بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

إدارة الهجرة

إيطاليا تنقل احتجاز المهاجرين إلى ألبانيا.. تجربة أوروبية تختبر حدود القانون والحقوق خارج الحدود

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

لم تنقل إيطاليا إلى ألبانيا مباني احتجاز ومهاجرين فقط. فقد نقلت جزءاً من عملية إدارة الهجرة إلى خارج أراضي الاتحاد الأوروبي، فيما أبقت القرارات والإجراءات القانونية في يد السلطات الإيطالية….

لم تنقل إيطاليا إلى ألبانيا مباني احتجاز ومهاجرين فقط. فقد نقلت جزءاً من عملية إدارة الهجرة إلى خارج أراضي الاتحاد الأوروبي، فيما أبقت القرارات والإجراءات القانونية في يد السلطات الإيطالية. هذه المفارقة أصبحت في قلب الجدل مجدداً بعد إحاطة نشرتها “منظمة العفو الدولية” مؤخراً، وثّقت فيها آثار اتفاق روما وتيرانا على المحتجزين، والعقبات التي قالت إن المحامين والمحاكم والجهات الرقابية تواجهها في الوصول إليهم.

الذي تطرحه هذه التجربة يتجاوز مصير مركز في شمال ألبانيا إلى سؤال أكبر: هل تستطيع الدولة نقل مكان ممارسة سلطتها إلى الخارج من دون أن تضعف قدرة الفرد على مراقبة تلك السلطة والطعن فيها؟

وقّعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ونظيرها الألباني إيدي راما الاتفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ودخل حيز التنفيذ في فبراير/شباط 2024. ويسمح لإيطاليا باستخدام منشآت في شينغجين وغيادر لإدارة إجراءات الهجرة والاحتجاز والإعادة، على أن تديرها روما وفق القواعد الإيطالية والأوروبية. وهذا التفصيل أساسي، فالمهاجر موجود جغرافياً في ألبانيا، لكن قرار احتجازه وبقية الإجراءات تأتي من الطرف الآخر.

نموذج متغير  

بدأ المشروع بخطة لنقل بعض الرجال الذين تعترضهم السلطات الإيطالية في البحر إلى ألبانيا، حيث تخضع طلبات الحماية لإجراءات سريعة قبل السماح لهم بدخول إيطاليا أو إعادتهم. لكن التطبيق واجه سلسلة من الاعتراضات القضائية، خصوصاً حول احتجاز طالبي اللجوء القادمين من دول تصنفها إيطاليا “آمنة”.

وبين أكتوبر/تشرين الأول 2024 ويناير/كانون الثاني 2025، نقلت السلطات الإيطالية 74 شخصاً من البحر إلى ألبانيا في ثلاث عمليات، قبل أن تتوقف هذه الصيغة بعد رفض محاكم إيطالية تثبيت عدد من أوامر الاحتجاز.

بعد ذلك أعادت روما توظيف مركز “غيادر” لاحتجاز رجال كانوا موجودين أصلاً في إيطاليا وصدرت بحقهم أوامر ترحيل. وفي إبريل/نيسان 2025 وصلت أول مجموعة تضم 40 شخصاً، ضمن سياسة هدفت الحكومة من خلالها إلى زيادة قدرة نظام الإعادة.

وتقول منظمة العفو إن أكثر من 500 رجل نُقلوا إلى “غيادر” بهذه الصيغة خلال نحو 15 شهراً.

في المقابل، تُصر الحكومة الإيطالية على أن هذه المراكز جزء من نظام الإعادة الإيطالي وليست منطقة خارجة عن القانون، وبأن الاتفاق نموذج مبتكر للتعاون يمكن أن يساعد أوروبا في إدارة الهجرة غير النظامية. وأكد وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوزي، بأن المنشآت تُدار بتوظيف من الشرطة والقضاة الإيطاليَّين.

المسافة جزء من الحق

المشكلة التي تثيرها إحاطة “منظمة العفو الدولية” ليست غياب القانون الإيطالي رسمياً، بل ما إذا كان تطبيق الحقوق يصبح أضعف عندما يُبعد المحتجز مئات الكيلومترات عن النظام القانوني والاجتماعي الذي كان موجوداً فيه.

تقول المنظمة إن الوصول إلى المحامين والمحاكم وآليات المراقبة أصبح أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض المحتجزين، وتنقل عن محامٍ أنه لم يتمكن من مقابلة موكله قبل جلسة قضائية ولم يحصل على وقت كاف لإعداد الدفاع. كما تشير إلى أن وزارة الداخلية رفضت مراراً طلبات المنظمة لزيارة المنشآت لأسباب تتعلق بالأمن والنظام العام.

