بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

“ادفع قبل أن تخرج”.. بريطانيا تُغلق آخر نوافذ “الفرار الضريبي” أمام الأثرياء

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

في خطوة تحمل رسائل اقتصادية وسياسية قوية، قبيل الإعلان عن الميزانية المرتقبة في 26 نوفمبر الجاري، تبحث الحكومة البريطانية بقيادة المستشارة راشيل ريفز فرض “ضريبة خروج” على أصحاب الثروات الذين يغادرون البلاد نحو ملاذات ضريبية “أكثر وُدًّا”، ضمن محاولة لسد فجوة مالية قد تصل إلى 35 مليار جنيه إسترليني، واستعادة السيطرة على ما تبقى من قاعدة الضرائب الوطنية.

هذه الضريبة المقترحة — أو ما يُطلق عليها “ضريبة تسوية عند المغادرة” (settling-up charge) — الخزانة البريطانية (HM Treasury) على الأرباح غير المحققة في الأصول الاستثمارية والتجارية التي يتركها الأثرياء قبل رحيلهم، بنسبة تصل إلى 20%، وهي ذات النسبة المعمول بها في ضريبة الأرباح الرأسمالية داخل بريطانيا.

قالت الوزارة إن السداد على المعنيّين يمكن أن يكون مُؤجّلاً لعدة سنوات لتخفيف الضغط على سيولتهم، خصوصاً بالنسبة لجيل رواد الأعمال الذين تُباع أصولهم لاحقاً. 

لماذا الآن والاقتصاد يستغيث؟

تشير تقديرات “تايمز” البريطانية، إلى أن الإجراء قد يوفر أكثر من 2 مليار جنيه إسترليني من الإيرادات الإضافية في المرحلة الأولى، بالإضافة إلى ضرائب أخرى تعمل الخزانة على وضعها ضمن قائمة طويلة من الخيارات التي تستهدف ذوي الدخل المرتفع (المليونيرات)، وممتلكاتهم الفاخرة.

بدورهم، وصف داعمو المستشارة هذه الخطوة بأنها “إغلاق لثغرات نزيف ضريبي” استمر لسنوات. فيما يراها اقتصاديون انعكاساً للحاجة المُلحّة لردم فجوة التمويل الحكومي بعد فترة طويلة من النمو البطيء، وحجم الاقتراض التاريخي.

وأكد تحليل “كابيتال إيكونوميكس”، أن ريفز باتت أكثر المستشارين جرأة في زيادة الضرائب منذ نحو 50 عاماً، بعدما جمعت وزارتها 41.5 مليار جنيه من الزيادات خلال 2024، وتسعى للحصول على 38 ملياراً إضافية هذا العام. 

هجرة الأثرياء.. “فكرة مجنونة”!

في موازاة ذلك، تحمل هذه الجرعة القوية من الضرائب المتوقعة مخاطر سياسية واقتصادية لا يستهان بها. إذ وصف روبرت جينريك، وزير العدل في حكومة الظل، المقترح بأنه “فكرة مجنونة” من شأنها دفع أصحاب الثروات وصُنّاع رأس المال للهجرة خارج البلاد. وأشار إلى أن بريطانيا بحاجة إلى استقطاب مزيد من رواد الأعمال والمستثمرين، لا إلى دفن ما تبقى منهم تحت رماد ضرائب جديدة مُثبّطة، أو دفعهم لمغادرة البلاد.

انتقادات مشابهة جاءت من خبراء الضرائب، مثل دان نيدل، من “تاكس بوليسي أسوشييتس”، الذي حذّر من أن مجرد تداول الفكرة قد يُطلق موجة رحيل تستبق إقرار الضريبة رسمياً، وتستنزف مزيداً من الثروات بدلاً من لملمتها. 

أسباب الخروج

توقع تقرير سابق لـ “هينلي للثروات”، أن يغادر 16500 مليونير بريطانيا خلال عام 2025، أي ضعف عدد المغادرين من الصين، وعشر مرات مقارنةً بروسيا. والأسباب تمتد بين عوامل اقتصادية وأخرى سياسية، من أبرزها: التغيرات الضريبية المتكررة، بما في ذلك زيادات الضرائب على الأرباح الكبيرة والعقارات، إضافة إلى ضغوط تنظيمية أشد على المؤسسات المالية والأفراد ذوي الثروات العالية. كما لعبت حالة عدم اليقين السياسي، وانخفاض الثقة بآفاق الاقتصاد المحلي بعد “بريكست”، دوراً بارزاً في دفع المستثمرين للبحث عن بيئات أكثر استقراراً ووضوحاً في قوانينها المالية.

