أثر الكلام

“مكتبةُ الآداب”.. قرنٌ في صناعة الكتاب

أحمد الشَّهاوي
أحمد الشَّهاوي

لأنني أجمع كل ما يمُتّ إلى المتنبي (915– 965) بِصِلة، كان علي أن أذهب إلى “مكتبة الآداب”، التي لم أدخلها منذ عقود، ربما لأنني أقتني كتبَها أولاً بأول من الباعة أو من معرض القاهرة الدولي للكتاب؛ لكونها دار النشر الوحيدة تقريباً في مصر وبلداننا العربية، التي توزّع كتبها الأدبية والنقدية والموسوعات على باعة الصحف.

تقابل دار النشر الأوبرا الخديوية المصرية القديمة، التي احترقت فجر الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول عام 1971، ولم يُعرف حتى اللحظة من المُتسبب في الحريق. صارت دار الأوبرا مرآبا متعدد الطوابق، أركن فيه سيارتي أحياناً؛ لأن زحام منطقة وسط البلد أو القاهرة الخديوية، التي أُنشئت وتطورت خلال فترة حُكم الخديوي إسماعيل (1863-1879) لتصبح تحفة حضارية عُرفت بـ “باريس الشرق”، يتطلب وجودَ مكان لتأمين موقف للسيارة. الذي صمم وخطط القاهرة الخديوية هو البارون هوسمان (1809-1891)، على الطراز الباريسي، بطلبٍ من الخديوي إسماعيل (1830 –1895) وجَّهه إلى الإمبراطور نابليون الثالث (1808 –1873)، وتمتدُّ هذه المنطقة من كوبري قصر النيل حتى منطقة العتبة.

مشيتُ ليلاً متوجهاً إلى المكتبة، التي تقع في واحدة من العمارات النادرة الطراز، سألت عن رقم العمارة، ليس لأنني أجهله ولكن لأن الحكومة المصرية تعمل بالتنسيق مع “الجهاز القومي للتنسيق الحضاري” على إعادة تأهيل المباني التراثية، وإضاءة الواجهات، وتنسيق الميادين والممرات التاريخية لتظل متحفاً مفتوحاً ومقصِداً سياحياً وثقافياً، فدلَّني أحد الجالسين قائلاً: “أنتَ أمام المكان بالضبط، اصعد إلى الطابق الثاني، وكانت الساعة تشير إلى الثامنة، وعادة ما تُغلق دورُ النشر أبواب عملها في السادسة مساءً، لكنني وجدت الناشر أحمد علي حسن الذي أعرفه جيداً، اقتنيتُ الكتب التي أريدها، وأهداني بعض الكتب لصديقيَّ ماهر البطُّوطي، وماهر شفيق فريد الذي عادةً ما تتخطى صفحات أغلب كتبه الألف وخمسمائة صفحة، وبالطبع قررتُ أن أتردد على الدار كثيراً؛ لما لديها من إصداراتٍ مهمة أحتاجها.

جلستُ على مقعد كان يجلس عليه توفيق الحكيم، أحد الأسماء المهمة التي نشرت أعمالَها خلال حقب العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين.

“مكتبة الآداب” من المؤسسات الثقافية العريقة في مصر، ارتبط اسمها بتاريخ حركة النشر وتداول الكتاب العربي خلال القرن العشرين. تأسست على يد علي حسن، وأصبحت مع مرور السنوات واحدةً من الجهات التي اهتمتْ بنشر الأدب العربي وإتاحة الكتب أمام القراء والباحثين، وقد أسهم استمرارها، عبر أجيال متعاقبة، في الحفاظ على جانب مهم من التراث الأدبيّ والثقافي المصري.

