بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

أمن دولي

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم التفوق الاستخباري: من امتلاك المعلومة إلى استباق الحدث

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل طريقة جمع المعلومات وتحليلها وبناء التقديرات الاستخبارية. لم تعد المنافسة بين الدول تقتصر على الوصول إلى معلومة سرية، أو تجنيد مصدر داخل مؤسسة خصم، أو اعتراض اتصال حساس؛ بل تشمل القدرة على استخلاص معنى من كميات هائلة من البيانات، وربط إشارات متفرقة قد تنذر بحدث مقبل، وبناء تقديرات تمنح صانع القرار وقتاً للتحرك قبل أن تضيق خياراته.

تعترف المؤسسات الاستخبارية نفسها بهذا التحول. فقد وصف تقييم التهديدات السنوي للعام 2026، الصادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، الذكاء الاصطناعي بأنه تقنية حاسمة في القرن الحادي والعشرين، مشيراً إلى تأثيره المتزايد في المجال العسكري والاستخباري والسيبراني. كما اعتبر التقييم الصيني المنافس الأكثر قدرة في هذا المجال، وقال إن بكين تسعى إلى إزاحة الولايات المتحدة عن موقع الريادة العالمية في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030.

تواجه الأجهزة التي بنت قوتها لعقود على شبكات العملاء والتنصت والاستطلاع الفضائي وتحليل المصادر المفتوحة بيئة لا تكمن مشكلتها الرئيسة في نقص المعلومات، بل في فائضها. إن الصور الفضائية، والاتصالات الرقمية، وحركة الأموال، وبيانات المواقع، والسجلات التجارية، والنشاط على المنصات، والبنية التحتية المتصلة بالشبكات، تنتج طبقات متداخلة من البيانات يصعب على التحليل البشري وحده استيعابها بالسرعة المطلوبة. ولذلك انتقل الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى طبقة تشغيلية داخل دورة الجمع والتحليل؛ يفرز، ويكتشف الأنماط، ويربط المؤشرات، ويختبر الفرضيات، ويبني السيناريوهات.

لكن التحول الأهم لا يكمن في قدرة الآلة على معالجة معلومات أكثر، بل في نقل مركز الثقل من اكتشاف ما حدث إلى محاولة معرفة ما الذي يوشك أن يحدث.

من وفرة البيانات إلى الفهم

يبدأ التحول من انتقال السؤال من “ماذا نعرف؟” إلى “ماذا تعني كل هذه البيانات مجتمعة؟”. البيانات المنفردة قلَّما تحمل قيمة كبيرة، أما ربطها زمنياً وجغرافياً وسلوكياً فقد ينتج مؤشراً لا يظهر في أي مصدر بمفرده.

يمكن للخوارزميات أن تقارن صوراً متتابعة لمنشأة عسكرية، وتربطها بحركة لوجستية أو تغير في الاتصالات أو نشاط مالي، ثم تضع هذه العناصر في نموذج واحد. وهذا لا يعني أن الآلة تعرف ما سيحدث، بل أنها توسّع قدرة المحلل على اكتشاف علاقات كان بلوغها يستغرق وقتاً طويلاً.

الوقت هنا هو جوهر المسألة. المعلومة التي تصل بعد وقوع الحدث قد تكون أقل قيمة من إشارة ناقصة تصل قبله. وفي الأزمات العسكرية والأمنية، يمكن أن تُقاس قيمة المعلومة بالدقائق لا بالأيام. وكلما تقلص الفاصل بين الجمع والتحليل والقرار، تغيّرت طبيعة التفوق الاستخباري.

ويظهر هذا التحول في منظومات مثل “مافن” التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، التي تطورت من مشروع لتحليل صور الطائرات المسيّرة إلى منظومة أوسع لدمج البيانات ودعم العمليات واتخاذ القرار. وبحلول عام 2026 أصبحت هذه القدرات جزءاً من بنية تشغيلية أوسع داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، في مؤشر على أن الذكاء الاصطناعي ينتقل تدريجاً من مرحلة التجربة إلى مرحلة البنية الدائمة.

لكن قيمة أي منظومة لا تُقاس بحجم ما تستوعبه، بل بقدرتها على التمييز بين الإشارة والضجيج، وبين النمط الحقيقي والنمط الذي يبدو حقيقياً فقط لأن الخوارزمية ربطت عناصره بطريقة معينة.

