الرباط - المهدي هنان
الرباط - المهدي هنان

مقالات مشابهة

المغرب

من الهامش إلى متحف مفتوح: كيف أعادت الجداريات رسم المشهد البصري لمدينة الرباط؟

الرباط - المهدي هنان
الرباط - المهدي هنان

لم تعد الجدران الإسمنتية مجرد فواصل صامتة بين البنايات في شوارع الرباط، فمن شارع الحسن الثاني، إلى أزقة يعقوب المنصور، مروراً بحي المحيط واليوسفية، تحولت العاصمة المغربية إلى معرض فني في الهواء الطلق. هذا التحول البصري والجمالي لم يأت مصادفة، بل هو ثمرة مسار تحولي انتقل فيه “فن الشارع” من خانة الممارسة المتمرّدة إلى حركة فنية مؤطرة، تحظى بدعم المؤسسات الرسمية ورعاية المهرجانات المتخصصة.

يكشف تاريخ الفن الحضري بالمغرب عن تحول جذري في التعاطي الرسمي والاجتماعي مع رسومات الشارع، فبعد أن كان “الغرافيتي” يُصنَّف كعمل تخريبي، يمكن أن يُعرّض أصحابه للمتابعة الجنائية، أصبح اليوم محط تثمين ورعاية من طرف الدولة والمجالس المنتخبة. 

من “الأندرغراوند” إلى التأسيس

الباحث في الثقافة الحضرية ومدير الفنون بوزارة الشباب والثقافة والتواصل، هشام عبقري، يعتبر أن “الغرافيتي” بدأ تاريخياً عبر ظاهرة “الوسم” (TAG) في ثقافة “الأندرغراوند”، حيث كان الفنانون يتركون بصماتهم على القطارات وجنبات الطرق والقناطر، كفضاءات متحركة أو معزولة. غير أن الجداريات، كما يشير الفنان محمد رشدي، المشهور بـ”روش”، تختلف عن “الغرافيتي” المعتمد أساساً على الرموز والحروف، بتركيزها على الصور والبورتريهات البصرية المتكاملة.

وبدلاً من مواجهة هذا الفن والتضييق عليه، اتجهت السلطات المحلية والوزارة الوصية إلى تأطيره واحتوائه وتوفير بيئة قانونية ومهرجانات متخصصة، تنقله من العشوائية إلى مشروعات مأذونة تحترم الفضاء العام وتستثمر فيه.

قبل عقدين من الزمن، كان محمد رشدي، فنان الجداريات المقيم في ضواحي الرباط، يتلمس خطواته الأولى في فن الشارع، ويقول حول هذه الحقبة: “مسيرتي الفنية بدأت في منزلي، وأنا أرسم على الأوراق. وفي سنة 2004، بعدما كبرت قليلاً، تأثرت بثقافة الـ”هيب هوب”، وتعرفت على “الغرافيتي”. بعدها دخلت عالم “الإلتراس” وأصبحت أرسم الجداريات المرتبطة بهذا المجال في مدينتي الرباط وتمارة. اشتغلت خلال هذه السنوات على صقل مهارتي في تحويل رسم صغير على ورقة إلى جدارية كبيرة إلى أن أتقنت الأمر”.

GWA

مسار طويل قضاه رشدي، بعيداً عن الأضواء، إلى أن وصل إلى مهرجان “جدار”، أبرز حدث فني يُعنى بالجداريات في المغرب. وقد شارك في دورة هذا العام بجدارية كبيرة موجودة بشارع الحسن الثاني، أطول شوارع الرباط. قبل ذلك، ساهم خلال الدورات السابقة في جداريات مشتركة مع فنانين آخرين، كما عمل منسقاً لفريق من الفنانين أشرفوا على رسم لوحات في ساحة للتزلج. عن هذه التجربة يقول لـ”غلوبال ووتش عربية”: “في أعمالي، أركز على الإنسان. من خلال بورتريهاتي، أحكي قصة أو أعبر عن موقف، لأن البورتريه يتقبله الناس أكثر، ولديه قابلية للانتشار”. ويضيف: “في السابق كنت أشتغل على “الأنيميه” و”الكرتونز”، وقد ترسخ لدي هذا الأسلوب إلى أن مررت إلى البورتريه.. في هذا الجنس أجد ضالتي”. 