كما كان للمكتبة حضورٌ في الحياة الأدبية من خلال نشر أعمال أدبية وإعادة طبع كتب مهمة، الأمر الذي ساعد على استمرار تداول هذه الأعمال بين أجيال مختلفة من القرّاء. ومن الأسماء الأدبية التي ارتبطت بالمكتبة توفيق الحكيم، الذي كانت له علاقة وثيقة بالمكتبة وبأسرة مؤسسها، وتكشف هذه العلاقة عن طبيعة الصلات التي كانت تجمع الناشرين بالأدباء في تلك الفترة، إذ لم تكن العلاقة دائماً علاقة عملٍ فحسب، وإنما كان يُمكن أن تتحوّل إلى صداقة وروابط عائلية، وقد أسهمت هذه الروابط في تعزيز مكانة المكتبة داخل الوسط الثقافي.

واصلت “مكتبة الآداب” نشاطها بعد رحيل مؤسسها، وانتقلت مسؤولية إدارتها إلى أبنائه، الذين حرصوا على استمرار المؤسسة والحفاظ على تراثها، وأصبحت بذلك مثالاً على المؤسسات الثقافية التي استطاعت الاستمرار رغم التغيرات الكبيرة التي شهدها عالم النشر.

لم تقتصر أهمية “مكتبة الآداب” على بيع الكتب وتوزيعها، بل ارتبط نشاطها بالوسط الأدبي والثقافي، حيث تعاملت مع عدد من كبار الأدباء والمفكرين، وأسهمت في حفظ ونشر عدد من الأعمال التي تركت أثراً في الثقافة العربية، ومن خلال تاريخها الطويل، تُمثل المكتبة حلقة وصل بين أجيال من الأدباء والناشرين والقراء، وتظل شاهداً على الدور الذي أدته المكتبات ودُور النشر الخاصة في دعم الحركة الأدبية المصرية.

الناشر المؤسس علي حسن، من الشخصيات التي أسهمتْ في تشكيل حركة النشر وتداول الكتاب في مصر خلال القرن العشرين، فقد ارتبط اسمه بتأسيس “مكتبة الآداب”، التي أصبحت مع مرور الوقت واحدة من المؤسسات المعروفة في مجال نشر وتوزيع الكتب العربية.

لم يكن اهتمام علي حسن بالكتاب قائماً على الجانب التجاري وحده، بل ارتبط بمشروع ثقافي هدفهُ إتاحة الأدب والفكر والمعرفة أمام القارئ العربي.

وقد بدأت “مكتبةُ الآداب” نشاطها في عشرينيات القرن الماضي، واستطاعت أن تبني لنفسها مكانةً بين دور النشر والمكتبات المصرية، من خلال الاهتمام بالأدب العربي ونشر أعمال عدد من الأدباء والمفكرين، وكان للمكتبة دورٌ في التعريف بالإنتاج الأدبي المصري والعربي، وفي المحافظة على عدد من الأعمال التي أصبحت جُزءاً من الذاكرة الثقافية.

ويُمثِّل علي حسن نموذجاً للناشر الذي جمع بين العمل في مجال الكتاب والإسهام في الحياة الثقافية، تاركاً وراءه مؤسسة استمرت أجيالاً.

عام 1923، كان عمر الشاب علي حسن نحو أربعةٍ وعشرين عاماً حين أسس المكتبة، وكان قد جاء من محافظة سوهاج في صعيد مصر إلى القاهرة، يحمل شغفاً كبيراً بالقراءة والكتب، حيث بدأ بتوزيع الكتب المدرسية ثم توسع إلى طبعها ونشرها عام 1928 لتبدأ بعدها دار النشر في استقطاب كبار المؤلفين والأدباء.

حتى إن العلاقة توطّدت لاحقاً بأحدهم، وهو توفيق الحكيم، لتتطور إلى مُصاهرة عائلية، حين تزوجت ابنتهُ الكبرى زينب من ابن مؤسس المكتبة (محمد علي حسن). لذلك تُعد علاقتها بتوفيق الحكيم أشهر علاقة أدبية ارتبطت بتاريخها؛ فقد أصبحت المكتبة أحد الناشرين الأساسيين لأعماله، واستمرت هذه الصلة عقوداً طويلة.

