أثر الكلام

أب إيطالي في حضرة سُلطان العاشقين

أحمد الشَّهاوي
أحمد الشَّهاوي

الأب جوزيبي سكاتولين، مُستشرقٌ إيطاليٌّ، وواحدٌ من أبرز دارسي التصوف الإسلامي في زماننا، عاش سنين طويلةً في القاهرة، زادت على أربعة عقود. اعتدتُ أن أذهبَ إليه كثيرًا، وحاورته في برنامجي التليفزيوني “كشف المحجوب”، الذي كُنتُ أعده وأقدمه في قناة النيل الثقافية، وكان يجمعُني به عمر بن الفارض.

كنتُ أذهبُ إليه في كنيسة القديس يوسف الكاثوليكية، في شارع أحمد صبري بالزمالك، وهي من كنائس اللاتين المرتبطة برسالة الكومبوني، ألتقيه بين كتبه ومخطوطاته وطبعات ديوان عمر بن الفارض، التي لم أجد لها مثيلًا؛ فقد استطاع أن يجمعَ كلَّ ما نُشرَ عن ابن الفارض في العالم، وكذا الطبعات القديمة والحديثة لديوان سلطان العاشقين، الذي لم يصل إلينا سواه، فلا أحدَ يدري كم من شعرٍ ضاع لأسبابٍ كثيرةٍ لعمر بن الفارض. 

لا يوجدُ مثيلٌ له في العالم معرفةً بابن الفارض، كما أنه اكتشف نصوصًا مجهولةً للشاعر، عثر عليها مخطوطةً بمكتبة السُليمانية بإسطنبول، وتلك مكتبةٌ نادرةٌ سأعودُ إليها يومًا.

ما لا بد أن تعرفه أنَّ سكاتولين كان يجيدُ لغاتٍ كثيرةً، كتابةً وقراءةً وحديثًا، منها بالطبع الإيطالية والعربية إضافةً إلى التركية والفارسية والأردية والعبرية والإنجليزية والإسبانية والفرنسية.

كنتُ كلما جلستُ معه أشعرُ أنَّ ابن الفارض حيٌّ يجلسُ بيننا، ولم يمُت منذ القرن السابع الهجري، وإنما خرج لتوِّه من قصيدةٍ وجلس معنا في الغرفة نفسها.

رحل جوزيبي سكاتولين في السَّابع والعشرين من أبريل/ نيسان 2026، بعد حياةٍ امتدَّت لأكثر من ثمانية عقود، كان جزءٌ كبير منها في الوطن العربي، خصُوصًا في مصر. وكان قد ولد في إيطاليا سنة 1942، وتعلَّم العربية في لبنان، وعمل في السودان، ثم استقر في مصر منذ عام 1980 تقريبًا، وظل مرتبطًا بها علميًّا وثقافيًّا ونشريًّا حتى سنواته الأخيرة. 

وفي عام 1986 حصل على الدكتوراه في التصوف الإسلامي من المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما، وكانت أطروحته عن الشَّاعر الصوفي المصري عمر بن الفارض (1181ـ1235م). ومنذ ذلك الوقت لم يعُد ابن الفارض بالنسبة إليه موضُوعًا عابرًا في مسيرته الأكاديمية، وإنما صار مشروعَ عمره.

عاش طويلًا في صُحبة ابن الفارض، وكانت مكتبته أول ما يستوقفُ العين، فلم تكُن عاديةً، يمكنُ أن يقال عنها إنها مكتبةُ باحثٍ مهتم بالتصوُّف أو الأدب العربي. كانت في ما رأيتُ أرشيفًا حيًّا لشاعرٍ واحدٍ، طبعاتٌ متعدِّدة من ديوان ابن الفارض الذي أراهُ واحدًا من الأعمال الكبرى في الشعر الإنساني، وكتبٌ صدرت في أزمنةٍ مختلفةٍ، وشروح ودراسات، وتحقيقات وترجمات، وكتب بلغاتٍ شتى، وكل طبعة تبدو كأنها تقودُ إلى طبعةٍ أخرى، وكل كتابٍ يفتحُ بابًا على كتابٍ سابقٍ أو لاحق.

