كان أولُ سفرٍ لي لدول أمريكا اللاتينية عام 2005 إلى كولومبيا للمُشاركة في مهرجان ميديين العالمي للشِّعْر، ثم استمر وتواصل، وعاودتُ السَّفر إلى كولومبيا في العام التالي، وكان عليَّ أن أنتظرَ عشرينَ عامًا؛ لأسافرَ من جديدٍ إلى بلاد غارسيا ماركيز، وفي هذه المرة كُنتُ بصحبة الشَّاعرة والمُترجمة والأكاديمية المصرية الدكتورة سارة حامد حوَّاس، وحملنا معًا الكتاب الشِّعْري “عند خط الماء”، مُترجمًا إلى اللغة العربية وصادرًا عن دار بتَّانة للنشر في القاهرة عام 2026، وسآتي على ذِكْر هذا الكتاب الذي هو مختاراتٌ شعريةٌ من أربعة أعمالٍ للشَّاعر فرناندو ريندون، أحد أعمدة الشِّعْر والثقافة في كولومبيا وسائر أمريكا اللاتينية.
لقد كانت كولومبيا فاتحةَ الباب لي؛ كي أدخلَ أمريكا اللاتينية؛ حيثُ صدرت لي ترجماتٌ شعريةٌ إلى اللغة الإسبانية في كوستاريكا ونيكاراغوا والإكوادور، وسافرتُ شاعرًا إليها وإلى المكسيك وغواتيمالا والسَّلفادور والأرجنتين، وهناك دولٌ زُرتُها ست مرات.
وفي عام 2026 كانت العودةُ للمُشاركة في مهرجان ميديين العالمي للشِّعْر، ذلك المهرجان الذي استضاف شُعراء من العالم، وفي مقدمتهم حائزون على جوائز نوبل في الآداب وثربانتس وغونكور وبوليتزر وغيرها من جوائز العالم الكبرى، لكنَّ الأهمَّ هو حضُور الجُمهور الذي يتراوحُ تعدادُهُ في الافتتاح ما بين ستة إلى عشرة آلاف، ومثلها في الختام، حتَّى إنَّ مقولة “الشِّعْر ديوان العرب” تسقطُ أمام هذه الظاهرة النَّادرة، فالشَّعب الكولومي يتغذَّى على الشِّعْر والحُب والسياسة والرقص والغناء والفن التشكيلي، وكان لي حظٌّ أنَّني زُرتُ مُتحف فرناندو بوتيرو مراتٍ كثيرةً، وشاهدتُ تماثيلَهُ الضخمةَ المُميِّزة له، وكان أولُ تعرُّفي بفنه في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، حيثُ عُرضتْ أعمالهُ على جانبيْ شارع الشانزيلزيه في العاصمة الفرنسية باريس.
وكانت سارة حوَّاس، وأنا، قد التقينا فرناندو ريندون (ميديين 1951) في مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية، واتفقتْ معه على ترجمة مُختاراتٍ شعريةٍ له، مُنطلقةً من اهتمامها الشَّخصي بأدب أمريكا اللاتينية شِعْرًا وسردًا، وتقديرها لإبداع هذه الجغرافيا من العالم، خُصوصًا أدب غابرييل غارثيا ماركيز، وماريو بارغاس يوسا، وكارلوس فوينتس، وخوليو كورتاثر، وخوان رولفو، وإيزابيل ألليندي.. وآخرين.
