بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

بعد هجومين في أشهر قليلة.. مطار نيامي يتحول إلى ساحة اختبار للقوة بين “داعش” و”القاعدة” في الساحل الأفريقي

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة للقاعدة في الساحل مسؤوليتها عن الهجوم الذي استهدف مطار ديوري هاماني الدولي والقاعدة الجوية المجاورة في العاصمة النيجرية نيامي، في عملية قالت السلطات إنها أسفرت عن مقتل 11 عنصرًا من قوات الأمن ومدنيين اثنين، إضافة إلى مقتل 22 مهاجمًا.

يأتي الهجوم بعد أقل من خمسة أشهر من هجوم كبير استهدف الموقع نفسه في يناير/كانون أول 2026 وتبناه تنظيم داعش، ما يمنح العملية الجديدة بعدًا يتجاوز حدود النيجر، ويفتح الباب أمام قراءة أوسع للتنافس بين التنظيمين على النفوذ والهيبة والقدرة العملياتية في الساحل.

موقع سيادي في قلب الرسالة

لا يمثل مطار ديوري هاماني هدفًا عاديًا في الحسابات الأمنية. فهو البوابة الجوية الرئيسية للنيجر، ويرتبط بالقاعدة الجوية المجاورة وبمرافق عسكرية حساسة، ما يجعل استهدافه رسالة مباشرة إلى الدولة ومؤسساتها السيادية.

وبحسب السلطات النيجرية، استهدف هجوم الخميس المطار والقاعدة العسكرية المجاورة، قبل أن تعلن استعادة السيطرة ومقتل 22 من المهاجمين. لكن تكرار استهداف الموقع نفسه خلال أشهر قليلة يطرح تساؤلات تتجاوز الحصيلة الميدانية، خصوصًا أن الهجوم السابق في يناير/كانون أول تبناه تنظيم داعش، فيما جاء تبني الهجوم الجديد من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة.

بالنسبة إلى محللين أمنيين، فإن الرسالة الأساسية لم تعد محصورة في قدرة الجماعات المسلحة على ضرب الأطراف والمناطق الحدودية، بل في قدرتها على الوصول إلى رموز الدولة داخل العاصمة.

تنافس على الساحات لا على العمليات فقط

يعكس هجوم نيامي الجديد انتقال التنافس بين تنظيم الدولة وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث لا يسعى كل طرف فقط إلى تنفيذ عمليات كبيرة، بل إلى منع الآخر من احتكار أي ساحة رئيسية في الساحل.

في النيجر، بدا هجوم يناير/كانون أول الذي تبناه تنظيم داعش محاولة لإثبات القدرة على ضرب قلب العاصمة ومرافقها العسكرية الحساسة. أما إعلان نصرة الإسلام والمسلمين مسؤوليتها عن هجوم يونيو/حزيران فيحمل دلالة مقابلة: أن النيجر ليست مجالًا حصريًا لتنظيم الدولة، وأن الجماعة المرتبطة بالقاعدة قادرة بدورها على تنفيذ عمليات عالية الرمزية داخل العمق النيجرى.

هذا التنافس لا ينفصل عن خرائط النفوذ الأوسع في الساحل. فتنظيم الدولة يحتفظ بحضور مهم في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بينما نجحت نصرة الإسلام والمسلمين في ترسيخ موقعها كأكثر التنظيمات تمددًا في أجزاء واسعة من مالي.

مالي.. تفوق النصرة ومحاولة داعش لكسر الطوق

في مالي، تبدو نصرة الإسلام والمسلمين صاحبة الحضور الأوسع والأكثر انتظامًا، خصوصًا في مناطق الوسط والشمال وعلى امتداد محاور تربط تمبكتو وغاو وموبتي ومناطق ريفية واسعة. ولا يقتصر نفوذها على الهجمات المسلحة، بل يمتد إلى فرض أنماط من الإدارة المحلية والضغط الاجتماعي والتحكم في الطرق والموارد.

