عمود كهرباء

مرحباً بكل من هبّ ودبّ!

جمال بدومة
جمال بدومة

الصحافي يتسابق عادة للوصول إلى الخبر وليس إلى كرسي الرئاسة، لذلك تفاجأ كثير من الفرنسيين وهم يرون مديرة التحرير السابقة لمجلة “ماريان”، ناتاشا بولوني، تترشح للانتخابات الرئاسية المرتقبة في الربيع المقبل. بعضهم ابتسم وهو يردد: لم لا، هل الآخرون أحسن منها؟ فيما ضرب آخرون أخماساً في أسداس ولسان حالهم يقول: “لا حول ولا قوة إلا بالله”، بالفرنسية الفصحى.

ناتاشا بولوني ليست أول صحافية تحلم بالدخول إلى قصر الإليزيه، زميلها إيريك زمور تسلّل أيضا بين المتسابقين، رغم أن حظوظ الاثنين في الفوز تقترب من الصفر. بخلاف بولوني، يحمل زمور أفكاراً رجعية عتيقة، تعادي المرأة والإسلام والمهاجرين. الرجل يريد منع الأسماء التي تحمل جذوراً عربية أو أفريقية: إذا كان اسمك مامادو سيسميك نيكولا، وإن كان اسمك فاطمة ستصبحين كورين… المضحك في الأمر أن زمور اليميني المتطرف، المنحدر من أصول جزائرية، يحمل اسماً يعني “الزيتون” بالأمازيغية.

زميلنا “الزيتوني” يشارك للمرة الثانية في الرئاسيات، باسم حزب سمّاه “استرداد”، في إحالة مباشرة على الحروب الصليبية، التي دارت بين المسلمين والمسيحيين في القرون الوسطى، وانتهت باسترداد الأندلس… ولا غالب إلا الله، بالفرنسية الفصحى طبعاً. 

الدستور الفرنسي يسمح للجميع بالترشح للانتخابات الرئاسية، بغض النظر عن المهنة والأصول الاجتماعية والانتماء السياسي، شريطة استيفاء شروط تتعلق بالحقوق المدنية، كأن يكون سجله العدلي نظيفاً، أي بلا سوابق، وأن يحصل على تزكية من خمسمائة منتخَب في مختلف مؤسسات الجمهورية. 

التزاحم على رئاسة فرنسا يذكرني بواقعة طريفة، حدثت في إحدى مدن الغرب الجزائري، حيث أقيم ملتقى أدبي حضرته نخبة من النقاد والمبدعين، وجاء محافظ المدينة ليفتتح المهرجان، وكانت علاقته بالعربية مثل علاقة جدتي بالذكاء الاصطناعي،  فرحّب بالضيوف قائلاً: أهلًا وسهلا بكل “من هب ودب” في هذا العرس الأدبي…

فأهلاً وسهلاً بكل “من هبّ ودبّ” في عرس الرئاسيات الفرنسية!

بخلاف السياسي، الذي يصنع الأحداث ويحاول التأثير عليها، الصحافي مجرد شاهد يؤرخ لما يحدث حوله، من خلال الوقوف على مسافة واحدة من الفاعلين، وتنويع المصادر، وتوخي الحياد، وحين يتحول الشاهد إلى فاعل، فاعلم أن العالم يمشي على رأسه، وأن هناك “شيء ما فاسد في مملكة الدنمارك”، كما قال شكسبير في مأساة قديمة. 

في سوريا، بعد انقلاب 23 فبراير/شباط 1966 وسيطرة البعث على الدولة، أصبحت المناصب الأساسية في أيدي ثلاثة أطباء: الدكتور نور الدين الأتاسي رئيسا للجمهورية، والدكتور يوسف الزعين رئيسا للوزراء، والدكتور إبراهيم ماخوس وزيراً للخارجية… واشتهرت وقتها مقولة ساخرة، نُسبت إلى كامل مروة مؤسس جريدة “الحياة”، تعليقاً على الموقف: “سوريا يحكمها ثلاثة أطباء، لا شكّ أنها مريضة!”… 

ولقد كانت بالفعل مريضة، ولم تنفع معها وصفات الأطباء الثلاثة، ولا الدكاترة الذين جاؤوا من بعدهم في مختلف التخصصات، وآخرهم طبيب عيون، “ثقب لها العين” بدل أن يعالجها، وها هي سوريا اليوم بعد أن يئست من الأطباء تجرّب “الرقية الشرعية”، نسبة إلى الشرع طبعاً، شفاها الله وعافاها… 