ليست أهمية “عند خط الماء” في أنها تُقدِّم شاعرًا إلى القارئ العربي فحسب، بل هي مُحاولةٌ لفتح طريقٍ جديدٍ لتجربةٍ شعريةٍ وثقافيةٍ، وإعادة طرح سؤالٍ قديمٍ ومُتجدِّدٍ.. ما الذي يستطيعُ الشِّعْرُ أن يفعلَهُ حينَ يعْبُرُ من لغةٍ إلى أخرى، ومن بلدٍ يحملُ ذاكرةَ العُنفِ إلى قارئ يعيشُ بدوره في عالمٍ مضطربٍ؟
ويبدُو اختيار فرناندو ريندون اختيارًا لهُ دلالةٌ خاصةٌ؛ فالرجل ليس مجردَ شاعرٍ كولومبيٍّ، وإنَّما أحدُ الأسماء التي ارتبطت بإعادة وضع الشِّعْر في قلب المجال الثقافي العام في كولومبيا، فمنذ تأسيسه لمجلة “بروميثيو” عام 1982، ثم تأسيس مهرجان ميديين الدولي للشِّعر عام 1991، أخذ مشروعُه يتجاوزُ الكتابةَ الفرديةَ إلى بناء فضاءٍ للشِّعْر، يستطيعُ أن يجمعَ أصواتًا من بلدانٍ ولغاتٍ وتجارب متباينةٍ، ولقد أسهمت مجلة “بروميثيو” في نشر أصواتٍ بارزةٍ في الشِّعْر الكولومبي واللاتيني والعالمي، وكُنتُ واحدًا من هؤلاء، فيما صارَ مهرجان ميديين لاحقًا واحدًا من أهم المهرجانات الشعرية الدولية.
لكن قيمة ريندون لا تتحدَّدُ بحضُورِه التنظيميِّ أو الثقافيّ وحده؛ فالشَّاعر الذي جاء من ميديين، المدينة التي ارتبط اسمُها في العقُود الماضية بالعُنفِ والجريمةِ وتجارة المُخدِّرات، حمل إلى مشرُوعه الأدبي والثقافي سُؤالًا عن وظيفة الشِّعْر في زمنٍ لا يبدُو فيه الشِّعْر للوهلة الأولى قادرًا على تغيير شيءٍ، ومن هنا تأتي فرادةُ تجربته، إذْ لم يتعامل مع القصيدة بوصفها ملاذًا جماليًّا مُنفصلًا عن الواقع، وإنَّما بوصفها أحد أشكال استعادة العالم من الخراب.
ومن الثمانينيات وحتى بداية التسعينيات من القرن الماضي، كانت ميديين (ثاني أكبر المدن الكولومبية بعد العاصمة بوغوتا) مدينة مُثقلةً بالخوف، فقد عاشت تحت سقف بابلو إسكوبار (1949 – 1993) بارون المخدرات والسياسي الكولومبي، مؤسس وقائد منظمة كارتل ميديين؛ إذْ كانت تعيشُ تحت وطأةِ الاغتيالات والتفجيرات والعُنف، فيما كان السكانُ ينسحبون من المجال العام، وفي ذلك السياق لم يكُن تأسيسُ مهرجان للشِّعر مجرَّدَ نشاطٍ ثقافيٍّ إضافيٍّ؛ وإنَّما كان فِعلًا رمزيًّا لاستعادة الشَّارع والإنسان والحق في الكلام.
وأهميةُ فرناندو ريندون لا تأتي من كونهِ شاعرًا “سياسيًّا” بالمعنى المُباشر للكلمة، وإنَّما من إيمانه بأنَّ الشِّعرَ يستطيعُ أن يصنعَ مساحةً مختلفةً للوجُود الإنساني؛ وهذا ما يجعل تجربته أكثرَ اتساعًا من فكرة القصيدةِ الاحتجاجية؛ فالاحتجاج عنده ليس شِعارًا يُضافُ إلى الشِّعْر، وإنما جُزءٌ من تصوُّر لدور الثقافةِ نفسها، في أن تخلق إمكانًا للحوار حيثُ يسُودُ العنفُ، وأن تمنحَ الناس لغةً حين يصبحُ الصَّمتُ أحد شروط البقاء.