وهذا يغير طبيعة النقاش. فالحق في المحامي لا يختفي لمجرد نقل المحتجز إلى ألبانيا، وكذلك حقه في الطعن وفي طلب اللجوء. لكن الحقوق القانونية لا تقاس فقط بوجودها في النص؛ بل أيضاً بإمكان استخدامها في الوقت المناسب وبطريقة فعالة.

الكلفة الإنسانية تحت التدقيق

وثقت منظمة العفو أيضاً مؤشرات مقلقة بشأن الصحة النفسية داخل مركز غيادر.

فبين 11 إبريل/نيسان و16 مايو/أيار 2025، سُجلت 42 “حادثة حرجة”، بينها محاولتا شنق وحالات إيذاء للنفس واحتجاج أصيب خلاله ثلاثة أشخاص بشظايا زجاج، وفق البيانات التي استند إليها تقرير المنظمة.

هذه الأرقام لا تثبت وحدها أن نقل المحتجزين إلى ألبانيا هو السبب المباشر لكل واقعة؛ فهناك من الموجودين في مراكز الهجرة من وصل أصلاً بعد رحلات شاقة وصدمات وتجارب احتجاز سابقة، لكنها تجعل شروط الاحتجاز والرعاية الطبية والنفسية جزءاً ضرورياً من تقييم النموذج، خصوصاً عندما يكون الهدف المعلن من النقل إدارياً وليس عقابياً.

القضاء الأوروبي لم يغلق الملف

الصراع القانوني لم يعد محصوراً بين حكومة ميلوني والقضاة الإيطاليين. ففي أغسطس/آب 2025، قضت محكمة العدل الأوروبية، في قضية منفصلة مرتبطة بمفهوم “بلد المنشأ الآمن”، بأن للدول الحق في تحديد الدول الآمنة، لكن الأساس الذي تعتمد عليه يجب أن يكون متاحاً للمراجعة القضائية، وأن التصنيف يجب أن يتوافق مع متطلبات القانون الأوروبي. وأثر الحكم مباشرة في أحد الأسس التي بنيت عليها الصيغة الأصلية لمراكز ألبانيا.

ولا تزال أمام محكمة العدل قضايا أكثر مباشرة بشأن نقل المحتجزين إلى “غيادر”. وهي تنظر في ما إذا كان بروتوكول إيطاليا وألبانيا وتطبيقه على طالبي الحماية ومتلقّي أوامر الإبعاد يتوافقان مع قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن الاحتجاز واللجوء والحق في الدفاع والرعاية الصحية. وحتى أغسطس 2026، لا تزال بعض هذه القضايا معلقة، ولم يصدر فيها حكم نهائي.

لكن اثنين من المحامين العامين في المحكمة قدّما حتى الآن نقطة قانونية لافتة: نقل مركز الاحتجاز إلى دولة ثالثة ليس ممنوعاً تلقائياً بموجب قانون الاتحاد، شريطة أن تظل الضمانات الأوروبية قابلة للتطبيق فعلياً. مع ذلك، يبقى الرأي القانوني للمحامي العام حكماً غير ملزم للمحكمة.

وهذا يعيد القضية إلى سؤالها الأصلي: ليست الجغرافيا وحدها هي التي تحدد المسؤولية.

من إيطاليا إلى أوروبا

لهذا تتجاوز أهمية “غيادر” علاقة روما بتيرانا. فالاتحاد الأوروبي يناقش بصورة متزايدة أدوات تسمح بتنفيذ أجزاء من إجراءات الإعادة أو إدارة الهجرة في دول ثالثة. وفي يونيو الماضي، رحّب وزير الداخلية الإيطالي باتفاق أوروبي جديد بشأن قواعد الإعادة، قائلاً إنه يفتح الباب أمام “أدوات تشغيلية في دول ثالثة”.

بالنسبة إلى حكومة ميلوني، تقدم ألبانيا نموذجاً لدولة أوروبية تحاول استعادة السيطرة على حدودها وتقليل الضغط على منظومة الهجرة الداخلية وتسريع عمليات الترحيل. أما منتقدو المشروع فيرون أن النموذج يكشف خطراً مختلفاً: “تدويل الهجرة” بات وسيلة تجعل المحتجز أبعد عن المحامي والمراقب والمحكمة، حتى عندما تبقى الدولة صاحبة القرار مسؤولة عنه قانونياً.

وعليه، يكشف الاتفاق الإيطالي-الألباني أن المسافة الجغرافية تستطيع أن تتحول إلى مسافة قانونية وعملية إذا لم تنتقل معها المحاكم والمحامون والرقابة بالفاعلية نفسها.