ليست أخطر اللحظات تلك التي يفقد فيها الإنسان ماله، أو عمله، أو مكانه بين الآخرين. أخطرها، ربما، تلك اللحظة التي يظن فيها أنه يمسك بكل شيء، بينما يكون قد تخلى عن قدرته على السؤال.
أن تفقد عقلك لا يعني بالضرورة أن تصاب بالجنون. أحياناً يكفي أن يتوقف السؤال، وأن يُصبح اليقين أقوى من الحقيقة، وأن يتحول الغضب إلى بوصلة، والخوف إلى قاضٍ، والرغبة إلى دليل. عندها يبدأ الإنسان في رؤية العالم كما يريد له أن يكون، لا كما هو.
لا تكمن قيمة العقل في إنتاج الإجابات وحده، بل في قدرته على التريث قبل إصدار الحكم. أن تقول: “ربما أكون مخطئاً”. أن تسمح لفكرة لا تشبه فكرتك بأن تعبر إلى رأسك من دون أن تشعر بأنها اعتداء عليك. أن تراجع موقفاً اعتقدت طويلاً أنه جزء من هويتك.
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يجهل الحقيقة، وإنما أن يُصبح عاجزاً عن احتمالها.
خذ، مثلاً، “فقاعة التوليب” في هولندا خلال القرن السابع عشر. اندفع الناس وراء أسعار بصيلات التوليب، حتى بدا لبعضهم أن ارتفاع الأسعار يمكن أن يستمر إلى الأبد. قد تبدو الحكاية بعيدة، لكن غريزة القطيع لم تتغير كثيراً.
ما الذي يحدث اليوم حين يندفع المستثمرون خلف أصل مالي أو عملة رقمية أو شركة لمجرد أن الآخرين يشترونها؟ تتغير الأدوات، لكن الرغبة في ألا يُفوّت الإنسان ما يفعله الآخرون تبقى هي نفسها.
التاريخ يقدم مثالاً أكثر اتصالاً بما نعيشه اليوم: تروفيم ليسينكو في الاتحاد السوفييتي.
لم تكن المشكلة في أن عالِماً أخطأ؛ فالعلم مليء بالأخطاء التي يصححها الزمن. المشكلة أن أفكار ليسينكو حظيت بحماية سياسية، بينما جرى تهميش علم الوراثة وقمع بعض العلماء. أي أن الفكرة لم تعد مُطالبة بإثبات نفسها بالأدلة، بل أصبحت محمية من الاختبار.
هنا تبدأ صلة الأمس بعصر التضليل الرقمي.
كان ليسينكو يحتاج إلى سُلطة ومؤسسات كي تنتشر روايته. أما اليوم، فقد تكفي شاشة وهاتف وشبكة من الحسابات. معلومة غير مُثبتة تنتشر، يعيد آخرون نشرها، ثم يضيفون إليها تفسيراً، ومع التكرار تكتسب مظهراً من الحقيقة.
لم يعد التضليل يحتاج دائماً إلى اختراع كذبة كاملة. قد يكفي اقتطاع صورة حقيقية من سياقها، أو إعادة تدوير فيديو قديم، أو استخدام رقم صحيح لإثبات استنتاج خاطئ. والمشكلة أن كثرة التكرار تجعل المعلومة مألوفة، والمألوف يبدو للعقل أحياناً أقرب إلى الحقيقة.
وهنا تصبح الخوارزمية جزءاً من المشهد. فهي قد تعرض للإنسان المزيد مما يتفاعل معه، فيجد نفسه مُحاطاً بآراء تشبه رأيه ومعلومات تؤكد مخاوفه. ومع الوقت، تتحول الشاشة إلى غرفة صدى: “لا يرى الإنسان العالم كما هو، بل النسخة التي تعود إليه باستمرار”.
لكن قصة ليسينكو تحمل درساً أعمق: أخطر الأفكار ليست بالضرورة تلك التي تبدأ خاطئة، بل تلك التي يُصبح تصحيحها مستحيلاً.
في العلم، يفترض أن تبقى الفكرة قابلة للاختبار والتصحيح أمام دليل جديد. أما حين يصبح كل دليل مخالف “مؤامرة”، وكل مصدر لا يوافقنا “عدواً”، وكل سؤال تشكيكاً، فإننا لا نعود أمام نقاش حول الحقيقة، بل أمام نظام مغلق يحمي قناعته من الحقيقة.