مهرجان “جدار”

منذ انطلاقته سنة 2015 بمبادرة من جمعية (EAC L’Boulevart) وبإدارة فنية من صلاح معلولي، شكّل مهرجان “جدار – لوحات الشارع” القاطرة الأساسية لهذا التحول الحضري. ومع اختتام دورته الحادية عشرة (2026)، أضاف المهرجان 15 جدارية ضخمة جديدة للعاصمة، ليرتفع الإجمالي المنجز على مدى 11 عاماً إلى 146 جدارية تتجاوز مساحتها 20 ألف متر مربع، بمشاركة أكثر من 250 فناناً مغربياً ودولياً. وقد أسهمت هذه الدينامية في جعل الرباط إحدى العواصم البارزة لفن الشارع في القارة الإفريقية.

لا يقتصر المهرجان على استضافة الأسماء العالمية، بل يعمل على صقل مواهب الجيل الجديد من الفنانين الجداريين المغاربة، عبر مشروع “الجدار الجماعي”، الذي يُعد مشتلاً ومختبراً مفتوحاً، تخرّج منه فنانون أمثال بكر العداوي، ورضا بودينا، الذي يوقع أعماله بـ (RDS)، وغيتة حسن جوهري المشهورة بـ (Ritanosko).

يقول عبقري، في تصريح لـ”غلوبال ووتش عربية”: “بالنسبة لمدينة الرباط، يتم تأطير هذه الجداريات عبر تراخيص من السلطات المحلية، وهناك رعاية وآليات ضخمة تُستثمر، وبالتالي خرجنا من منطق الجداريات التي تقام بشكل مباشر من طرف الفنانين ومررنا لمرحلة الطلبيات، أي أنك تأتي بفنان مغربي أو أجنبي، وتطلب منه أن يوقع لك عملاً في مكان ما من المدينة، موفراً له كامل الأدوات لإنجاز هذا العمل”. ويُضيف: “الجداريات تمنح رونقاً حداثياً للمدينة، وعندما يتجول الناس في شوارعها أو أزقتها، أو حتى وهم راكبون على متن السيارات أو وسائل النقل، بدل أن يروا الجدران الإسمنتية، يكتشفون أعمالاً فنية. وبما أن الإقبال على المتاحف يبقى محدوداً، فإن العمل الفني هنا هو الذي يذهب عند الجمهور”.

إذا لم تذهب إلى المعرض، المعرض يأتي إليك

يمتد أثر الجداريات إلى عمق الفلسفة الحضرية، إذ تعمل على الدفع بالفن نحو المواطنين في حياتهم اليومية، معوِّضةً الإقبال المتواضع على المتاحف والمعارض المغلقة. فبدل الجدران الإسمنتية الصامتة، تصبح جداريات الأحياء الشعبية والهامشية (مثل يعقوب المنصور واليوسفية والمحيط) فضاءات حية للتفاعل والتواصل الاجتماعي.

وتعكس شهادات الفنانين، مثل غيتة حسن جوهري (Ritanosko)، ومحمد رشدي (ROSH)، حجم الترحيب الشعبي في الأحياء البسيطة؛ حيث يبادر السكان إلى تقديم الطعام والماء والمساعدة اللوجستية للفنانين. كما يمتد هذا الفن ليمس اللاوعي الجمعي ويزيد من إحساس الطمأنينة والتآلف، حيث تشير إدارة مهرجان “جدار” إلى أن انعدام أي تشويه أو كتابات عشوائية (Tags) على الجداريات المنجزة يعكس احترام السكان واعتزازهم بهذه الأعمال.