للأسف فإنَّ ابن الفارض، رغم شُهرته الواسعة، يظل غير مقروءٍ من قِبَل الشُّعراء المصريين، على الرغم من أنَّ عامّة الناس يحفظون شعرَهُ، بسبب إنشاد ياسين التهامي له، حيثُ أنشد الديوان كاملًا، وكنتُ كلما سافرتُ إلى المغرب حملتُ معي “أشرطة الكاسيت”، التي تحملُ صوته وشِعْرَ سُلطان العاشقين، وكان قد أسَّس شركةً باسم ابن الفارض للصوتيات والمرئيات. وبسبب حُبِّنا، جمال الغيطاني (9 مايو 1945 – 18 أكتوبر 2015) وأنا، لابن الفارض كنا نزورُ الشيخ ياسين التهامي (1949) في بيته المقابل لمسجد الحُسين في القاهرة.

قال لي جوزيبي إنه قضى عقودًا باحثًا في مخطوطات ديوان ابن الفارض، في مكتبات إسطنبول وقونية والسُّليمانية والقاهرة ودبلن ولايدن وبرلين وغيرها، حيثُ كانت علاقة سكاتولين بابن الفارض قد امتدت قرابة نصف قرن، بدءًا من أطروحته للدكتوراه، مرورًا بدراساته المُتعدِّدة، وصولًا إلى تحقيق ديوان ابن الفارض الذي صدر عن المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة سنة 2004. 

وكنتُ للمرة الأولى أعرفُ أن أقدم نصٍّ معروف للديوان في مخطوطة قونية (تركيا) وليس في دار الكتب والوثائق القومية (القاهرة)، ومن المؤكَّد أنه انتقل إلى تركيا أيام ما كانت مصر ولايةً ضمن الدولة العثمانية، مع كثيرٍ من النفائس والنوادر التي نُهبت.

ومخطوطة قونية ذات أهمية استثنائية في مشروعه؛ فقد درس مخطوطةً محفوظةً في مكتبة يوسف آغا بقونية برقم 7838/12، ويرجع تاريخها، بحسب وصفه، إلى نحو 640-673 هـجرية، أي إلى القرن السَّابع الهجري، قريبًا للغاية من زمن ابن الفارض، كما اعتمد في بناء نصِّه النقدي على مخطوطاتٍ أخرى، من بينها مخطوطات محفوظة في مكتبة السليمانية بإسطنبول.

وهنا أتوقف عند السُّليمانية؛ لأنها لم تكن بالنسبة إلى سكاتولين اسمًا في فهرس مكتبةٍ، وإنما كانت جزءًا من رحلة البحث عن ابن الفارض، وقد تحدث معي عن مخطوطاتٍ رآها هناك، وعن قصائد وقراءات وجدها أثناء بحثه، وكنتُ أستشعر في حديثه أن العثور على نصٍّ أو بيت أو رواية مختلفة لم يكن عنده مجرد خبرٍ يصلح لأن يقال في ندوةٍ، وإنما كان اكتشافًا يفتح بابًا جديدًا في تاريخ الشَّاعر.

إنَّ الباحثَ الذي يدرس الإسلام من الخارج قد يستطيع أن يجمع المعلومات، لكنه لا يصلُ بالضرورة إلى النبرة الداخلية للنصِّ، أما من عاش طويلًا مع اللغة وأهلها وكُتبها، ومن اقترب من تُراثها بوصفه تجربةً إنسانيةً لا مادة جامدة، فإنه يقتربُ من منطقةٍ أكثر حساسية. هذه المنطقة هي التي كان سكاتولين يتحرَّكُ فيها.

حين كنتُ أرى ديوان ابن الفارض بين يديه، كنتُ أفكر في مفارقةٍ جميلةٍ: شاعرٌ مصريٌّ، من أبوين سوريين، عاش في القاهرة قبل ثمانية قرون، وباحث إيطالي جاء من أوروبا ليقضي حياته في محاولة استعادة صوته.