التنبؤ يدخل قلب الاستخبارات

كانت المؤسسة التقليدية تفسّر حدثاً وقع أو ترصد تحركاً جارياً. أما النماذج الجديدة فتحاول التقاط المؤشرات التي تسبق الحدث وتحويلها إلى تقديرات للمسارات المحتملة. قد تبدأ الصورة بتغير غير معتاد في أنماط الاتصال، أو قفزة في تحويلات مالية، أو تحرك لوجستي شاذ، أو إعادة انتشار عسكرية، أو نشاط رقمي متزامن عبر حسابات ومنصات متعددة.

لا يشكل أي مؤشر منها بمفرده دليلاً حاسماً، لكن تراكمها وتزامنها قد يرفع مستوى الإنذار ويغير تقدير الموقف. وهنا تتحول الاستخبارات من وظيفة تشرح الحاضر إلى قدرة تحاول رسم حدود المستقبل ويتبدّل معه دور المحلل. فهو لا يفقد وظيفته، لكن جزءاً من مهمته ينتقل من البحث اليدوي عن “الدليل الواحد” إلى اختبار الفرضيات التي تولدها البيانات، والحكم على ما إذا كانت شبكة المؤشرات المتغيرة تعكس اتجاهاً استراتيجياً أم نشاطاً عابراً.

غير أن التنبؤ لا يعني معرفة مؤكدة بالمستقبل. الخوارزمية تعمل بالاحتمالات، وتتأثر بجودة البيانات التي تتغذى عليها وبالافتراضات التي بنيت عليها. ولهذا تكمن قيمتها في توسيع نطاق الاحتمالات التي يستطيع المحلل اختبارها، لا في استبدال حكمه بحكم آلي.

وهذه النقطة ليست تفصيلاً إجرائياً. المعايير التحليلية لمنظومة الاستخبارات الأمريكية تجعل الدقة والنزاهة والصرامة مسؤولية مباشرة تقع على عاتق المحلل، وتتعامل مع هذه المبادئ باعتبارها أساساً لإنتاج التقديرات الاستخبارية وتقييمها.

المشكلة إذن ليست ما إذا كانت الآلة تستطيع التنبؤ، بل كيف يمكن استخدام قدرتها على استكشاف الاحتمالات من دون تحويل الاحتمال إلى حقيقة، أو تحويل مخرجات الخوارزمية إلى بديل عن الحكم الاستخباري.

المعركة تنتقل إلى البيانات

كلما زاد اعتماد الاستخبارات على البيانات، صارت البيانات نفسها هدفاً استراتيجياً. الخصم لم يعد مضطراً إلى إخفاء تحركه فحسب، بل يستطيع التأثير في الصورة التي تصل إلى أنظمة التحليل، عبر حملات تضليل أو بيانات مصطنعة أو نشاط رقمي منسق أو اختراق مصادر التغذية. وبذلك يتجاوز التضليل نشر معلومة كاذبة، ليستهدف البنية التي تنتج التقدير ذاته.

وهذا ما حذرت منه وكالة الأمن القومي الأمريكية وشركاؤها في إرشادات مشتركة صدرت في مايو/أيار 2025 حول أمن البيانات المستخدمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. وحددت الإرشادات “تسميم البيانات” والتلاعب بها ضمن المخاطر الأساسية، بما في ذلك أساليب يمكن أن تُدخل معلومات مضللة إلى مجموعات البيانات من دون أن يظهر أثر التلاعب بسهولة أثناء الاختبار.

وتكشف هذه المسألة عن تحول جوهري في طبيعة الصراع. ففي الماضي كان الهدف هو منع الخصم من الوصول إلى المعلومة. أما اليوم فقد يصبح الهدف أكثر تعقيداً: السماح له برؤية المعلومة، ولكن بالشكل الذي يقوده إلى الاستنتاج الخطأ.

وتتضاعف الخطورة عندما تدخل الخوارزميات في صناعة القرار. المشكلة عندئذ ليست معلومة خاطئة يمكن للمحلل اكتشافها، بل سلسلة استنتاجات صحيحة حسابياً مبنية على أساس فاسد. وقد تكون النتيجة تقديراً يبدو متماسكاً من الناحية التقنية، لكنه يقود إلى صورة خاطئة عن نوايا الخصم أو قدراته أو توقيت تحركه.