عندما يحكم الأطباء الدولة تكون مريضة، وعندما يحكمها الصحافيون ماذا تكون؟ 

تصبح “خَبَرا”، بلا شك، وهذا بالضبط ما يحدث لفرنسا هذه الأيام. كانت بلاداً وتحولت إلى خبر في الصفحات الأولى للجرائد. لا حديث في الإعلام العالمي إلا عن التظاهرات العنيفة التي تهز الجمهورية. أصبحت احتجاجات التلاميذ والسترات الصفراء ومناهضي إصلاح نظام التقاعد أكثر شهرة من برج إيفل وقصر فرساي ومتحف اللوفر. بلاد الأنوار أصبحت خبراً، لذلك لا غرابة أن يتطلع إيريك زمور وناتاشا بولوني إلى حكمها. أليس “الخبر” مهنتهما؟ 

في مختلف دول العالم، يتقلد منصب الرئاسة أشخاص قادمون من الإدارة أو من المصارف وعالم المال والأعمال أو من مكاتب المحاماة أو معاهد العلوم السياسية أو من الجيش… 

مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة، الجنرال ديغول، كان عسكرياً كما تدل على ذلك رتبته. تقلد المنصب بعد انتصار “فرنسا الحرة” في الحرب العالمية الثانية ومحاكمة رموز حكومة فيشي المتعاونة مع النازية، وفي مقدمتهم الماريشال بيتان، وهو أيضاً عسكري حكم الجمهورية. جورج بومبيدو الذي خلف ديغول، درس العلوم السياسية والأدب ودرّسهما، وقد ألّف أنطولوجيا جميلة عن الشعر الفرنسي. أما فرانسوا ميتران فقد درس الحقوق والعلوم السياسية، ووقّع مقالات صحافية خلال مسيرته الطويلة نحو قصر الإليزيه. مع فاليري جيسكار ديستان، وصل إلى الحكم جيل “بوليتيكنيك” و”المدرسة الوطنية للإدارة”، التي تعد مختبراً لصناعة النخبة الحاكمة. جاك شيراك أيضاً تخرج من “المدرسة الوطنية للإدارة”، ورغم أنه كان يحب الأدب، فقد ظل يُخفي شغفه بذلك، كي يحافظ على صورة السياسي الصارم، أمام الخصوم والحلفاء. من الطرائف التي يحكيها بعض مستشاريه أنه كان يخبئ المجلات الشعرية في الخزنة السرية لمكتبه. لا مكان للشعر مع السلطة!

أما نيكولا ساركوزي فقد درس الحقوق ومارس المحاماة، فيما تخرج فرانسوا هولاند، مثل جيسكار وشيراك، من المدرسة الوطنية للإدارة، تماماً مثل الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، الذي عمل في مصرف روتشيلد قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية منذ 2017…

لا نعرف كيف يمكن أن تصبح فرنسا إذا ما حكمها الصحافيون لكننا نعرف كيف أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن حكمها مذيعو التلفزيون. 

نعرف اليوم أن من بين أسباب الفشل الأمريكي في إيران أن وزير الحرب مذيع تلفزيوني، والرئيس مذيع سابق لبرامج تلفزيون الواقع، والواقع طبعاً غير التلفزيون. المذيع يهتم بالصورة أكثر من الواقع، والتواصل عنده أهم من الإنجاز، لذلك لم يتوقف الرئيس الأمريكي ووزيره في الحرب عن الإعلان بأنهما انتصرا، رغم أن الواقع يقول شيئا آخر… 

ثم هناك فلوديمير زيلينكسي، الذي تحول من نجم تلفزيوني في أوكرانيا وروسيا إلى قائد سياسي وعسكري في أصعب الظروف. الممثل الذي اشتهر بأدوار كوميدية تحول إلى بطل تراجيدي، كأنه خرج من مأساة إغريقية. 

بعض البلدان كانت أفضل حظاً، وحكَمها كتّاب ومبدعون. السنغال عرفت فترة ذهبية في تاريخها الحديث حين قادها الشاعر الكبير ليوبولد سيدار سنغور، وجمهورية التشيك ترأسها الكاتب المسرحي فاكلاف هافل، وكاد الكاتب الشهير ماريو فارغاس يوسا أن يحكم البيرو عام 1990 لولا هزيمته المفاجئة في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية…

لم يبق إلا “المؤثرون” ليجرّبوا حظهم مع الرئاسة، ولا أعتقد أن ذلك سيتأخر، خصوصاً أن “الفيك نيوز” يتقدم على الخبر و”المؤثر” ينتصر على الصحافي. قريباً سينزل سكان “تيكتوك” و”إنستغرام” و”يوتيوب” بثقلهم في السباقات الرئاسية، وسيطلبون من الشعب الاشتراك في القناة وتفعيل الجرس… وبذلك نكون قد وصلنا إلى الحلقة الأخيرة من المسلسل!