أحياناً تكفي كرة بيضاء فوق طاولة خضراء لتذكّرك بأن الحياة لا تسير دائماً كما تخطط لها. لستُ لاعب بلياردو محترفاً، لكنني كلما جلست أمام الطاولة راودتني فكرة: كيف تعرف الكرة إلى أين تذهب؟ اللاعب يحدد الزاوية، ويقدّر المسافة، ويحسب القوة، ثم يضرب. تنطلق الكرة، ومنذ تلك اللحظة لا يعود كل شيء في يده. قد تصيب هدفها، وقد تنحرف قليلاً، أو تصطدم بغيرها فتغيّر مسارها، أو ترتد عن الحافة فتعود من اتجاه لم يكن في الحسبان، وربما تنتهي في جيب آخر لم يكن يريدها أن تصل إليه.
أليست هذه، بطريقة ما، حكايتنا نحن أيضاً؟
نحن نخطط ونختار ونرسم طرقنا، ثم تأتي كلمة، أو شخص، أو مصادفة عابرة، فتغيّر اتجاهنا. نعتقد أننا نملك زمام الأمور، لكن الحياة تترك دائماً مساحة واسعة لما لا نتوقعه. ونعيش بين الآخرين كما تعيش الكرات فوق الطاولة؛ نقترب، نبتعد، نصطدم، نؤثر ونتأثر. بعض الأشخاص يدخلون حياتنا بقوة، وبعضهم يمرون بها مروراً عابراً، وهناك من يكفي أن نلتقيه مرة واحدة حتى يتغير اتجاه سنوات كاملة من حياتنا.
كم من صديق لم نخطط لمعرفته؟ وكم من علاقة بدأت بمصادفة عابرة؟ وكم من شخص ظنناه عابراً، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنه كان واحداً من أكثر الأشخاص تأثيراً في حياتنا؟
الحياة لا توزع الأشخاص علينا وفق قائمة معدة سلفاً. إنها تضعهم في طريقنا، ثم تترك للاصطدامات أن تفعل ما تفعله. لذلك قد يغيرك شخص بكلمة، وقد يغيرك آخر بخذلان، وقد يأتي ثالث في اللحظة التي كنت تحتاج فيها، من دون أن يعرف، إلى وجوده.
حتى الذين يؤذوننا لا يخرجون دائماً من حياتنا من دون أثر. بعضهم يترك جرحاً، وبعضهم يترك درساً، وبعضهم يجبرنا على إعادة النظر في أنفسنا وفي الذين نسمح لهم بالاقتراب منا.
ومع ذلك، نُصرُّ على الاعتقاد بأننا نسيطر على كل شيء. نرسم الطريق، نحدد الأشخاص، نختار المواعيد، ونضع خططاً طويلة للمستقبل، ثم توجه الحياة ضربة واحدة لا علاقة لها بكل حساباتنا.
شخص يغادر.. آخر يظهر.. باب يغلق.. آخر يفتح.. مدينة لم تكن في الخطة تصبح وطناً، ووطن كان يبدو أبدياً يصبح ذكرى. وهكذا نجد أنفسنا، مثل الكرة البيضاء، نتحرك داخل مساحة لم نختر حدودها. لكن الفرق بين البلياردو والحياة أن الإنسان يستطيع أن يتعلم من الاصطدام.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا. فليس المهم فقط إلى أين وصلنا، وإنما كيف وصلنا. قد تصل إلى المكان الصحيح بالطريقة الخطأ، فتخسر في الطريق أشخاصاً لم يكونوا يستحقون الخسارة. وقد تفشل في الوصول إلى هدفك الأول، ثم تكتشف أن الطريق الذي فتحته لك تلك الخسارة كان أهم من الهدف نفسه.
الارتداد قد لا يكون بالضرورة هزيمة.. في البلياردو، قد ترتد الكرة عن الحافة لتصل إلى مكان لم يكن ممكناً بلوغه بخط مستقيم. وفي الحياة، قد نحتاج أحياناً إلى أن نبتعد كي نرى الأشياء بوضوح، أو أن نخسر شيئاً كي نعرف قيمته، أو نكتشف أنه لم يكن يستحق كل ذلك العناء أصلاً.
ولعل أكثر ما يشبه البلياردو في حياتنا الاجتماعية هو أن كل حركة لنا تؤثر في غيرنا. نحن لا نعيش وحدنا على الطاولة. كلمة منك قد تغيّر مسار شخص آخر، وقسوتك قد تدفعه إلى مكان لم يكن يريد الوصول إليه، وكرمك قد يمنحه دفعة لم يكن ينتظرها، وربما تفعل ابتسامة عابرة في إنسان ما لا تستطيع سنوات من النصائح أن تفعله.
نحن، من حيث لا ندري، نضرب بعضنا بعضاً؛ ليس بالعصي هذه المرة، وإنما بالكلمات والمواقف، بالحضور والغياب، بالوفاء والخذلان. ولهذا ربما ينبغي أن نتأنى قليلاً قبل كل “ضربة”، وأن نسأل أنفسنا: إلى أين يمكن أن تأخذنا هذه الكلمة؟ ماذا سيحدث إذا قلتها؟ وماذا لو لم أقلها؟
بعض الاصطدامات لا يمكن التراجع عنها، وبعض الكرات، بعد أن تنطلق، لن تعود إلى مكانها الأول. ولا أحد يعرف تماماً أين ستنتهي كرتنا البيضاء. نظن أننا نعرف، نخطط، نحسب الزوايا، نقيس المسافات، ثم نسدد الكرة. ومن هناك تبدأ احتمالات كثيرة لا نملكها.
ربما لهذا لا ينبغي أن نطلب من الحياة يقيناً كاملاً. يكفي أن نعرف، قبل أن نضرب، أي اتجاه نريد.
أما الطريق نفسه، فليكن مفتوحاً لبعض المفاجآت. قد تصطدم بالحافة، وقد تغيرك كرة أخرى، وقد تجد نفسك في جيب لم تخطط له، ثم تكتشف بعد كل ذلك أن المكان الذي ظننته خسارتك لم يكن إلا محطة في لعبة أكبر.
الكرة البيضاء لا تعرف طريقها، لكنها تعرف شيئاً واحداً: أنها لن تصل إلى أي مكان ما لم تتحرك. وهكذا نحن أيضاً، لسنا مطالبين بأن نعرف نهاية الطريق؛ علينا فقط ألا نبقى ساكنين خوفاً من الاصطدام.
في النهاية، وللتأكد من الفكرة، سألت أحد أصدقاء البلياردو: لماذا تتحرك الكرة البيضاء في مسار مختلف عن بقية الكرات؟ كانت إجابته أبسط مما توقعت: لأن حجمها مختلف قليلاً عن الكرات الأخرى. عندها ارتسمت ابتسامة ما على وجهي.