وهنا يتحول الصراع من الشبكات إلى إنتاج المعرفة نفسه: من أين جاءت المعلومة؟ هل يمكن الوثوق بها؟ وما الذي يحدث إذا صُممت بيانات متماسكة في ظاهرها أصلاً لدفع الخوارزمية نحو استنتاج بعينه؟

الآلة لا تلغي البشر

لا يعني ذلك أن عصر العميل البشري يقترب من نهايته. بل تزداد قيمة ما لا يمكن الحصول عليه إلا عبر البشر كلما تعاظمت قدرة الآلة على المعالجة: من النوايا السياسية، إلى الدوافع الداخلية، مروراً بالخلافات داخل مراكز القرار، والبيئات التي لا تترك أثراً رقمياً واضحاً.

لكن العلاقة بين الطرفين تتغير، إذ إن معلومة بشرية محدودة يمكن اختبارها أمام آلاف المؤشرات، ومعلومة بشرية واحدة قادرة بدورها على قلب تفسير كامل أنتجته النماذج الرقمية.

لذلك تتجه الأجهزة الاستخبارية إلى منظومة هجينة تضم المصادر البشرية والمحللين والأقمار الصناعية والقدرات الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن دورة واحدة. وتكمن قوة هذه المنظومة في أن يختبر كل عنصر الآخر ويصحح حدوده، لا في أن يحل عنصر محل آخر.

ويجري بناء الأطر التنظيمية بالتوازي مع هذا التحول. فقد ذكرت “نكست غوف” في مارس/آذار 2026 أن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية يعمل على إطار للسياسات والمعايير بهدف تسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي داخل أجهزة الاستخبارات، بالتوازي مع تحديث الشبكات وتعزيز البحث عن التهديدات وتوحيد بعض البنى التقنية.

من الآلة إلى التفوق الاستخباري

لكن التحدي الأصعب يبقى في مكان آخر: كيف توسع الأجهزة قدرتها على التنبؤ من دون أن تصبح أسيرة لمخرجات نماذجها؟ وكيف تحافظ على قدرة الإنسان على مراجعة النتيجة، والطعن فيها، وربطها بسياق سياسي وأمني لا تستطيع الخوارزمية وحدها استيعابه؟

وثمة مفارقة تزداد وضوحاً مع هذا التحول: الذكاء الاصطناعي قد يحل مشكلة وفرة المعلومات ويخلق مشكلة وفرة التفسيرات. فكلما أنتجت الآلة احتمالات وسيناريوهات أكثر، زادت مسؤولية المحلل في تحديد ما يستحق الثقة، وما يحتاج إلى تحقق، وما قد يكون مجرد نمط مضلل داخل بحر من البيانات.

ليس التحول الأكبر إذن أن الآلة تجمع معلومات أكثر من الإنسان، بل أنها بدأت تغير كيفية بناء التقدير الاستخباري نفسه: من امتلاك المعلومة إلى ربطها، ومن رصد الحدث إلى قراءة ما يسبقه، ومن تفسير الوقائع إلى استشراف المسارات التي يمكن أن تنتج عنها.

في هذا العصر، لا تصبح قيمة الاستخبارات في معرفة ما حدث فقط، بل في اكتشاف ما يتشكل قبل أن يظهر إلى العلن. ولن يتحدد التفوق بمن يملك أفضل مصدر أو أضخم قاعدة بيانات وحده، وإنما بمن يستطيع تحويل البيانات المتناثرة إلى صورة قابلة للفهم، واختبارها أمام احتمالات متعددة، واكتشاف حدودها قبل أن تتحول التقديرات الخاطئة إلى قرارات استراتيجية.

وهنا تحديداً يعيد الذكاء الاصطناعي كتابة قواعد الاستخبارات: لم يعد السباق على امتلاك السر، بل على امتلاك الوقت الكافي لفهم الإشارة قبل أن تصبح حدثاً، وعلى امتلاك القدرة في الوقت نفسه على معرفة ما إذا كانت تلك الإشارة حقيقية أم أنها صُممت أصلاً لخداع من يقرأها.