ولعل حصول مهرجان ميديين على جائزة “رايت لايفليهود” عام 2006، المعروفة باسم “نوبل البديلة”، يكشفُ شيئًا عن هذا البُعد في مشروع فرناندو ريندون؛ فالجائزة لم تذهب إلى المهرجان تقديرًا لنجاحٍ أدبيٍّ فحسب، وإنَّما لقُدرة الفن والشِّعْرِ على خلقِ مساحةٍ آمنةٍ للمجتمعات التي مزَّقتها أعمالُ العنف. وبذلك، انتقلت تجربةُ ميديين من كونها ظاهرةً محليَّةً إلى أنموذجٍ ينظرُ إليه العالمُ باعتباره تجربةً ثقافيةً ذات معنى إنسانيٍّ واسعٍ.
في هذا السياق يصبحُ حضورُ فرناندو ريندون في اللغة العربية أكثر من إضافة شاعرٍ من أمريكا اللاتينية إلى قائمة المُتَرجَمين، إنَّهُ وصولٌ لتجربةٍ تؤمنُ بأنَّ الشِّعْر يمكنُ أن يكُونَ جُزءًا من الحياةِ العامة، وأنَّ القصيدةَ لا تفقدُ قيمتَها حينَ تنفتحُ على أسئلةِ الإنسانِ والتاريخ والمكان.
وهذا هو أحدُ أهم الأسباب التي تجعلُ “عند خط الماء” كتابًا يستحقُّ التوقف عنده، فالمكتبة العربية تعرف للأسف حضُورًا واسعًا للرواية في أمريكا اللاتينية المُتَرجَمة إلى اللغة العربية، بينما ظلَّ الشِّعرُ القادمُ من أمريكا اللاتينية أقلَّ حُضورًا، وغالبًا ما ارتبط في الذاكرةِ العربية بأسماء كبرى أصبحت جُزءًا من التاريخ الأدبي العالمي، مثل بابلو نيرودا، وأوكتافيو باث، وسيزار باييخو، وروبين داريو، وغابريلا ميسترال، وماريو بينيديتي، وإرنستو كاردينال، ونيكانور بارا، وخوان خيلمان، وخورخي لويس بورخيس، وروبرتو خواريث، وخوسيه إميليو باتشيكو، وخايمي سابينيس (وهو من أصول لبنانية) وآخرين.
أما التجارب الشِّعْرية اللاحقة والمُتعدِّدة في كولومبيا وسواها، فإنها لم تصلْ بالقدر نفسه؛ ومن ثم فإنَّ ترجمة فرناندو ريندون تُسهِمُ في توسيع صُورة الأدب اللاتيني لدى القارئ العربي، بحيث لا تعُودُ أمريكا اللاتينية مُجرَّدَ فضاءٍ للرواية والواقعية السِّحْرية وكل ما هو غريب وعجيب.
والأهم أنَّ فرناندو ريندون نفسه يرفضُ أن يُختزَلَ في جغرافيا واحدةٍ؛ لأنَّ شعرَهُ يتحرَّكُ باستمرارٍ عبر الأمكنةِ والأزمنة، وتجربته تقومُ على إحساس بالرحلة وعلى تداخُل الأساطير القديمة مع أساطير العالم الجديد.
والمُهم في تجربة الشَّاعرة والمترجمة سارة حامد حوَّاس أنَّها لا تبدُو مُنشغلةً بمجرَّد مَلء فراغاتٍ في خريطةِ الترجمة العربية، وإنَّما تعملُ، عبر اختياراتها المُتعدِّدة، على بناء مكتبةٍ شعريةٍ عابرةٍ للغات والثقافات؛ فقد اتجه مشرُوعها إلى ترجمة أصوات شعريةٍ من بيئاتٍ مختلفةٍ، خُصُوصًا أصوات لا يحظى بعضُها بالحضور الكافي في العربية، وهذا يجعل ترجمتها لفرناندو ريندون جُزءًا من رؤيةٍ أوسع للترجمة بوصفها اكتشافًا لا مجرد نقلٍ إلى العربية.
