أثر الكلام

ماذا رأى إزرا باوند في الشعر المصري القديم؟

أحمد الشَّهاوي
أحمد الشَّهاوي

هل استطاعت القصيدةُ المصريةُ القديمةُ التي كُتبتْ على ورق البردي وجُدران المعابد والأوستراكا Ostraca (وهي كلمةٌ يونانيةٌ، تعني كسرات الفخَّار أو قطع الحجارة المسطَّحة، التي استخدمها المصريون القُدماء كسطحٍ اقتصاديٍّ وعمليٍّ للكتابةِ والرسمِ بدلًا من لفائف البردي الباهظة التكاليف) قبل آلاف السنين أن تعبُرَ حدودَ مصر، وتدخُلَ نسيجَ الشِّعرِ الإنسانيِّ، وأن يجدَ فيها شُعراء من عُصورٍ مختلفةٍ ولغاتٍ أخرى ما يستحقُّ الترجمةَ وإعادةَ الكتابةِ والاستلهام؟

الإجابة نعم، فهناك أسماءٌ كبيرةٌ قدَّمتْ هذا الشِّعرَ في لغاتها، كما استفادتْ منه وتأثَّرتْ به مثل الشَّاعرة الرُّوسية أنَّا أخماتوفا (1889 – 1966)، والشَّاعر الأمريكي إزرا باوند (1885 – 1972).

ورُبَّما لا يعرفُ الكثيرون أنَّ هناكَ نصُوصًا مصريةً قديمةً تكشفُ أنَّ عددًا من الإمكاناتِ الأساسيةِ للقصيدةِ الغنائيةِ، كالحُبِّ، والصَّوتِ الشَّخصيِّ، والرَّغبةِ، والحوارِ، وصوت المرأة، والطبيعة بوصفها امتدادًا للعاطفةِ، كانت قد ظهرت في مصر قبل أن تصبحَ من السِّمات الأساسيةِ في الشِّعر الغنائيِّ اليوناني والأوروبي.

لقد قدَّمَ الشِّعرُ المصريُّ أنموذجًا مبكِّرًا لقصيدة الحُب التي تمنحُ المرأةَ صوتًا شعريًّا مُستقلًّا، ولا شكَّ أنَّ هذه الحقيقةَ ستُغيِّر شيئًا في تاريخ القصيدة الغنائية.

إذْ إنَّ التاريخَ الأدبيَّ التقليديَّ (المكذُوب والمغلُوط) اعتاد أن يبدأ من اليونان، ثم ينتقل إلى رُوما، ثم أوروبا، أما قراءة النُّصُوص المصرية التي تركها الأسلافُ القُدماءُ فتجعلُ الصُّورةَ أكثرَ تعقيدًا، أي كانت هناك قبل اليونان الكلاسيكية تقاليد غنائية ناضجة في مصر تتعاملُ مع الحُبِّ بوصفه تجربةً شخصيةً وجسديةً ونفسيةً.

وهذا يجعلُ الشِّعْرَ المصريَّ جُزءًا من التاريخِ المبكِّر للأدب العابرِ للثقافات.

ولم تبقَ هذه النصُوص في الماضي منسيةً أو مجهُولةً إذْ أعادها المترجمُون والشُّعراء إلى الحياة، من الشَّاعر الرُّوسي قسطنطين بالمونت (1867-1942)، الذي كتبَ أيضًا قصائدَ روسيةً من وحي القرآن، إلى آنَّا أخماتوفا وإزرا باوند، وأصبحت مصرُ القديمة مادةً في مشرُوعِ الحداثةِ الشِّعريةِ العالميةِ، (وسبق لي أن قلتُ إن الملكة الشَّاعرة حتشبسُوت هي أسبقُ من الشَّاعرة الإغريقية سافو بتسعمائة سنة في كتابةِ الشِّعر).