لهذا تأتي قصة الطبيب المجري إغناتس زِمِلويس من الجهة المقابلة. في القرن التاسع عشر، لاحظ زِمِلويس ارتفاع معدلات وفيات النساء بعد الولادة في أحد أجنحة مستشفى فيينا، ولاحظ ارتباط ذلك بانتقال الأطباء وطلاب الطب بين غرف التشريح وجناح الولادة. وفي عام 1847، فرض غسل اليدين بمحلول من الجير المكلور قبل فحص النساء، فانخفضت الوفيات بصورة حادة.
لم يكن زِمِلويس يعرف آنذاك نظرية الجراثيم بصورتها الحديثة، لكنه امتلك دليلاً عملياً قوياً على أن تغيير الممارسة يمكن أن ينقذ الأرواح. ومع ذلك، واجهت أفكاره مقاومة واسعة قبل أن تتضح أهمية مكافحة العدوى لاحقاً.
الفرق بين القصتين واضح: في الحالة الأولى، أُغلقت الأبواب أمام الدليل. وفي الثانية، ظل الباب مفتوحاً حتى غيّرت الأدلة فهم الناس للمشكلة.
وهذه ليست مسألة تخص العلماء وحدهم.
في حياتنا اليومية، يحدث الأمر نفسه. شخص يُواصل علاقة تؤذيه لأنه يرى التراجع اعترافاً بالفشل. ومُستثمر يتمسك بقرار خاسر لأنه لا يريد الاعتراف بأنه أخطأ. وصديق يرفض الاعتذار لأن كبرياءه أقوى من حاجته إلى إصلاح العلاقة.
في كل هذه الحالات، لا تغيب القدرة على التفكير، لكنها تعمل لحساب شيء آخر. فالطمع يستخدم العقل لتبرير المخاطرة، والغضب لتبرير الانتقام، والخوف لتبرير الانغلاق، والكبرياء لتبرير العناد.
وهنا تكمن المُفارقة: الإنسان يستطيع أن يكون شديد الذكاء، ومع ذلك يستخدم ذكاءه في الدفاع عن خطأ يعرف، في مكان ما داخله، أنه خطأ.
نحن لا نحتاج دائماً إلى من يكذب علينا؛ كثيراً ما نتولى المهمة بأنفسنا.
نختار الأخبار التي توافقنا، ونستبعد تلك التي تزعجنا، ونبحث عن الخبراء الذين يقولون ما نريد سماعه، ثم نعود إلى بيوتنا مطمئنين إلى أننا نملك الحقيقة كاملة.
مع الوقت، تتحول الشاشة إلى مرآة..
نرى أنفسنا فيها، فنظن أننا نرى العالم..
لكن العالم أكبر من الشاشة، وأوسع من جماعتنا، وأكثر تعقيداً من رأينا.
العقل لا يطلب منا أن نكون بلا مشاعر. لكنه يطلب أن نترك مسافة صغيرة بين الشعور والفعل. والغضب قد يخبرك بأن شيئاً يؤلمك، لكنه لا يخبرك بالضرورة بما يجب أن تفعله. والخوف قد يُحذرك من خطر، لكنه ليس دائماً دليلاً على وجوده. أما الحب فقد يمنح الحياة معناها، لكنه لا يجعل المحبوب معصوماً من الخطأ. والانتماء قد يمنح الإنسان الأمان، لكنه لا يمنحه بالضرورة الحقيقة.
أن تكون عاقلاً لا يعني أن تكون بارداً؛ بل يعني أن تترك لنفسك مساحة للتراجع. أن تستطيع قول “لا أعرف”. أو أن تقول “ربما كنت مخطئاً”. وأن تسمح للحقيقة بأن تهزم رأيك من دون أن تشعر بأنها هزمتك أنت.
المشكلة لا تبدأ عندما نخطئ؛ فالخطأ جزء من طبيعتنا. إنها تبدأ عندما يصبح الاعتراف به مستحيلاً. ولعل السؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا، في زمن تتدفق فيه المعلومات أسرع من قدرتنا على التحقق منها، ليس: “هل أنا على حق”؟
بل: “هل ما زلت قادراً على اكتشاف أنني مخطئ”؟
فربما لا يكون أخطر ما يحدث للعقل أن يتوقف عن التفكير، بل أن يواصل التفكير داخل غرفة مغلقة، لا يدخلها إلا ما يريد أن يسمعه.