وأسألُني ما الذي جعل سكاتولين يختارُ ابن الفارض؟

لم يكُن ابن الفارض شاعرًا مجهُولًا يحتاجُ إلى من يكتشفه، كان حاضرًا في الثقافة العربية والإسلامية، بل هو أحدُ أعظم شعراء التصوُّف فيها، ومع ذلك فإن حضوره الكبير لم يمنع وجود مشكلاتٍ حقيقيةٍ في تاريخ ديوانه، وفي انتقال نصوصه، وفي سيرته والشروح التي أحاطت به.

بل إن سكاتولين نفسه كان شديد الحذر من الصورة الأسطورية التي تكوَّنت حول الشاعر.

وقد بيَّن في دراسةٍ عربيةٍ له أنَّ كثيرًا من الروايات المتداولة عن ابن الفارض ترجع إلى “عنوان الديوان”، وهي السيرة التي وضعها حفيده “علي” سبط ابن الفارض، بعد وفاة الشَّاعر بنحو قرن، وأنها أضافت إلى حياة ابن الفارض كثيرًا من الخوارق والكرامات، بل نسبت إليه أبياتًا ليست بالضرورة من شعره.

وهنا كان سكاتولين يفصل بين شيئين: ابن الفارض التاريخي، وابن الفارض الأسطوري.

كان يريد أن ينقذ الشَّاعر من الأسطورة لا لكي يقلل من شأنه، وإنَّما ليعيده إلى عظمته الحقيقية؛ فالشاعر العظيم لا يحتاج إلى معجزاتٍ مصطنعة.

كيف استطاع شاعرٌ في القرن السَّابع الهجري أن يجعل اللغة العربية تتحوَّل إلى فضاءٍ روحيٍّ بهذه الكثافة؟

كيف تتحوَّلُ الخمرُ إلى رمزٍ للمعرفة، والحُب إلى طريق، والجسدُ إلى استعارةٍ، والغيابُ إلى حضورٍ، والأنا إلى سؤالٍ عن الذات الإلهية؟

كيف يستطيع النصُّ الصوفي أن يبقى حيًّا بعد ثمانية قرون، وأن يدخل إلى قارئ لا ينتمي بالضرورة إلى الثقافة التي نشأ فيها؟

هذه الأسئلة هي التي جعلت ابن الفارض يتجاوزُ حدودَ عصره، وهي كذلك التي جعلت سكاتولين يعودُ إليه مرة بعد مرة.

كان سكاتولين يريد أن يعيدَ ابن الفارض إلى صوته الأول، لهذا لم يكُن يجمعُ الكتب لمجرَّد الجمع؛ كان يجمع آثار الطريق.

لا أريد أن أضع سكاتولين في مواجهةٍ عامة مع تاريخ الاستشراق كله، فالتاريخ أكثرُ تعقيدًا من ذلك، والاستشراق مدارس واتجاهات وتجارب متعددة، لكنني أستطيع أن أقول إنَّ سكاتولين، في مشروعه حول التصوُّف، كان أقربَ إلى الباحث الذي يريد أن يفهم من الداخل، وأن يجعل المعرفة طريقًا إلى الحوار لا إلى إصدار الأحكام.

لقد كان يدرسُ التصوُّف، وفي الوقت نفسه يمارس على طريقته نوعًا من التصوُّف المعرفي حيثُ الاقتراب والإنصات، والتجرُّد من الحكم السَّريع، والدخول إلى عالم الآخر لا بهدف امتلاكه وإنما لفهمه.

هل كان يعرفُ أن شعره سيجعلُ رجلًا أوروبيًّا يتعلم العربية، ويعيشُ في بلاد العرب، ويبحث في التصوف، ويقضي نصف قرن من عمره في محاولة الاقتراب من نصه؟

درْسُ سكاتولين بالنسبة إليَّ هو أنَّ القصيدة الحقيقية لا تنتهي حين يموتُ شاعرُها، وأن الكتاب لا ينتهي حين يغلقه قارؤه، وأن المخطوطةَ التي تنامُ قرُونًا في خزانةٍ قد تستيقظ ذات يومٍ في يد باحثٍ يرى فيها ما لم يره الآخرون.

وأن الشِّعر يستطيعُ أن يهزم الجغرافيا والزَّمنَ واللغة.