تدخل أسواق الطاقة العالمية مرحلة جديدة من التعامل مع أزمة الديزل، بعدما اتفقت دول مجموعة السبع على الإفراج عن حوالي 100 مليون برميل من احتياطات النفط والمنتجات البترولية، في تحرك منسّق عبر وكالة الطاقة الدولية يهدف إلى احتواء قفزة أسعار الوقود وتخفيف اختناقات الإمدادات التي تفاقمت بفعل التوترات في الشرق الأوسط واضطراب حركة الشحن.
لا يقتصر القرار على كونه مجرد تدخل مؤقت لخفض الأسعار، بل يعكس اتساع المخاوف بشأن قدرة منظومة الطاقة العالمية على امتصاص صدمات متزامنة تضرب النفط الخام وقدرات التكرير والنقل البحري في آن واحد.
الديزل في قلب الحدث
تنص خطة “السبع” على بدء الإفراج الفوري عن هذه الكمية من الاحتياطات، ولمدة أربعة أشهر، مع طرح جزء كبير من الديزل خلال أول 20 يوماً، في محاولة لتهدئة السوق قبل دخول الطلب الموسمي على الوقود فترة أكثر حساسية. كما ستجتمع الدول الأعضاء ضمن إطار وكالة الطاقة الدولية خلال الأيام المقبلة لبحث إمكانية تنفيذ عمليات مماثلة إضافية إذا دعت الحاجة.
ولن يقتصر الاتفاق على سحب البراميل من المخزونات؛ إذ تعهد قادة المجموعة أيضاً بعدم فرض قيود على صادرات الطاقة ومنتجاتها بين دولهم، كما دعوا المنتجين الآخرين إلى تجنب فرض حظر مماثل من شأنه زيادة التوترات في الأسواق.
يكتسب هذا التحرك أهمية خاصة لأن نقص الديزل لا يعني بالضرورة نقص النفط الخام. فقد تكون البراميل متاحة، لكن تحويلها إلى ديزل يتطلب طاقة تكريرية، وخامات مناسبة، وقدرة لوجستية على النقل الآمن إلى الأسواق المحتاجة.
ضغط أمريكي
جاء الاتفاق بعد ضغط متزايد من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحلفاء الأوروبيين للاستعانة بمخزوناتهم، في ظل الضغوط السعرية الحادة على الأسعار. ليُلعن أخيراً أن أوروبا وافقت على سحب كمية كبيرة من مخزونات الديزل، بينما طُرح في واشنطن خيار تقييد الصادرات الأمريكية بهدف زيادة المعروض المحلي.
لكن مثل هذا الإجراء كان سيحمل مخاطر تتجاوز السوق الأمريكية، نظراً إلى اعتماد أوروبا المتزايد على الوقود القادم من الولايات المتحدة.
المفارقة هنا، أن الولايات المتحدة تسعى لحماية المستهلك المحلي من ارتفاع الأسعار، لكنها في الوقت نفسه أصبحت مورداً مهماً لأوروبا، ما يجعل تقليص صادراتها قادراً على تحويل الضغوط من سوق إلى أخرى بدلاً من إزالتها.
أوروبا والإمدادات الهشّة
أصبحت أوروبا أكثر تعرضاً لتقلبات سوق الديزل بسبب تراجع بعض مصادرها التقليدية، وفي مقدمتها الإمدادات الروسية، وسط اضطراب تدفقات المنتجات المكررة من الشرق الأوسط.
وتشير بيانات وتحليلات السوق إلى أن الولايات المتحدة شكلت قرابة نصف واردات الديزل البحرية للقارة في أغسطس/آب الماضي، مقارنة بنحو ربعها قبل عام، وهو تحول يوضح مدى ارتفاع تركّز مصادر الإمداد الأوروبية.
في الوقت نفسه، مدّدت روسيا، ثاني أكبر مصدر للديزل عالمياً بعد الولايات المتحدة قبل الأزمة، في 30 سبتمبر/أيلول الماضي القيود المفروضة على صادرات الديزل حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بعد تضرر عمليات التكرير جراء الهجمات الأوكرانية على المصافي.
وتُقدّر وكالة الطاقة الدولية أن صادرات الديزل والغازويل المنقولة بحراً تراجعت 10% عالمياً خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، فيما هبطت صادرات روسيا والشرق الأوسط مجتمعة إلى نحو 520 ألف برميل يومياً في أغسطس، بانخفاض 75% على أساس سنوي.
حل مؤقت لا أكثر
تأتي الخطوة الجديدة بعد تحرك استثنائي لوكالة الطاقة الدولية في مارس/آذار الماضي، عندما وافقت الدول الأعضاء على الإفراج عن نحو 426 مليون برميل من احتياطات الطوارئ، في أكبر عملية جماعية من نوعها في تاريخ الوكالة التي حذّرت آنذاك من أن المخزونات تستطيع امتصاص الصدمة مؤقتاً، لكنها لا توفر بديلاً عن عودة تدفقات التجارة الطبيعية.
وبحساب تقريبي، فإن توزيع 100 مليون برميل بالتساوي على أربعة أشهر يعادل نحو 830 ألف برميل يومياً، وإن كانت الخطة الفعلية ستعطي الأولوية لإمدادات الديزل في الأسابيع الأولى. مع ذلك، فإن تأثير هذه الكميات سيعتمد على تركيبها: الخام يحتاج إلى المرور بالمصافي قبل أن يتحول إلى وقود، بينما يمكن للمنتجات المكررة أن تصل إلى السوق بصورة أسرع.
وهنا تكمن حدود الخطة؛ المشكلة الحالية ليست في كمية النفط المتاحة فقط، بل في مكان وجودها، ونوعها، وقدرة المصافي على معالجتها، وإمكانية نقلها بأمان.
هرمز.. العقدة الأساسية واختبار جديد للمرونة
تظل مشكلة استعادة حركة الملاحة في هرمز العامل الأكثر حساسية في أزمة الإمدادات. ووفق أحدث بيانات تتبع الناقلات من “كبلر”، بلغت صادرات الخام من منطقة الخليج العربي، بما فيها خطوط الأنابيب والمسارات البديلة، نحو 16.5 مليون برميل يومياً في سبتمبر، مقابل 6 ملايين في مارس، مقتربة بذلك من مستويات ما قبل الحرب. لكن تدفقات المنتجات المكررة، وخصوصاً الديزل، لا تزال أضعف بكثير.
وتشير البيانات أيضاً إلى أن شحنات المنتجات النفطية المكررة عبر المضيق لم تتجاوز 677 ألف برميل يومياً في أواخر الشهر الماضي، مقابل 3.6 مليون برميل يومياً قبل الحرب، ما يفسر الضيق في سوق الديزل على الرغم من تحسن تدفق الخام.
الرسالة الأهم في خطة مجموعة السبع هي استخدام الاحتياطات لمنع أزمة مؤقتة من التحول إلى صدمة اقتصادية أوسع، وفي الوقت نفسه محاولة إبقاء قنوات تجارة الطاقة مفتوحة إلى أن تعود منظومة الإمداد العالمية إلى العمل بصورة أكثر طبيعية.
نعم، قد تمنح الـ100 مليون برميل السوق مساحة لالتقاط الأنفاس خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً مع التعجيل بطرح كميات من الوقود المكرر في الأسواق، لكن استدامة التأثير ستظل رهناً بعودة تدفقات المنتجات النفطية عبر هرمز، وسلامة المصافي الروسية، وقدرة المصافي العالمية على زيادة الإنتاج، إلى جانب استمرار تدفق الوقود الأمريكي إلى أوروبا.