من جانب آخر، قلّلت معدلات التضخم المرتفعة، وتراجع القوة الشرائية للجنيه الإسترليني، جاذبية الاستثمارات المحلية، بينما وفّرت الأسواق الأجنبية ملاذات آمنة بعوائد مستقرة وحماية أفضل للأصول.

علاوة على ذلك، ازدادت فرص الاستثمار في صناديق ومؤسسات دولية، ذات مرونة ضريبية، وإمكانية إدارة الثروات بعيداً عن الرقابة المحلية، ما جعل الانتقال إلى الخارج خياراً مُفضلاً للكثير من كبار المستثمرين. لتخلق هذه العوامل مجتمعة بيئة خصبة لهجرة الثروات، وهو ما يضع ضغوطاً أكبر على الحكومة البريطانية لتقديم حوافز ضريبية واستقرار اقتصادي لاستبقاء رأس المال. 

الخروج من عباءة الاتحاد الأوروبي

قبل “بريكست”، كانت قواعد حرية الحركة في الاتحاد الأوروبي تُقيّد حق بريطانيا في فرض ضرائب على المغادرين. الآن — بحسب البروفيسور آندي سامرز — “تحررت المملكة المتحدة من تلك القيود، وبات بإمكانها اقتفاء نماذج أستراليا وكندا وعدة دول أوروبية تطبق أنظمة مشابهة”. وهذا يعني، تشريع الحقائق الضريبية قبل أن تهرب الأصول إلى الخارج. أي بمعنى آخر: “الأرباح التي صُنعت في بريطانيا… تُجبى فيها، مهما تغيّر عنوان الإقامة الضريبية لأصحابها”.

جيمس سميث، ـ مدير الأبحاث في مؤسسة “ريزوليوشن فاونديشن”، حذّر من أن تأجيل إقرار “ضريبة الخروج” قد يكون وصفة لكارثة اقتصادية، يفتح الباب على مصراعيه أمام تهريب الثروات. 

“ضريبة قصور” وبدائل إضافية على الطاولة

ذكرت مصادر مقرّبة من الخزانة البريطانية، أن البلاد تستعد أيضاً لإعادة هيكلة ضريبية تستهدف المنازل والممتلكات الفاخرة، ما يشبه “ضريبة قصور”، وتمديد تجميد حدود الضرائب الشخصية، وتوسيع اشتراكات التأمين الوطني لتشمل الشركات ذات الشراكة المحدودة، ومالكي العقارات المؤجرة. مع ترجيحات بفرض ضرائب محتملة على الألعاب الإلكترونية والمقامرة عبر الإنترنت، باختصار: “الأثرياء أولاً” هم المستهدفون في جولة الزيادات المقبلة.

رغم الضغط الشعبي الداعي إلى سنّ ضريبة جديدة على “أصحاب الثروات”، تؤكد ريفز أنها لن تفرضها كضريبة مُستقلة، بل ستعتمد إجراءات تحديث ضريبي أكثر ذكاء ومباشرة. 

رسالة إلى الناخبين والأسواق

تستهدف التحركات الصارمة الأخيرة للحكومة البريطانية، سواء كانت توقعات أو أخبار قائمة بالفعل، عدة أشياء في وقت واحد، من بينها:

  • طمأنة الجهات المقرضة بشأن الانضباط المالي.
  • إثبات أن الحكومة قادرة على إصلاح الاقتصاد دون التخلي عن العدالة الاجتماعية.
  • التفوق على المعارضة في خطاب “العدالة الضريبية”.

لكن المعارضة اليمينية تتهم “10 داونينغ ستريت”، أشهر باب سياسي في العالم، بـ “معاقبة النجاح”، وتدمير سمعة بريطانيا، كوجهة آمنة لرأس المال العالمي، وتسجيلها أكبر موجة هجرة ذات صلة منذ عقود. 

الرهان الكبير

تقف الحكومة البريطانية اليوم أمام معادلة يصعب الموازنة بين طرفيها، وهي “سدّ فجوة التمويل الحادة من دون إفراغ البلاد من ثرواتها”. واللعب هنا على حافة السكين حرفياً، لأنه إذا نجح مخطط “ضريبة الخروج”، ستكسب الخزانة موارد مستقرة، وتستعيد بعض العدالة الضريبية. أما إذا أخطأ التقدير، فقد تشهد لندن هجرة تاريخية للثروات، تجعل الأزمة أعمق وأطول.

ومع صمت وزارة الخزانة عن التفاصيل، تبقى كل الأنظار شاخصة إلى ما ستقرره ريفز، هل ستفتح باباً جديداً للعدالة الضريبية؟ أم ستُغلق آخر نافذة لجذب المستثمرين؟ الجواب سيتضح بعد أسابيع قليلة فقط، عندما يُقرَع جرس الميزانية، وهناك ستتضح كلفة الخروج الحقيقي من بريطانيا.