بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود
بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود

مقالات مشابهة

مهرجان برلين السينمائي

“برليناله 76”.. زخم فني واثق واختبار مُتجدد لنبض السينما العالمية

بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود
بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود

لم يعد الحديث عن الافتتاح بصيغة الانتظار ممكناً. منذ مساء 12 فبراير 2026، دخل مهرجان برلين السينمائي دورته السادسة والسبعين “برليناله 76” بكامل طاقته، وتحولت سجادته الحمراء إلى منصة رمزية تعلن أن السينما، رغم كل التحولات الرقمية والصناعية، لا تزال حدثاً جماعياً يُعاش في اللحظة.

السهرة الافتتاحية في قصر البرليناله جمعت المديرة الفنية تريشيا تاتل برئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني فيم فيندرز، الذي بدا في كلمته أقرب إلى شاعر صورة منه إلى مسؤول تحكيم، حين تحدث عن ضرورة “الإصغاء إلى العالم عبر السينما”. حضور فيندرز لم يكن بروتوكولياً؛ بل شكّل منذ اللحظة الأولى مؤشراً على أن هذه الدورة تُراهن على سينما المؤلف، على الرؤية، وعلى الحساسية البصرية والفكرية.

روح البرليناله التقليدية

فيلم الافتتاح “No Good Men” للمخرجة شهر بانو سادات، الذي جاء ثمرة إنتاج دولي، وعُرض أمام حشد غفير ملأ القاعة، طغت عليه رهبة الحدث أكثر من بهرجة الاحتفال.

وعكس العمل روح البرليناله التقليدية: الانحياز إلى قصص تنبع من مناطق التوتر، إلى أصوات نسائية تبحث عن موقعها في سرديات مضطربة. ردود الفعل الأولية في الأروقة النقدية أشارت إلى مادة متماسكة بصرياً، وإن كانت تراهن على المناخ أكثر من الحدث.

اللحظة الأكثر تأثيراً في الافتتاح كانت بلا شك تسليم الدب الذهبي الفخري إلى النجمة العالمية ميشيل يوه. وقوف القاعة تحيةً لمسيرتها الممتدة لأربعة عقود لم يكن مجرد تكريم لمسار مهني، بل احتفاء بتحول تاريخي في تمثيل المرأة الآسيوية في السينما العالمية. نعم، خطابها جاء مقتضباً، لكنه حمل نبرة امتنان ووعي بمسؤولية الرمزية التي باتت تمثلها.

تنوع في المقاربات

منذ اليوم الأول، دخلت المسابقة الرسمية إيقاعها الفعلي. العروض الأولى كشفت عن تنوع لافت في المقاربات: أفلام تتناول تحولات سياسية معاصرة، أخرى تنقب في الذاكرة الفردية، وثالثة تذهب إلى تخوم التجريب البصري. لجنة التحكيم، التي تضم أسماء من قارات متعددة، وجدت نفسها أمام برمجة لا تميل إلى الحلول الوسطى، بل تفضل الأعمال ذات النبرة الواضحة حتى وإن كانت مثيرة للانقسام.

الندوات والحوارات المصاحبة بدأت بدورها تجذب اهتمام النقاد والصحافيين، خصوصاً اللقاء الذي جمع ميشيل يوه بالمخرج شون بايكر، في نقاش مفتوح حول معنى الاستقلال الفني في زمن الإنتاجات الضخمة والمنصات. مثل هذه اللحظات تؤكد أن البرليناله ليس مجرد منصة عرض، بل مختبر أفكار.

استقطاب الجمهور الشاب

على مستوى الأقسام الموازية، بدت بانوراما والمنتدى أكثر جرأة في طرح موضوعات الهوية والهجرة والعدالة المناخية، فيما واصل قسم Generation استقطاب جمهور شاب يبحث عن سينما تعكس قلق جيله. وكان الحضور في اليومين الأولين لافتاً، في إشارة إلى أن جمهور برلين لا يزال وفياً لتقاليده السينمائية.

بعد يومين فقط، يمكن القول إن الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي بدأت بإيقاع متوازن: احتفاء بالرموز، انفتاح على أصوات جديدة، وبرمجة تراهن على التعدد لا الإجماع. لا تزال المنافسة في بدايتها، والدببة الذهبية والفضية تنتظر لحظة الحسم، لكن المؤكد أن برلين، مرة أخرى، أعادت تثبيت موقعها مساحةً لاختبار نبض السينما العالمية.

“البرليناله” لا يَعِد بالطمأنينة، بل بالحوار. وهذا، في زمن الاستقطاب الثقافي، إنجاز بحد ذاته.