لقد ترجم قسطنطين بالمونت نصُوصًا مصريةً قديمةً، ونشرَ مُختاراتٍ منها، وضمَّ إلى كتابه “نداءات العُصور القديمة” نصُوصًا مصريةً، بينها ترجماتٌ أو إعادةُ صياغةٍ لأناشيد وترانيم وصلوات وأغنيات الحُب.

ولم تكُن مصرُ بالنسبة إلى بالمونت مُجرَّد موضُوعٍ عابرٍ، حيثُ زار مصرَ سنة 1909، وشاهد القاهرةَ والأهرامَ والمتاحفَ والمعابدَ، والتقى عالم المصريات الفرنسي غاستُون ماسبيرو (1846 – 1916)، ثم كتب عن رحلته وأدخلَ التجربةَ المصريةَ إلى عالمِهِ الشِّعريِّ والفكريِّ، وكان يعملُ على “الأغنيات المصرية” اعتمادًا على ترجماتٍ حرفيةٍ وشُرُوحٍ لعلماء المصريات، ثم يحوِّلها إلى ما سمَّاه في جوهر عمله “إعادة غِناء” أو إعادة صياغة شعرية.

أما الحالة الأكثر شُهرةً في الشِّعر الإنجليزي الحديث فهي إزرا باوند، حيثُ صدر كتابه “أشعار الحُب عند قدماء المصريين” سنة 1962، بالاشتراك مع نويل ستوك (1929 -2013 )، وهو كاتبٌ وأكاديميٌّ وباحثٌ أدبيٌّ أسترالي المولد، وتصف دار “نيو ديريكشنز” الكتاب بأنه يضمُّ قصائدَ مأخوذةً من نصُوصٍ هيروغليفيةٍ على البرديات والنقوش الفخَّارية.

وقد ترجم الدكتور إبراهيم فهمي شحاتة كتاب “أشعار الحُب عند قدماء المصريين” للشَّاعرين إزرا باوند ونويل ستوك، وصدر عن دار المعارف بمصر سنة 1969، وللأسف لم أقرأ هذه الترجمة ولم أرها، إذْ لم تُعِد دارُ المعارف طباعتَها ثانيةً، ككثيرٍ من الكتب التي أصدرتها من قبل، ومنها كتابٌ أحبه كثيرًا هو “سربالُ البال لذوي الحال” للشيخ ركن الدين علاء الدولة السمناني بترجمة ودراسة الدكتور شعبان ربيع طرطور، وكان قد صدر سنة 1987.

لقد وجد إزرا باوند (رشِّح لنيل جائزة نوبل في الآداب ست عشرة مرة، كان أولها في عام 1955، ولكن لم يفُز بها قط) في الشِّعر المصريِّ القديم ما يتوافقُ مع حساسيته ومُغامرته مع الشِّعر، حيثُ الصُّورة المُكثَّفة، والاقتصاد، والتَّكرار، والحركة السَّريعة من الإحساس إلى الصورةِ، والابتعاد عن الشَّرح الزائد، وكلنا يعرف سيرةَ عمله مع القصيدة /الديوان “الأرض الخراب/اليباب” لتي إس إليوت (1888 – 1965) التي صارت الأشهرَ خلال القرن العشرين بفضل تنقيحات وتشذيبات وحُذوفات واختصارات باوند.

وقد أصبحت ترجمات باوند وستوك نفسها جُزءًا من تاريخ استقبال الشِّعْر المصريِّ؛ كما أعيد نشرُ الكتاب وتُرجم إلى الإسبانية وغيرها من اللغات، بما يؤكِّدُ أن النصَّ المصريَّ استمرَ في الانتقالِ بين اللغات.

