تجاوز إجمالي الدين العالمي 365 تريليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بعدما أضاف الاقتصاد أكثر من 10 تريليونات دولار إلى رصيد ديونه خلال ستة أشهر فقط، مدفوعاً باستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي والطاقة والأمن والدفاع والبنية التحتية، إلى جانب ديون الأسواق الناشئة. وذلك وفق تقرير “مراقبة الديون العالمية” الصادر عن معهد التمويل الدولي.
أوضح التقرير أن ديون الأسواق الناشئة زادت بمقدار 6.5 تريليون دولار لتصل إلى أكثر من 110 تريليونات دولار، بقيادة الصين، في حين تباطأ تراكم الديون في الاقتصادات المتقدمة بشكل حاد.
ورغم ضخامة الرقم، فإن وتيرة تراكم الدين تباطأت بوضوح مقارنة بالعام السابق؛ إذ تقل الزيادة المسجلة في النصف الأول من 2026 عن نصف مبلغ 21 تريليون دولار المضاف خلال الفترة نفسها من العام الماضي، ما يعني أن ارتفاع أسعار الطاقة، وما تبعها من ارتفاع للفائدة وتكاليف خدمة الدين في ظل التوترات الجيوسياسية، أثر سلباً على شهية الاقتراض.
لكن التباطؤ لا يعني انحسار المشكلة. الزيادة الأخيرة جاءت أساساً من الحكومات والشركات غير المالية، فيما سجل القطاعان مستويات قياسية جديدة، ما ينقل مركز الثقل من ديون مرتبطة بأزمات مؤقتة إلى التزامات تُمول إنفاقاً استراتيجياً طويل الأجل.
ديون يقودها الذكاء الاصطناعي والدفاع
من المتوقع أن يصل الإنفاق على قطاعات الرعاية الصحية والطاقة والذكاء الاصطناعي والدفاع إلى 25 تريليون دولار في عام 2026. ويبرز قطاع تكنولوجيا المعلومات بصورة خاصة في طبيعة المدفوعات، مع اندفاع عمالقة التقنية نحو بناء مراكز بيانات ضخمة وتوسيع قدرات الحوسبة اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. ويؤدي ذلك إلى زيادة احتياجات الشركات إلى التمويل طويل الأجل، سواء عبر السندات أو القروض أو أسواق الائتمان الخاص.
في الوقت نفسه، بات الإنفاق الدفاعي محركاً متزايد الأهمية للديون السيادية، خصوصاً لدى دول الاتحاد الأوروبي، التي ارتفع إنفاقها ذو الصلة إلى نحو 418 مليار يورو في 2025، بزيادة 20% عن عام 2024، ومن المتوقع أن يبلغ 454 ملياراً في 2026، أي ما يعادل نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي للتكتل.
ثلاث مناطق رئيسية
تتركز الزيادة في الدين العالمي بصورة كبيرة في ثلاث مناطق: الولايات المتحدة والصين ومنطقة اليورو، التي تمثل مجتمعة نحو ثلاثة أرباع صافي الزيادة العالمية في الدين.
في الولايات المتحدة، يواصل الدين الحكومي الصعود، متجاوزاً 122% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تتزايد كلفة تمويل العجز في بيئة تتجه فيها عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة. ولا تقتصر الضغوط على الخزانة؛ إذ شهد قطاع الشركات الأمريكية أيضاً توسعاً كبيراً في الاقتراض، مدفوعاً بالاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
أما الصين، فتواجه مزيجاً أكثر تعقيداً من الدين الحكومي ودين الشركات، خصوصاً تلك المملوكة للدولة. وقد أصبحت الشركات غير المالية الصينية أحد المحركات الرئيسية لتسارع الاقتراض، في وقت تحاول فيه بكين دعم النمو وتعويض ضعف بعض محركات الاقتصاد التقليدية.
وفي أوروبا، تبدو الصورة مختلفة، إذ تمكنت بعض الاقتصادات المتقدمة من تثبيت نسب الدين إلى الناتج أو تخفيفها نسبياً بفضل نمو الناتج المحلي والتضخم، لكن هذا التحسن يخفي ضغوطاً جديدة مرتبطة بالدفاع والطاقة والتحول الصناعي والإنفاق الاجتماعي.
جدار استحقاقات يتجاوز 30 تريليون دولار
المعضلة الأكثر إلحاحاً لا تكمن في حجم الدين القائم وحده، وإنما في موعد استحقاقه، إذ تواجه الأسواق الناشئة أكثر من 9 تريليونات دولار من الاستحقاقات، بينما تحتاج الاقتصادات المتقدمة إلى إعادة تمويل أكثر من 20 تريليون دولار من السندات والقروض المستحقة.
