دخل قانون روسي لدعم تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، واضعاً إطاراً يربط امتيازات النماذج المؤهلة بالسيطرة الروسية على مطوّريها، وتوطين البيانات، والتوافق مع التشريعات و”القيم الروسية الروحية والأخلاقية التقليدية”. غير أن أحكاماً أساسية، من بينها شروط منح الصفة “السيادية” أو “الوطنية”، لن يبدأ سريانها قبل الأول من مارس/آذار 2027.
يضع التشريع، الصادر في 26 يوليو/تموز الماضي، تطوير الصناعة المحلية والاستقلال التكنولوجي وتحسين الخدمات العامة ضمن أهدافه، إلى جانب إنتاج نماذج قادرة على المنافسة عالمياً. لكنه يمنح موسكو أيضاً صلاحيات قد تجعل التصنيف القانوني مؤثراً في فرص الشركات وقدرتها على الدخول إلى قطاعات من السوق، بما يثير تساؤلات عن انعكاس هذه الشروط على الخدمات والإجابات المتاحة للمستخدمين.
تنظيم يوسّع رقابة الدولة
هذه المفارقة محور تحليل نشرته منصة “تيك بوليسي برس” في 2 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعدّه الباحث القانوني دميتري كوتينيكوف وصحفية البيانات ليوبوف بوبوفيتس. يرى الكاتبان أن القانون يمنح الدولة أدوات للتحكم في المطوّرين والأسواق أكثر مما يوفر إطاراً متكاملاً لمعالجة مخاطر الذكاء الاصطناعي. وهذه قراءة لاتجاه التشريع، وليست نتيجة محسومة بشأن آثاره، التي سيتوقف جانب مهم منها على قواعد التنفيذ.
ولا ينظم القانون جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالتفصيل، بل يركز على “النماذج التأسيسية الكبيرة”: نماذج متعددة المهام تصلح أساساً لتطوير برمجيات أخرى، وتحتوي على مليار معلمة على الأقل، أي القيم العددية التي يضبطها التدريب لتشكيل سلوك النموذج. وبذلك يتجه التنظيم إلى البنية التي تُبنى عليها خدمات عديدة.
في المقابل، لا يخلو النص من التزامات تتعلق بالسلامة؛ إذ يلزم مطوّري النماذج المصنفة باتخاذ تدابير تنظيمية وتقنية، ووضع قواعد للاستخدام والتحديث والإخراج من الخدمة، والاحتفاظ بوثائق تصف الخصائص والقيود اللازمة لتقييم أمان التشغيل. ويبدأ سريان هذه الالتزامات في مارس/آذار 2027.
سيادة بشروط
يقيم القانون تمييزاً بين فئتين: النموذج “السيادي”، الذي يشترط أن يتولى المطوّر الروسي تطويره وتحديد خصائصه وتعديلها طوال دورة حياته، وأن يمتلك القدرة التقنية على إعادة إنتاج دورة تطويره، بما يشمل التدريب. والنموذج “الوطني”، الذي يمكن أن يستند إلى مكونات أو نماذج أجنبية متاحة بترخيص مفتوح، بشرط أن يحدد المطوّر الروسي خصائصه الأساسية ويعدلها.
وتشترط الفئتان أن تولَّد الإجابات وتُخزَّن البيانات داخل مراكز تقع في روسيا وتملكها كيانات قانونية روسية، واجتياز تقييم المطابقة للتشريعات و”القيم التقليدية”. ولا يكتفي القانون بالتسجيل المحلي لتعريف الكيان الروسي؛ بل يربطه، كقاعدة عامة، بسيطرة جهات روسية محددة في النص من خلال امتلاك أكثر من نصف حقوق التصويت.
وليس الاعتماد على أساس أجنبي احتمالاً نظرياً. ففي شرح تقني نشرته “ياندكس” في فبراير/شباط 2025، أوضحت الشركة أنها بدأت تدريب نموذج “YandexGPT 5 Pro” باستخدام الأوزان المدرَّبة للنسخة الأساسية من النموذج الصيني “Qwen-2.5-32B”، ثم استكملت مراحل تدريبها الخاصة. وقالت إن هذا النهج اختصر زمن التجارب ووفر الموارد. وفي المقابل، ذكرت أن نموذجها الأصغر “YandexGPT 5 Lite” بدأ بأوزان عشوائية، من دون استخدام أوزان نموذج آخر.
وترتبط الصفة القانونية بامتيازات عملية؛ فالقانون يتيح للمطوّرين المؤهلين الاستفادة من تدابير الدعم والمشاركة في إعداد مقترحات السياسة الحكومية، ويفوّض الحكومة بتحديد حالات يُسمح فيها حصراً باستخدام النماذج “السيادية” أو “الوطنية”. وعليه، قد يتحول التصنيف إلى شرط لدخول أجزاء من السوق.