والسُّؤال الآنَ.. ماذا أضافَ المصريُّ القديمُ فعلًا إلى الشِّعْر الإنساني؟

أقولُ لقد أسَّسَ لشرعيةِ القصيدةِ الشَّخصية، حيثُ يستطيع الإنسانُ أن يجعلَ من حياتِه اليومية موضُوعًا للشِّعر. وكان للمرأة صوتٌ، وهذه من أكثر الظواهر إثارةً في أغنيات الحُب المصرية، ثم شِعر الحُب بوصفه تجربةً كاملةً؛ إذْ إنَّ الحُبَّ عند المصريين ليس عاطفةً مُجرَّدةً، وإنما جسدٌ وذاكرةٌ وطبيعةٌ ورائحةٌ وصوتٌ وحركةٌ، والتعامل مع الطبيعة بوصفها لغةً، بحيثُ إنَّ الزهرةَ ليست زهرةً فقط، والنهرَ ليس نهرًا فقط؛ بل تصبحُ الطبيعة مُعجمًا للعاطفة.

وما يميِّزُ القصيدة المصرية القديمة هو الحوار وتعدُّد الأصوات، وهو ما يظهرُ بوضُوحٍ في بعض أغنيات الحُب التي تتبادلُ فيها الأصواتُ بين الرجل والمرأة.

وكذلك التكرار والتوازي، وهما عُنصران أساسيان في الموسيقى الشِّعرية المصرية، والتكثيف، فالصورة قد تحملُ شُعورًا كاملًا من دون تفسيرٍ فلسفيٍّ طويل.

إنَّ هناكَ تشابهاتٍ قويةً مع تقاليد أخرى، كما في المقارنة بين أغنيات الحُب المصرية والشَّاعرة الإغريقية سافو.

إنَّني أرى أنَّ الشِّعرَ المصري القديم من أقدم مصادر الخيال الشِّعري الإنساني، وأحد المُختبرات الكبرى التي أثبتت أنَّ القصيدةَ قادرةٌ على تحويلِ التجربةِ الشخصيةِ إلى فنٍّ يتجاوزُ الزمن.

في تجربة إزرا باوند مع الشِّعرِ المصريِّ القديم ما يستحق التوقُّف عنده ليس مُجرَّد أنه ترجمَ بعض القصائدَ المصرية، وإنَّما الطريقة التي وصلَ بها إلى هذه النصُوص والطريقة التي أعاد بها تقديمها إلى القارئ الحديثِ، فقد كان إزرا باوند ينظرُ إلى الترجمة بوصفها جُزءًا من مشرُوعِه الشعري، لا عملًا هامشيًّا مُنفصلًا عن الإبداع؛ وكان طوال مسيرته يبحثُ في آداب ولغاتٍ مختلفةٍ عن طاقاتٍ شعريةٍ يمكنُ أن تعيدَ تشكيل الشِّعْر الحديث؛ وكانت الترجمةُ عنده وسيلةً لاكتشافِ ما يمكنُ أن يبقى حيًّا في الشِّعرِ حين ينتقلُ من لغةٍ وثقافةٍ إلى أخرى، ومثلما انفتح إزرا باوند على الإيطالية والبروفنسالية واللاتينية والصينية وغيرها، فقد وصل في أواخر حياتهِ إلى المصريةِ القديمة، وما ينبغي تصحيحهُ منذ البداية هو أنَّ علاقة باوند بالشِّعر المصري القديم لم تبدأ في شبابه، ولم تكُن مصريةَ المنشأ في مشرُوعه الشِّعْري بالمعنى الذي كانت عليه علاقته بالشِّعر الصيني أو شِعْر العصُور الوسطى الأوروبية، بل جاءت بصورةٍ أوضح في مرحلةٍ متأخرةٍ من حياتهِ، بعد أن كان قد رسَّخ بالفعل تجربتَه الحداثيةَ في الترجمةِ والتكثيفِ والصُّورةِ الشِّعرية؛ ومع ذلك فإنَّ اهتمامَهُ بمصر القديمة أقدم من تجربة الترجمة نفسها؛ فقد ظهرت إشاراتٌ مصريةٌ في أعماله المبكِّرة، كما ظلَّ الفنَّ المصريَّ القديمَ حاضرًا في تصوره لفكرة الشَّكلِ والصَّفاء والتكثيف.

