كرسي هزاز

سمرقند.. المدينة التي لا أغادرها ولا تغادرني

ملحم الزبيدي
ملحم الزبيدي

هناك مدن نزورها، ومدن تبقى فينا.. وسمرقند، بالنسبة لي، ليست مجرد مدينة زرتها عشرات المرات، ولا محطة عابرة على طريق سفر طويل؛ إنها مدينة كلما غادرتها شعرت أن شيئاً مني بقي فيها، وكلما عدت إليها شعرت أنني أستعيد شيئاً افتقدته.

في كل مرة أصل إليها، أشعر بشيء يصعب وصفه بالكلمات. كأن المدينة تستقبلني بهدوء وتقول لي إنني لم أغب عنها طويلاً. هواءها، شوارعها، وجوه أهلها، رائحة خبزها وبرودة صباحاتها… كلها تمنحني دفئاً لا علاقة له بدرجة الحرارة، بل بذلك الشعور النادر بأنك في مكان تستطيع فيه أن تكون نفسك بلا عناء.

صديقي.. زرت سمرقند مرات كثيرة، وربما أكثر مما كنت أتوقع يوم زيارتي الأولى عام 2016، ومع ذلك لم تفقد المدينة قدرتها على إدهاشي. في كل مرة أعود إليها أكتشف وجهاً جديداً لها، أو أرى المشهد ذاته بعين مختلفة. كأنها لا تمنح أسرارها دفعة واحدة، بل تترك للزائر فرصة أن يقترب منها ببطء، وأن يقع في حبها دون أن يشعر.

أعيش في هذه المدينة بعضاً من أفضل أيامي. ولعل هذا الاعتراف وحده يكفي لأقول إن علاقتي بسمرقند تجاوزت حدود الإعجاب بهذه المدينة الجميلة المتجددة إلى شيء أقرب إلى الألفة والانتماء.

ما الذي يجعل سمرقند مختلفة؟

ربما هو ذلك المزيج النادر بين التاريخ والحياة اليومية. فمن الصعب أن تمشي في سمرقند دون أن تشعر بأنك تسير فوق طبقات متراكمة من التاريخ. ارتبط اسم المدينة بطريق الحرير، وعبرت بها قوافل وشعوب وثقافات تركت آثارها في ذاكرتها وملامحها.

لكن سمرقند ليست متحفاً مفتوحاً فحسب، وهذه إحدى أجمل خصائصها في نظري. إنها مدينة يعيش فيها الناس حياتهم الطبيعية وسط تاريخ استثنائي. هنا يمكن للزائر أن يقف أمام آثار عمرها قرون، ثم يواصل طريقه إلى سوق أو مخبز أو شارع هادئ، فيجد الحياة مستمرة ببساطتها ودفئها وهدوئها.

ولعل أجمل ما في سمرقند تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في الصور والإعلانات السياحية الممجوجة. وهي تفاصيل أنصحك بأن تعيشها بنفسك بعيداً عن برامج الجولات المعدة مسبقاً: تجول وحدك، واترك المدينة تكشف لك أسرارها على مهل، وغُص في أعماقها المستترة بنفسك.

هواء يبعث على الراحة، وماء عذب، وهدوء يمنح الروح فرصة لالتقاط أنفاسها، وقبل ذلك وبعده كرم ضيافة لا يحتاج إلى كثير من الشرح. في سمرقند تشعر أن الضيافة ليست واجباً اجتماعياً يؤديه الناس أمام الغريب، وإنما جزء أصيل من طبيعة المكان وأهله.

ثم يأتي الخبز..

قد يبدو الحديث عن الخبز تفصيلاً بسيطاً في مقال عن مدينة عظيمة مثل سمرقند، لكنه ليس كذلك بالنسبة لمن عرفها عن كثب. للخبز هنا حكاية أخرى: رائحة وطعم وطقوس. وربما لهذا يبدو خبز سمرقند أكثر من مجرد طعام. إنه واحد من الأشياء التي تختصر المدينة في حاسة واحدة: حاسة الذوق، حين يتحول الطعام إلى جزء من الذاكرة الأبدية.

