بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

موسيقى

بعد توماني دياباتي.. هل ينجح سيديكي في حمل إرث “الكورا” صوت مالي الحزين؟

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

حين كان الراحل توماني دياباتي يعتلي المسارح العالمية حاملاً آلة “الكورا” بين يديه، لم يكن يقدم فقط عرضاً موسيقياً، بل كان يحمل معه تاريخًا يمتد لقرون من الذاكرة الشفوية والثقافة الماندية التي شكلت إحدى ركائز حضارة غرب إفريقيا.

تُعد “الكورا”، بواحد وعشرين وترًا وبصوتها الشجي الذي يمزج بين الحزن والأمل، من أشهر الآلات الموسيقية التقليدية في القارة الإفريقية. وقد تحولت خلال العقود الأخيرة إلى رمز ثقافي عالمي ارتبط اسمه قبل كل شيء بعائلة دياباتي التي حافظت على هذا الإرث الموسيقي عبر أجيال متعاقبة.

برز توماني دياباتي بوصفه الشخصية الأهم في نقل “الكورا” من فضائها التقليدي إلى المسارح الدولية الكبرى، حيث قدم حفلات في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، كما صنع مع الموسيقار المالي الراحل علي فركا توري واحدًا من أشهر الثنائيات الموسيقية الإفريقية المعاصرة، مقدماً أعمالاً وحفلات لا تزال حتى اليوم من العلامات الفارقة في تاريخ الموسيقى العالمية.

لم تكن تلك النجاحات مجرد إنجاز فني، بل أسهمت في جعل “الكورا” سفيرًا ثقافيًا لمالي، في وقت كانت فيه البلاد تُعرف خارج حدودها بالحروب والجفاف والأزمات أكثر مما تُعرف بثروتها الحضارية.

من توماني إلى سيديكي

بعد وفاة توماني دياباتي عام 2024، انتقلت الأنظار إلى ابنه سيديكي دياباتي، أحد أبرز نجوم الموسيقى الحديثة في غرب إفريقيا الذي يحاول الجمع بين المحافظة على التراث العائلي والانفتاح على الأجيال الجديدة عبر مزج “الكورا” بالموسيقى الحضرية و الأفرو- بوب.

ويواجه سيديكي تحديًا لا يقتصر على حمل إرث فني استثنائي، بل يتعلق أيضًا بالحفاظ على مكانة الكورا في زمن تتغير فيه الأذواق الموسيقية بسرعة، وتزداد فيه هيمنة المنصات الرقمية وأنماط الإنتاج التجاري السريع.

رغم ذلك، يواصل الفنان المالي تقديم “الكورا” بوصفها جزءًا من الهوية الوطنية والثقافية لبلاده، مستفيدًا من شعبيته الواسعة بين الشباب داخل مالي وخارجها.

موسيقى في مواجهة الانقسام

تكتسب هذه المهمة بعدًا إضافيًا في بلد يعاني منذ سنوات من أزمات أمنية وسياسية متلاحقة، غذتها الانقلابات العسكرية والصراعات المسلحة وتصاعد نفوذ الجماعات المتطرفة.

في هذا السياق، تحولت الموسيقى بالنسبة إلى كثير من الفنانين الماليين إلى مساحة نادرة تجمع ما فرقته السياسة والحرب.وسعى سيديكي خلال السنوات الأخيرة إلى التعاون مع عدد من الفنانين الماليين من خلفيات ثقافية أو إثنية مختلفة، بينهم فنانون من مناطق الشمال والطوارق، في أعمال حملت رسائل تدعو إلى التعايش والوحدة الوطنية والحفاظ على النسيج الاجتماعي المالي.

يكتسب هذا الدور الرمزي أهمية خاصة في بلد يتعرض فيه الخطاب الوطني لضغوط متزايدة بفعل الانقسامات السياسية والصراعات المسلحة. 

أنغام من باريس

تتجه الأنظار إلى الحفل الكبير الذي يعتزم سيديكي دياباتي إحياءه في باريس خلال سبتمبر/أيلول المقبل، الذي ينظر إليه كثيرون بوصفه أكثر من مجرد موعد فني.

بالنسبة لجمهور واسع من الماليّين في الداخل والمهجر، تمثل “الكورا” صوتًا يحمل ذاكرة البلاد وآمالها، فيما يرى محبو توماني دياباتي في استمرار هذا الإرث رسالة بأن الثقافة ما زالت قادرة على الصمود رغم الأزمات.

بين أوتار “الكورا” الحزينة وأنغامها المفعمة بالأمل، يحاول سيديكي أن يواصل الرحلة التي بدأها والده، رحلة جعلت من آلة إفريقية تقليدية رمزًا عالميًا، ومن الموسيقى لغة تتجاوز الانقسامات السياسية والعرقية، في بلد لا يزال يبحث عن طريقه نحو الأمن والاستقرار.