ومثال ذلك جدارية الفنان المهدي العناسي (ماشيما) بشارع مدغشقر، القريبة من محكمة الأسرة، والتي تركت أثراً نفسياً عميقاً لدى النساء المترددات على المحكمة لما تحمله من معاني الحماية والأمان في عيني الطفل المرسوم.

الهوية الثقافية المغربية والعولمة البصرية

في ظل التداخل البصري العالمي، تشهد الجداريات في الرباط صياغة متدرجة لهوية فنية مغربية تستلهم التراث الثقافي المحلي. ويلاحظ المتابعون أن فن الشارع في المغرب يركز بالأساس على البعد الجمالي والاحتفاء بالتراث بدلاً من الرسائل السياسية الحادة التي تطبع بعض المدارس الأوروبية.

GWA

وتتجسد هذه الهوية الثقافية في أعمال متعددة، منها: استلهام فخّار آسفي التقليدي في أعمال الفنانة “تيما”، وتجسيد حرفة نسيج الزرابي في جدارية الفنان “كيس ماكلايم”، ورسم بورتريه الراعي الأمازيغي للفنان التشيلي “إنتي”، وبورتريه المزارعة “نجدة” من وادي أوريكة للفنان الألماني هندريك بيكيرش، إضافة إلى السيراميك التقليدي في لوحات مانولو ميسا، ومشاهد الحياة اليومية الشعبية بالقرب من “باب الأحد” في أعمال سيمو موحيم.

كما تحولت جداريات الرباط إلى محرك لسياحة بصرية حديثة، أوجدت ما يُعرف بـ “المسارات السياحية الفنية”، وتُظهر بيانات المهرجان حجز جميع الزيارات الموجهة المصحوبة بمرشدين عبر مسارات حسان، والمحيط، ويعقوب المنصور، كل نهاية أسبوع، داعية مئات الزوار لاستكشاف قصص الجداريات. هذه اللوحات خلفيات رئيسية ملهمة لالتقاط الصور ومشاركتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما عزز الجاذبية السياحية للرباط عاصمة للفن الحضري.

على خطى باسكيات وبانكسي

تؤكد الفنانة غيتة حسن جوهري، المقيمة في الدار البيضاء، والتي يتأرجح عالمها الفني الخاص، المأهول بالكائنات والرموز، بين السريالية والفن الساذج، لـ”غلوبال ووتش عربية”، أن مبادرة نشر الجداريات ممتازة جداً، لأن الفن وُجد ليُرى ويُعجب به الجميع. وتضيف: “مثل هذه المبادرات تخرجنا من الدوائر المعتادة للمحترفات والمعارض، وتعيد تركيزنا على الأهم وهو المشاركة. من خلالها نكتشف من جديد مدى حب المغاربة للفن”.

بدوره، يعود بنا الباحث في الثقافة الحضرية، هشام عبقري، إلى أصل فن الجداريات، لافتاً إلى أنه تقليد عريق لم يعرفه المغرب. يقول: “هو تقليد أوروبي قديم مرتبط بالكنائس، كأعمال مايكل أنجلو، بحيث كانت تُصوّر هذه الجداريات قصصا موجودة في الإنجيل أو بعض الشخصيات التاريخية المرتبطة بالكتاب المقدس كذلك”. 

ويُضيف: “الغرافيتي بدون تصريح يُعدّ خرقاً للقانون، باعتباره تعدياً على مِلك الآخرين، لكن مع ظهور رواد عالميين لهذا الفن، مثل “جان ميشيل باسكيات” في نيويورك، أصبح له صدى كبيراً في الوسط الفني. ومع “بانكسي”، الفنان مجهول الهوية، كبر الحضور الإعلامي أكثر، ومن خلاله أُثيرت تساؤلات حول دور الفن في الفضاء العمومي عبر عدد من الرسومات في الأزقّة الإنجليزية”.