وتشير تقديرات “إس آند بي غلوبال” إلى أن إجمالي استحقاقات الشركات المصنفة بين عامي 2025 و2029 يبلغ حوالي 12.4 تريليون دولار، موزعة بين 9 تريليونات دولار من الديون ذات التصنيف الاستثماري و3.4 تريليون دولار من الأوراق المالية ذات التصنيف المضارب.
اللافت أن جزءاً كبيراً من هذه الديون جرى إصداره عندما كانت أسعار الفائدة عند مستويات استثنائية الانخفاض. فإذا كانت شركة ما قد اقترضت في عام 2020 بتكلفة 2.5%، فقد تضطر اليوم إلى إعادة التمويل بتكلفة إجمالية تبلغ 5% إلى 7%، ما يعني تضاعف عبء الفائدة تقريباً من دون أن تكون الشركة قد زادت مديونيتها الاسمية.
الهدوء ليس ضمانة
حتى الآن، تتجاوز الأسواق أزمة الديون العالمية هذه بسلاسة ومن دون أي ضغوط ملحوظة. فقد ظلت فروق العائد على السندات الاستثمارية شديدة الانخفاض، بينما استوعب الطلب من شركات التأمين وصناديق التقاعد والمستثمرين الأجانب جزءاً كبيراً من الإصدارات القياسية.
لكن هذا الهدوء قد يُخفي وراءه هشاشة متزايدة. معظم الاقتراض الجديد مدفوع من قبل عدد قليل من الشركات العملاقة التي تمول بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ما يركز مخاطر التجديد في شريحة ضيقة من السوق.
وتزداد حساسية الأمر بسبب الروابط المتنامية بين البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية، بما فيها صناديق الائتمان الخاص والأسهم الخاصة وشركات التأمين وصناديق التحوط. وتشير بيانات الاحتياطي الفيدرالي إلى نمو قوي في التزامات الائتمان التي تقدمها البنوك للمؤسسات المالية غير المصرفية، فيما تجاوزت التزامات الائتمان تجاه هذه المؤسسات 2.6 تريليون دولار في الربع الأخير من 2025.
بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة، تحمل عملية إعادة التمويل مخاطر إضافية، فجزء مهم من ديونها مقوم بعملات صعبة، ولا سيما الدولار. وعندما تتراجع عملاتها المحلية، ترتفع القيمة الفعلية لهذه الالتزامات، حتى لو لم يتغير حجم الدين بالدولار.
كما تعتمد بعض تلك الأسواق على تدفقات المستثمرين الباحثين عن عوائد أعلى ضمن ما يُعرف بتجارة الفائدة (carry trade). وأي ارتفاع مفاجئ في عوائد السندات الأمريكية أو تغير في شهية المخاطرة قد يؤدي إلى خروج رؤوس الأموال، وارتفاع تكاليف التمويل، وزيادة الضغوط على العملات المحلية.
هل نشهد صدمة مالية؟
ربما تشير أرقام الدين الحالية إلى أزمة وشيكة، لكنها تكشف من زاوية ثانية عن نظام أصبح أكثر اعتماداً على استمرار النمو وثقة المستثمرين وقدرة الأسواق على امتصاص الإصدارات الجديدة.
الاقتصاد العالمي يستطيع تحمّل دين ضخم إذا كان النمو الاسمي كافياً، وكانت تكلفة الفائدة تحت السيطرة، وكانت آجال الاستحقاق موزعة، وظلت الأسواق مفتوحة أمام المقترضين. لكن المعادلة تصبح أكثر هشاشة عندما تجتمع أسعار فائدة مرتفعة مع تباطؤ النمو، وارتفاع الإنفاق الحكومي. فلو واصل الدين العالمي الارتفاع، هل يستطيع الاقتصاد التعامل معه من دون أن تتحول إعادة التمويل إلى صدمة مالية؟
لن تحتاج الأزمة المقبلة بالضرورة إلى حدث بحجم الأزمة المالية العالمية كي تبدأ؛ تكفي إعادة تسعير حادة لسندات الخزانة، أو تعثر مجموعة من المقترضين المرتبطين بالذكاء الاصطناعي، أو أزمة عملة في سوق ناشئة، لتكشف بسرعة حجم الترابط الذي نشأ فوق جبل الدين العالمي.