كما احتضنت المكتبة مؤلفات وأعمال العديد من الأعلام والمفكرين، مثل محمود تيمور (1894-1973) وعبد المتعال الصعيدي (1894-1971)، والشيخ أحمد حسن الباقوري (1907-1985)، الذي عمل مُصحِّحاً لُغوياً في بداياته بالمكتبة.

حين أتحدث عن تاريخ النشر في مصر خلال القرن العشرين، لا تكفي الإشارة إلى دُور النشر الكبرى التي ظهرت لاحقاً؛ فثمة مؤسساتٌ صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها، عاشت إلى جوار الكُتَّاب والمؤلفين حتى أصبحت جُزءاً من تاريخ الثقافة المصرية نفسها، وفي مقدمة هذه المؤسسات تأتي “مكتبة الآداب”، التي بدأت في القاهرة سنة 1923، في منطقة درب الجماميز، ثم تحوّلت خلال النصف الأول من القرن العشرين إلى دار نشر ومطبعة، كان لها حضورٌ واضح في الأدب العربي والدراسات اللغوية والتراثية. 

وتزداد أهمية المكتبة حين نضع تاريخها في سياق مصر في عشرينيات القرن الماضي، فقد كانت تلك السنوات مرحلة بحثٍ عن صيغة جديدة للثقافة الوطنية بعد ثورة 1919، ومرحلة ازدهار للصحافة والطباعة والتعليم والكتاب؛ ومن هنا لم تكن مكتبة الآداب مجرّد محل لبيع الكتب؛ بل كانت جُزءاً من البنية التحتية التي سمحت للثقافة المصرية الحديثة بأن تنتقل من دائرة النّخبة المحدودة إلى فضاءٍ أوسع من القراء.

وكان علي حسن قد اختار للمكتبة مقرّها الأول في “درب الجماميز”، وهي منطقة كانت قد اكتسبت أهمية خاصة في تاريخ الكتاب المصري، بما تضمّه من مدارس ومطابع ومكتبات، وبما لها من صلة بتاريخ الكتب القديمة وتداولها. 

وكانت بدايات النشر متواضعة، ومن أوائل ما نشرته المكتبة كتاب “أخبار سيبويه المصري”، وهو كتابٌ تاريخي وأدبي ألَّفه المؤرّخ ابن زولاق الليثي، ويحكي فيه سيرة وأخبار صديقه محمد بن موسى الكندي المعروف بـ”سيبويه المصري”، قبل أن تتسع قائمة إصداراتها لتشمل الأدب والتراث واللغة والكتب الدينية وغيرها. 

هذه النقلة من بيع الكتاب إلى إنتاجه ذات دلالةٍ كبيرةٍ؛ فالناشر في مصر الحديثة لم يكن مُجرّد وسيط تجاريّ بين المؤلف والقارئ، وإنّما أصبح شريكاً في صناعة الحياة الفكرية نفسها. كان يختار ما يستحق الطبع، ويتحمل تكاليفه، ويُهيّئ له طريق الوصول إلى القراء.

وقد استمرت المكتبة بعد وفاة مؤسسها علي حسن سنة 1978، وانتقلت مسؤوليتها إلى الجيل التالي من الأسرة.

إن قيمة “مكتبة الآداب” لا تكمن فقط في عدد الكتب التي نشرتها، بل في كونها شكلت جُزءاً من البنية التي جعلت الأدب والفكر والتراث مواد حيّة قابلة للقراءة والتداول. وفي تاريخ الثقافة المصرية، قد تكون هذه الوظيفة الهادئة أقل صَخباً من دور الصحف والجامعات والصالونات الأدبية، لكنّها لا تقل عنها أهمية؛ لأن الثقافة لا تعيش بالأفكار وحدها، وإنما تحتاج دائماً إلى الورق والطباعة والناشر والمكتبة والقارئ.