المترجم الذي يختارُ شاعرًا مثل فرناندو ريندون لا ينقلُ قصائدَ فقط؛ وإنَّما يقترحُ على القارئ طريقةً جديدةً للنظرِ إلى الشِّعْر نفسه، إذْ لا يأتي ريندون من تقليدٍ شعريٍّ مُنعزلٍ، وإنَّما من تجربةٍ ثقافيةٍ ارتبط فيها الشِّعرُ بالمُجتمع والمِهرجان والمجلة واللقاء والحركة العالمية، ولقد اتسع مشرُوعه الشِّعْري والثقافي حتى أصبحَ جُزءًا من حركةٍ شعريةٍ دوليةٍ.
ويضعُ هذا الاتساعُ المُترجمَ أمام مسؤوليةٍ مُضاعفة؛ فالمطلوب ليس فقط أن تكُونَ القصيدةُ مفهُومةً بالعربية، وإنَّما أن يصلَ معها شيءٌ من رُوح التجربةِ التي جاءت منها، ومن علاقتها بالمكانِ والتاريخِ وفكرة أنَّ الشِّعْرَ ليس ترفًا ثقافيًّا. ومن دُون هذه الخلفية، يمكنُ أن يتحولَ فرناندو ريندون إلى شاعرٍ آخر في سلسلة الشُّعراء المُتَرجَمين، بينما تكمنُ خُصوصيتُهُ الحقيقيةُ في التفاعل بين الكتابة والفعل الثقافي.
ومن هنا تبدُو قيمة سارة حوَّاس في هذا الكتاب تحديدًا؛ فهي لا تقدمُ للقارئ اسمًا مجهُولًا وحسب، وإنَّما تضعُ بين يديه شاعرًا له حُضورٌ دوليٌّ، لكنهُ لم يأخذ بعد موقعه المُستحق في المشهد العربي، وهي بذلك تقومُ بوظيفةٍ أساسيةٍ من وظائف المترجم الأدبي، ألا وهي توسيعُ مفهُوم “الشِّعْر العالمي” المُتداول عربيًّا، وتذكير القارئ بأنَّ العالمَ الشِّعري أوسعُ كثيرًا من الأسماء التي كرَّستْها الترجماتُ السابقة.
إنَّ ترجمةَ الشِّعر ليست نشاطًا مُحايدًا، فكل اختيارٍ هو موقفٌ من خريطة الأدب التي نريدُ أن نعرضَها بلغتنا، وحين تختارُ سارة حامد حوَّاس فرناندو ريندون، فإنها تختارُ معه مدينة ميديين، وتاريخًا كولومبيًّا مُثقلًا بالعُنف، ومشرُوعًا ثقافيًّا راهَنَ على الشِّعْر في مواجهةِ الخوف، وتجربة شاعرٍ يرى أنَّ القصيدةَ تستطيعُ أن تتجاوزَ حدُودَ اللغة والجغرافيا.
يُذكِّرني الكتابُ الشعريُّ “عند خطِّ الماء” بأنَّ الشِّعر لا يحتاجُ إلى أن يكُونَ مُتشابهًا بين اللغات ليُصبحَ قابلًا للتواصل؛ فيكفي أن تكونَ وراءه أسئلةٌ إنسانيةٌ حقيقيةٌ، وفي هذا تكمنُ أهمية فرناندو ريندون وأهمية ترجمة سارة حواس لهُ معًا؛ فالأول وسَّع حدودَ ما يُمكنُ أن يفعله الشَّاعرُ في مجتمعه، والثانية تفتحُ لهذه التجربة طريقًا جديدًا في العربية.
وأنا لا أقفُ “عند خط الماء” بوصفِه حدًّا يفصلُ بين عالميْن، وإنما وإنَّما أراه نقطةَ عبورٍ؛ ومن هذه النقطة تنتقلُ قصائدُ فرناندو ريندون من ميديين إلى العربية، لا لتصبحَ عربيةً، ولا لتظلَّ غريبةً، وإنما لتجدَ مكانًا جديدًا لها في ذاكرة قارئ لم يكُن يعرفُها من قبل، وربَّما تكونُ هذه هي الوظيفة الأجمل للترجمة وهي ألا تلغي المسافةَ بين الثقافات، وإنَّما تجعل عبورها مُمكنًا.