لكن تنظيم الدولة يحاول في المقابل منع تحول مالي إلى ساحة شبه حصرية للنصرة، عبر تحركات وهجمات في شرق البلاد، خصوصًا في منطقة منكا ومحيطها، مستفيدًا من امتداده التقليدي في المناطق الحدودية مع النيجر وبوركينا فاسو.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بعد هجمات 25 أبريل/نيسان وما أعقبها من اهتزاز واسع في المشهد الأمني المالي، إذ يسعى كل تنظيم إلى استثمار الارتباك العسكري والسياسي لإعادة تثبيت حضوره أو توسيع نفوذه.

بهذا المعنى، لا تبدو النيجر منفصلة عن مالي، بل جزءًا من مسرح أوسع يحاول فيه كل تنظيم أن يثبت أنه قادر على العمل خارج مناطقه الأكثر رسوخًا.

بوركينا فاسو.. ساحة الاحتكاك المفتوحة

تقع بوركينا فاسو في قلب هذا التنافس، بحكم موقعها بين مالي والنيجر، وبسبب هشاشة مناطق واسعة في الشمال والشرق والحدود الثلاثية. وتعد البلاد إحدى ساحات الاحتكاك الأكثر تعقيدًا بين التنظيمين، حيث تتداخل حسابات التجنيد، وطرق الحركة، والسيطرة على المجتمعات المحلية، واستهداف القوات الحكومية والمتطوعين المحليين.

وبينما تحاول نصرة الإسلام والمسلمين توسيع نفوذها من مالي إلى فضاءات مجاورة، يسعى تنظيم داعش إلى الحفاظ على ممراته التقليدية في الشرق والمناطق الحدودية، ومنع تمدد منافسه إلى مناطق يعتبرها جزءًا من عمقه العملياتي.

في هذا السياق، يصبح استهداف مطار نيامي جزءًا من مشهد أوسع: ليس هجومًا منفردًا على منشأة سيادية، بل حلقة ضمن صراع أكبر على من يقود المشهد الجهادي في الساحل.

من استنزاف الأطراف إلى ضرب الرموز

تكمن خطورة الهجوم الجديد في أنه يؤكد انتقالًا تدريجيًا من استنزاف الأطراف والحدود إلى استهداف الرموز السيادية للدولة. فالمطارات والقواعد الجوية ليست أهدافًا عسكرية فقط، بل مؤشرات على قدرة الدولة على الحركة والمراقبة والرد السريع.

بالنسبة إلى السلطات العسكرية في النيجر، التي بنت جزءًا كبيرًا من شرعيتها على وعد استعادة الأمن والسيادة، فإن تكرار استهداف المطار نفسه يمثل تحديًا سياسيًا وأمنيًا مضاعفًا. أما بالنسبة إلى التنظيمات المسلحة، فإن مثل هذه العمليات تمنحها قيمة دعائية عالية، حتى لو لم تحقق مكاسب ميدانية طويلة الأمد. فالقدرة على الوصول إلى قلب العاصمة تكفي لإنتاج أثر نفسي وسياسي أكبر من كثير من العمليات في المناطق البعيدة.

يكشف هجوم مطار نيامي عن مرحلة جديدة في المشهد الأمني بالساحل، حيث لم يعد التنافس بين داعش ونصرة الإسلام والمسلمين يدور فقط حول القرى والممرات الحدودية، بل حول الرموز السيادية والقدرة على كسر احتكار النفوذ داخل كل ساحة.

داعش الذي ضرب مطار نيامي في يناير/كانون أول أراد إثبات أنه قادر على اختراق قلب النيجر. ونصرة الإسلام، بإعلانها الهجوم الجديد، تسعى إلى تأكيد أنها ليست قوة مهيمنة في مالي فقط، بل لاعب قادر على نقل ثقله إلى النيجر أيضًا.

وبين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، يبدو أن التنظيمين يتحركان وفق منطق واحد: لا ساحة مغلقة بالكامل أمام الآخر، ولا منطقة يمكن تركها لمنافسه دون محاولة اختراق أو إرباك أو إثبات حضور.