النساء ورفع نسب تمدرسهنّ وفتح آفاق جديدة أمامهنّ، فإنّها لم تنجح دائمًا، في ترسيخ ثقافة المساواة والعدالة والحرية. فالكتب المدرسية مازالت تتضمّن مجموعة من التمثّلات التقليدية للأدوار الجندرية، وبناء الهويات والعلاقات. فيظهر الرجل فاعلًا ومنتجًا وصاحب قرار ومبادراً، بينما تُقدَّم المرأة في أدوار الرعاية والخدمة وغيرها من الوظائف “الأنثوية. يُضاف إلى ذلك، أنّ المدرسة في أغلب الدول العربية ركّزت، لعقود طويلة، على التلقين والحفظ والطاعة والانضباط أكثر من اهتمامها بتنمية التفكير النقدي وتأسيس ثقافة المواطنة واحترام حقوق الإنسان وترسيخ قيم المساواة والحرية والعدالة والكرامة.

إن غياب ثقافة المواطنة لا يقتصر على مجال تنظيم علاقة الرجال بالنساء، بل يشمل علاقة جميع الأفراد بالدولة والقانون والفضاء العام. فحين يتربّى الطفل على الخضوع للسلطة داخل الأسرة والمدرسة دون تعلّم أدبيات النقاش وأهمية الاختلاف والمشاركة، يصبح من الصعب عليه أن يتشرّب قيم المواطنة الديمقراطية لاحقًا. لذا، فإنّ الثقافة التي تُنتج مواطنًا خاضعاً، تُنتج كذلك امرأة مطالبة بالطاعة لا مواطنة كاملة الحقوق ومسؤولة.

– ماذا عن الوضع في تونس، التي تميّزت بخصوصية مهمّة مقارنة بعدد من البلدان العربية؟

– شهدت تونس إصلاحات قانونية وتعليمية مبكرة نسبيًا، وحقّقت التونسيات إنجازات ومكاسب مهمّة. غير أنّ التقدّم القانوني والتعليمي لم يؤدِّ تلقائيًا إلى اختفاء الثقافة الذكورية. إذ نجد فجوة بين النصوص القانونية والممارسات الاجتماعية، وبين صورة المرأة في النصوص القانونية بوصفها مواطنة متساوية في الحقوق، وصورة المرأة التي تُنتجها بعض أنماط التنشئة التقليدية. ولهذا نجد أنّ نساء كثيرات يواجهن التمييز أو العنف أو التبخيس رغم تفوّقهنّ العلمي والمهني، واحتلالهن مواقع صنع القرار، وهذا يعني أنّ التعليم والتنشئة التربوية يشكّلان أحد أهمّ أسباب استمرار اللامساواة والفشل في ترسيخ قيم المساواة والمواطنة. لكنّهما ليسا السببين الوحيدين، فالمؤسسة التربوية أو الجامعية تعمل داخل بنية اجتماعية وثقافية وسياسية أوسع. وقد يحدث أن تتعلّم الفتاة في المدرسة قيم المساواة، ثم تجد نفسها في الأسرة أو في الخطاب الإعلامي أو في سوق العمل أمام ممارسات مناقضة تمامًا للقيم التي نشأت عليها.

لذلك، فإنّ تحسين أوضاع النساء لا يتم عبر إصلاح القوانين أو تحسين فرص التعليم فقط، بل يجب تغيير العقليات ومراجعة أنماط التنشئة، وتجديد المناهج التعليمية، وترسيخ التربية على المواطنة وحقوق الإنسان، وتفكيك التصوّرات التي تجعل النساء مواطنات من درجة ثانية أو لا تؤمن بوجوب احترام حريتهنّ وكرامتهنّ وشرعية مطالبهن.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إنّ قضايا النساء في مجتمعاتنا ليست قضايا خاصة بهنّ فحسب، بل هي أيضًا أزمة مجتمع وتربية وثقافة ومواطنة وديمقراطية، فالمجتمع الذي لا يعترف بمواطنة النساء يعجز في الغالب عن بناء مواطنة كاملة للجميع.