بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير أممي

8.3 مليون لاجئ ونازح مهددون بفقدان خدمات الحماية مع اتساع فجوة التمويل

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

حذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن نحو 8.3 مليون لاجئ ونازح قسراً وعديم الجنسية قد يفقدون خلال العام الجاري خدمات ومساعدات حيوية، مع دخول أزمة تمويل العمل الإنساني مرحلة أكثر حدة، إذ لم تعد آثارها تقتصر على تقليص حجم المساعدات، بل بدأت تطال البنية الأساسية لأنظمة الحماية نفسها.

يأتي التحذير في وقت لا يزال فيه النزوح القسري عند مستويات تاريخية، رغم انخفاض العدد العالمي في عام 2025 للمرة الأولى منذ عقد. ووفق أحدث بيانات المفوضية، بلغ عددهم 117.8 مليون شخص بنهاية 2025، مقارنة بـ123.2 مليون شخص في 2024، فيما تتوقع المفوضية أن يصل عدد المشمولين بحمايتها إلى 131.2 مليوناً بنهاية 2026.

فجوة تمويلية تتسع 

تكشف أرقام المفوضية حجم الاختلال بين اتساع الاحتياجات وتراجع الموارد. فقد انخفض التمويل المتاح لها من 5.2 مليار دولار في 2024 إلى 3.9 مليار دولار في 2025، بينما تحتاج الوكالة إلى نحو 8.5 مليار دولار خلال 2026 لتمويل عملياتها وحماية اللاجئين والنازحين والفئات الأخرى الواقعة ضمن نطاق عملها. لكن، حتى نهاية يوليو/تموز، لم تحصل المفوضية سوى على 32% من احتياجاتها، أي 2.7 مليار دولار.

وتزداد خطورة الفجوة لأن التقليص لا يحدث في بيئة تتراجع فيها الاحتياجات بالوتيرة نفسها. فعدد النازحين قسراً انخفض في 2025 بنحو 5.4 مليون شخص، لكن المفوضية تشير إلى أن هذا الانخفاض ارتبط بدرجة كبيرة بعودة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين إلى بلدانهم أو مناطقهم، وفي حالات عديدة تمت العودة إلى بيئات لا تزال تعاني ضعف الخدمات أو انعدام الأمن أو تدمير المساكن وسبل العيش.

بالتالي، فإن انخفاض أعداد النازحين لا يعني تلقائياً انخفاض الحاجة إلى التمويل؛ فالعودة نفسها تحتاج إلى تمويل لإعادة الاندماج وتأمين الوثائق والدخل والسكن والخدمات الأساسية.

الخطر يتجاوز الغذاء والمأوى

لا تتعلق أزمة التمويل الحالية فقط بتقليص حصص الغذاء أو المساعدات النقدية، وفق المفوضية، وإنما بتهديد خدمات تبدو أقل وضوحاً، لكنها تشكل العمود الفقري للحماية الإنسانية، مثل تسجيل اللاجئين، وإصدار الوثائق، وحماية الأطفال، ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومساعدة الناجين من العنف والاستغلال.

وقالت دومينيك هايد، المسؤولة عن العلاقات الخارجية في المفوضية، “لا يمكن تخفيض الحماية إلى ما لا نهاية من دون أن تنهار الأنظمة”، موضحة أن الخدمات لا تتراجع تدريجياً بالضرورة؛ فعند الوصول إلى حد معين قد تتوقف المنظومة بأكملها عن العمل، تاركة الأكثر عرضة للخطر من دون حماية.

وتبرز تشاد مثالاً واضحاً على ذلك، إذ يواجه نحو 319 ألف لاجئ تأخيرات في التسجيل، ما يحرمهم من الوثائق اللازمة للوصول إلى خدمات أساسية، ويزيد مخاطر تعرضهم للاحتجاز. كما قد تفقد نحو 200 ألف امرأة وفتاة إمكانية الوصول إلى المساحات الآمنة وبرامج الوقاية والاستجابة للعنف، في حين يواجه قرابة 233 ألف طفل خطر فقدان خدمات حماية الأطفال الضرورية.

وفي إثيوبيا، تراجعت قدرة بعض مرافق الحماية المخصصة للناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي بأكثر من النصف خلال عام واحد، بينما انخفضت تغطية حماية الأطفال في بعض المناطق إلى مستويات تقارب 85%، وفق المفوضية. أما في السودان، فتواجه أعداد كبيرة من الناجين من العنف الجنسي والأطفال المعرضين للخطر احتمال فقدان خدمات الحماية الأساسية.