وكلما عدت إلى سمرقند، وجدت نفسي أبحث عن هذه التفاصيل نفسها. لا أبحث فقط عن المعالم الشهيرة التي يعرفها كل زائر، وإنما عن الأشياء التي أصبحت مرتبطة بذاكرتي الشخصية، كأن كل واحدة منها تحمل قصة كاملة.

سمرقند مدينة تاريخية وثقافية كبرى، اسمها حاضر في ذاكرة الحضارات،  فيما تمنحها مكانتها على قائمة التراث العالمي لليونسكو حضوراً استثنائياً بين المدن التاريخية. 

لكنني أعتقد أن قيمة سمرقند لا تكمن في تاريخها وحده..

المدن التاريخية قد تتحول أحياناً إلى أماكن جميلة للزيارة، ثم تنتهي علاقتنا بها عند مغادرتها. أما سمرقند فلها قدرة مختلفة؛ إنها مدينة يمكن أن تتحول من مكان تزوره إلى مكان تشتاق إليه.

وهذا ما يحدث معي..

أشتاق إلى سمرقند كثيراً. وربما لهذا أجد نفسي أزورها عدة مرات في السنة. وفي كل مرة أقول لنفسي إنني ذاهب لأيام قليلة، ثم أكتشف أن المدينة استعادت قدرتها القديمة على إقناعي بالبقاء، أو على الأقل بالعودة قريباً.

هناك شيء لا أستطيع تفسيره تماماً في هذا الاشتياق. فالحنين إلى مدينة ليس حنيناً إلى مبانٍ وشوارع فحسب. بل إلى الحالة التي نعيشها فيها. وأنا في سمرقند أشعر بأنني أكثر هدوءاً، وأكثر قرباً من نفسي، وأقل استعجالاً أمام إيقاع الحياة اليومية.

ربما لهذا أحن للمدن التي لا تحاول أن تدهشك طوال الوقت..

سمرقند لا تحتاج إلى أن تصرخ بتاريخها في وجهك. يكفي أن تمشي فيها. وأن تتأمل تفاصيلها، وتجلس بين أهلها، وتترك للوقت حرية أن يتحرك ببطء. عندها تبدأ المدينة في الحديث معك بطريقتها الخاصة.

منذ زيارتي الأولى قبل عقد من الزمن وحتى اليوم، تغيرت أشياء كثيرة، وتغيرت أنا أيضاً، كثيراً. لكن علاقتي بسمرقند بقيت حاضرة، بل ربما أصبحت أعمق وأقوى. ومع كل زيارة جديدة، أكتشف أنني لم أكن أزور المدينة فقط، بل كنت أبني معها ذاكرة طويلة.

لهذا، حين يسألني صديقي عن سمرقند، لا أجد نفسي راغباً في تقديم قائمة بالمعالم السياحية أو الأرقام والتواريخ. أريد أن أقول له شيئاً أبسط وأكثر صدقاً:

اذهب إليها..

تنفس هواؤها..

اشرب من مائها..

تذوق خبزها..

تحدث إلى أهلها..

امشِ في شوارعها دون عجلة، واترك التاريخ من حولك يتحدث.

وربما، مثلما حدث معي، ستغادرها وفي داخلك رغبة غامضة في العودة.

فبعض المدن نزورها مرة، وبعضها نزورها مرات، أما المدن التي نحبها حقاً، فنحن لا نغادرها تماماً.

وسمرقند، بالنسبة لي، واحدة من تلك المدن.

صديقي.. في حب سمرقند، لا أكتب عن مدينة أحب زيارتها فحسب، بل عن مكان أصبحت عودتي إليه جزءاً من حياتي.