وكان إزرا باوند قد أظهرَ اهتمامًا بمصر منذُ سنواتٍ مُبكِّرةٍ، ففي عام 1916 أوصى إيريس باري بكتاب يضمُّ ترجماتٍ من حكم بتاح حتب (وهي مجموعةٌ من التعاليم والوصايا الأخلاقية التي كتبها الوزير المصري القديم “بتاح حتب” في عهد الأسرة الخامسة، وتُعدُّ من أقدم كُتب أدب الحكمة في التاريخ البشري). كما ظهرتِ الإشاراتُ إلى مصر في قصائدِه ونثره، وفي مشرُوعه الواسع لاستيعاب الثقافات القديمة.

ويمكنُ القول إنَّ مصرَ كانت بالنسبة إلى باوند جُزءًا من أرشيفه الشِّعْريِّ العالميِّ قبل أن تصبحَ موضُوعًا مباشرًا لترجمته.

أما التجربة التي يمكنُ تحديدُها تاريخيًّا بوصفها خوضًا فعليًّا في ترجمةِ الشِّعْرِ المصري القديم، فقد جاءت في أواخر الخمسينيات، حين أصبحَ على صلةٍ وثيقةٍ بعالم المصريات بوريس دي راتشفيلتز (1926-1997) ومن أشهر كتبه  “السحر في مصر القديمة”، و”الجنس والشَّبق في مصر القديمة”، وكان زوج ابنة إزرا باوند ماري باوند، قد أنجز ترجماتٍ حرفيةً من النصوص الهيروغليفية إلى الإيطالية، ونشرها في ميلانو سنة 1957 في كتاب بعنوان: Liriche amorose degli antichi Egiziani، وكانت هذه النسخةُ الإيطاليةُ الجسرَ الذي عبر منه باوند إلى القصائد المصرية، أي أنَّ باوند لم يكُن يقرأ الهيروغليفية قراءةً مباشرةً ثم يُحوِّلها إلى الإنجليزية، وإنَّما اشتغل انطلاقًا من ترجمةٍ حرفيةٍ إيطاليةٍ أنجزها متخصِّصٌ في المصريات. 

وهذه النقطة مُهمَّةٌ للغاية لفهم طبيعةِ التجربة، لأنَّها تكشف أنَّ باوند تعاملَ مع النصِّ المصريِّ باعتباره مادةً تحتاجُ إلى إعادة خلق شعرية أكثر من كونها تمرينًا في الترجمة اللغوية الحرفية.

وهكذا يمكنُ النظر إلى تجربة باوند المصرية بوصفها حلقةً نادرةً في مشروعه، فقد بدأ اهتمامه بمصر منذ وقتٍ مبكرٍ على مستوى الصُّورة والثقافة والفن والحكمة القديمة.

إنَّ إزرا باوند رأى في الشِّعْرِ المصريِّ القديم شِعْرًا حيًّا لا أثرًا أدبيًّا ميتًا؛ أي أنه لم يتعامل معه بوصفه بقايا حضارةٍ غارقةٍ في الماضي، بل بوصفه نصُوصًا قادرةً على استعادةِ تأثيرها في الشِّعْر الحديث، وما جذبه بصورةٍ خاصةٍ هو كثافة التعبير، وبساطة البناء، وحيوية الصُّورة، والاقتصاد في اللغةِ، وتحوُّل التجربة العاطفية إلى مشاهد حِسِّية مباشرة.

لقد رأى في مصرَ القديمةِ شاهدًا على أنَّ الشِّعرَ يستطيعُ اختراقَ الزمن، وأنَّ التجديدَ قد يبدأ أحيانًا من العودة إلى نصٍّ شديد القِدم.