من التسجيل إلى الاستغلال

تكشف هذه الأمثلة أن تقليص التمويل قد ينتج سلسلة من التداعيات تتجاوز أثره المباشر. فاللاجئ الذي لا يحصل على وثيقة تسجيل قد يجد صعوبة في الوصول إلى الغذاء أو الرعاية الصحية أو التعليم، وقد يصبح أكثر عرضة للاحتجاز أو الاستغلال.

وبالمثل، فإن إغلاق خدمات حماية الأطفال أو الملاجئ المخصصة للنساء الناجيات من العنف لا يعني مجرد إلغاء برنامج إنساني، وإنما إزالة إحدى الحواجز المؤسسية التي تمنع إعادة إنتاج المخاطر التي دفعت الأشخاص إلى الفرار أصلاً.

وتحذّر المفوضية من أن توقف التسجيل وخدمات حماية الأطفال والمساحات الآمنة قد يعيد إلى الواجهة العنف والاستغلال والانتهاكات والاتجار بالبشر، بل قد يدفع بعض الأشخاص إلى النزوح مرة أخرى بحثاً عن مكان أكثر أماناً. ومن هنا، تتحول أزمة التمويل من مسألة إدارية تتعلق بميزانية منظمة دولية إلى عامل يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمعات المضيفة ومسارات النزوح نفسها.

تقليص الوظائف يضعف الاستجابة

انعكست الأزمة المالية كذلك على بنية المفوضية. ففي عام 2025، ألغت نحو 5 آلاف وظيفة، أي أكثر من ربع قوتها العاملة، كما أغلقت أو قلصت عملياتها في عدد كبير من المواقع، مع تركيز النفقات على الأنشطة الأكثر إلحاحاً، وذلك بعد تراجع المساعدات الخارجية من الولايات المتحدة، أكبر داعم لها، وغيرها من الدول.

هذا التقليص في النفقات الهيكلية يأتي في الوقت الذي تتزايد فيه تعقيدات أزمات النزوح، من الحروب الممتدة إلى تغير المناخ والأزمات الاقتصادية والهشاشة السياسية.

ففي العراق، قد يفقد نحو 350 ألف نازح وطالب لجوء إمكانية الوصول إلى برامج الإدماج الاقتصادي وسبل كسب الدخل. ويعني ذلك أن تقليص الإنفاق اليوم قد يطيل فترة الاعتماد على المساعدات غداً، بدلاً من تمكين الأسر من الوصول إلى سوق العمل واستعادة قدرتها على إعالة نفسها.

وتواجه برامج العودة وإعادة الاندماج ضغوطاً مماثلة. ففي سوريا، قد يفقد نحو 162.5 ألف مهجّر داخلي ونازح في أوضاع هشة المساعدة المالية الأولية إذا لم يصل تمويل إضافي سريع، ما يحد من قدرتهم على تأمين الاحتياجات الأساسية وإعادة بناء حياتهم في بلد شهد عودة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين، رغم أن كثيراً من مناطق العودة لا تزال تعاني الدمار وضعف الخدمات وسبل العيش والمخاطر الأمنية.

انخفاض النزوح وارتفاع تكلفة الحل

تكشف الأزمة مفارقة مهمة في إدارة النزوح العالمي، وهي أن العودة إلى المنزل، إن حدثت، لا تعني نهاية الحاجة إلى التمويل. فعندما يعود اللاجئ إلى بلده، ينتقل جزء من الاحتياج من مرحلة الطوارئ إلى مرحلة إعادة الاندماج، التي تتطلب دعماً مالياً ووثائق وفرص عمل وسكناً وخدمات عامة.

وتشير المفوضية إلى أهمية التمويل المرن الذي لا يكون مقيداً بالكامل بمشروع أو منطقة محددة، لأنه يسمح بنقل الموارد والخبرات سريعاً إلى الأماكن التي تظهر فيها أزمات جديدة. وتوضح بياناتها أن نسبة التمويل المقيد بمشروعات محددة ارتفعت من 19% في 2022 إلى 51% في 2026، ما يحد من هامش المناورة في الاستجابة للطوارئ.

وهكذا، تتجاوز أزمة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين موضوع نقص الأموال إلى اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات، وسرعة تغيرها، ومرونة الموارد المتاحة. ومع بقاء عشرات الملايين من الأشخاص في أوضاع نزوح أو لجوء، فإن استمرار التقليص قد يدفع أنظمة الحماية من مرحلة تقديم خدمات أقل إلى مرحلة أكثر خطورة، هي فقدان القدرة على تقديمها أصلاً.