مع ذلك، لا يفرض القانون حظراً شاملاً وفورياً على النماذج الأخرى، إذ يبدأ تطبيق صلاحية حصر استخدامات محددة في النماذج “السيادية” أو “الوطنية” في مارس/آذار 2027. ويمنح استثناءً انتقالياً حتى الأول من سبتمبر/أيلول 2032 لأنظمة المعلومات التي تستخدم نماذج أُنشئت أو دخلت حيز التشغيل قبل ذلك التاريخ، شريطة معالجة البيانات وتخزينها داخل روسيا.
ويمتد التمييز إلى حقوق المؤلف، إذ يسمح التشريع، اعتباراً من الموعد نفسه، بالنسخ المؤقت في ذاكرة الحاسوب لأغراض تدريب النماذج “السيادية” أو “الوطنية”، وفق شروط محددة، منها حصول المطوّر على نسخة من العمل بصورة مشروعة، أو إتاحة العمل للجمهور وإمكانية تحليله من دون قيود تقنية. ولا تنص مادة الاستثناء على تعويض مالي لأصحاب الحقوق، ما يجعلها ذات أهمية للناشرين والمبدعين والشركات المطوّرة على حد سواء.
الإجابات والحقوق
تزداد حساسية النظام عند الانتقال من منشأ التقنية إلى معايير إجاباتها. ويورد القانون، ضمن مبادئه، حماية حقوق الإنسان وحرياته واستقلال إرادته، ويجمع في قائمة القيم بين الكرامة والعدالة والتكافل، والوطنية وخدمة الوطن والأسرة القوية والذاكرة التاريخية. وتكمن المسألة في كيفية تحويل هذه المبادئ الواسعة إلى اختبارات عملية: ما الذي سيُعد حماية من الضرر، وما الذي سيُعامل بوصفه خروجاً على القيم؟
وهناك أبحاث سابقة تناوبت مدى حساسية بعض النماذج الروسية تجاه المحتوى السياسي المحلي. ووجدت إحداها، التي نُشرت على منصة “أركايف” في إبريل/نيسان 2025، وشملت 14 نموذجاً بلغات متعددة، أن “غيغاشات” و”ياندكس جي بي تي” سجلا معدلات مرتفعة لرفض الإجابة عندما طُرحت الأسئلة بالروسية، وكذلك عند السؤال عن شخصيات سياسية مولودة في روسيا.
رصد الباحثون أيضاً أنماطاً من الرفض والحذف الانتقائي في نماذج طُوّرت في دول أخرى. وتقتصر هذه النتائج على النماذج والاختبارات التي شملتها الدراسة، ولا تثبت وجود صلة بالقانون الذي صدر لاحقاً، كما لا تعني أن كل امتناع عن الإجابة يعود إلى دوافع رقابية أو سياسية.
فجوة بين الضمانات القانونية والرقابة الفعلية
ويركز نقد كاتبي “تيك بوليسي برس” على الفجوة بين المبادئ والضمانات الإجرائية. ويُجيز القانون وضع قواعد خاصة لاستخدام النماذج في الدفاع والأمن والتحريات والإدارة العامة، لكنه لا يقدم بنفسه منظومة مفصلة للرقابة المستقلة أو للاعتراض على القرارات في هذه المجالات. ولا يعني ذلك انعدام كل حماية قانونية، إذ تحيل المادة المتعلقة بالمسؤولية إلى التشريعات الروسية العامة.
وتظهر حدود الشفافية أيضاً في المحتوى المولّد. فابتداءً من مارس/آذار العام المقبل يجب إتاحة إمكانية وضع إشعار باستخدام الذكاء الاصطناعي عند إنتاج مواد صوتية أو مرئية، لكن النص لا يلزم بإظهار الإشعار على كل مادة. والفارق مهم للجمهور: توفير أداة للإفصاح لا يضمن استخدامها، ولا يكفل وحده التمييز بين التسجيل الحقيقي والمحتوى المولّد.
لذلك، لن يُقاس أثر القانون بعدد النماذج التي تحمل صفة “وطنية” أو “سيادية” فقط. سيكون الاختبار في قواعد منح التصنيف، ونطاق الاستخدامات التي قد تُحصر في النماذج المؤهلة، وكيفية تطبيق معايير المطابقة. ومن خلال هذه التفاصيل سيتضح ما إذا كانت الامتيازات توسّع القدرة التقنية وتدعم المنافسة، وما تفرضه، في المقابل من قيود على سلوك النماذج ووصول المستخدمين إلى المعلومات.















