فصل المقال

سلمان رشدي: يوم فقأت السكين عين القمر!

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

في فيلمه الوثائقي “السكين: محاولة اغتيال سلمان رشدي”، لا يروي أليكس غيبني قصة الاعتداء الذي كاد يودي بحياة صاحب “آيات شيطانية” فحسب، بل يعود بالحكاية إلى بداياتها مع فتوى الخميني التي طاردت الكاتب منذ 1989، ثم يدخل إلى أكثر الأماكن حميمية وإيلاماً: جسد مثخن بالجراح، عين مدمرة، وزوجة ترفع الكاميرا كي توثّق عودة زوجها من حافة الموت. والنتيجة، فيلم لا يوثّق حالة سلمان رشدي وحده، بل يتصدّى للصراع الأزلي بين الحرّية والتزمّت، بين من يؤلّف كتاباً ومن يردّ عليه بسكين!

ثمّة مفارقات فاقعة لا يجرؤ الروائي – مهما بلغت به شطحات الخيال – على كتابتها، خشية أن يتهمه النقاد بالإفراط في افتعال الرمزيات: ليلة الحادي عشر من أغسطس/آب 2022، كان سلمان رشدي سعيداً للغاية. انتهى لتوّه من مراجعة بروفات روايته الجديدة “مدينة النصر”، وكان يعيش قصة حب هادئة مع زوجته الشاعرة والمصورة راشيل إليزا غريفيث. ومن شرفة الفندق الذي نزل فيه، التقط صورة للقمر وأرسلها إليها. في اليوم التالي، صعد إلى منصة مؤسسة تشوتوكوا في ولاية نيويورك لإلقاء محاضرة. وإذا بشاب يقفز من بين الجمهور، مندفعاً نحوه ليطعنه بسكين.

نجا رشدي من محاولة الاغتيال. لكنه فقد عينه اليمنى، ووجد نفسه، بعد أكثر من ثلاثة عقود على فتوى إهدار دمه، أمام حقيقة عارية تصلح فقرة افتتاحية لرواية غرائبية: الماضي لا يموت دائماً. يتوارى عن الأنظار أحياناً، وقد ينتظر كل هذه السنين، ليقفز فجأة من ظلمة النسيان، وفي يده سكين!

من هذه الخلفية ينطلق المخرج الأميركي أليكس غيبني في فيلمه “السكين: محاولة اغتيال سلمان رشدي”. بالنسبة له، ليس السؤال: من طعن سلمان رشدي؟ فذلك معروف للجميع. السؤال الأكثر أهمية: من أين جاءت السكين التي طعنته؟ هل أشهرتها الدوافع الشخصية المحضة لذلك الشاب الذي هاجمه في تشوتوكوا؟ أم أن الأمر كان قد تقرّر قبل ذلك بكثير، صباح الرابع عشر من فبراير/شباط 1989، عندما أصدر آية الله الخميني فتواه الشهيرة عقب الضجة التي أثارتها رواية “آيات شيطانية”؟

تفصل بين التاريخين ثلاثة وثلاثون سنة. وهي مدة كافية لأن يولد إنسان ويكبر ويتعلم ويصبح رجلاً. لكنها، كما يكشف الفيلم، لم تكن كافية كي تموت الفكرة السامّة التي زرعتها الفتوى: قتل كاتب بسبب كتاب ألّفه، ولو بعد ثلث قرن!

هنا تكمن قوة العمل التوثيقي الذي أنجزه غيبني. فهو لم يتعامل مع جريمة صيف 2022 باعتبارها حادثاً منفصلاً عن السياق التاريخي الممتدّ إلى الأرشيف الدامي للسنوات التي أعقبت الفتوى: المظاهرات الغاضبة، حرق الكتب، التهديدات، صور رشدي المشوَّهة التي حملها متظاهرون في لندن، الاعتداءات التي استهدفت أشخاصاً اشتركوا في ترجمة الرواية ونشرها.

جسد سلمان رشدي الجريح، الممدّد فوق سرير المستشفى في نيويورك، يبدو كنقطة في آخر السطر جاءت لتختتم شريط ذلك الأرشيف الطويل من الأحقاد والتهديدات. كأن بركان العنف الذي ظل، طوال عقود، يتوعد الكاتب من بعيد، عبر شاشات التلفزيون، قرّر فجأة أن يخرج من الشاشة، ليُمسك بخناق الكاتب.

غير أن القوة الحقيقية للفيلم لا تكمن في مخزون الحقد الذي نجح في تسليط الضوء عليه، من خلال ذلك الأرشيف الذي نبشه غيبني، بل في كاميرا صغيرة أمسكت بها امرأة مذعورة، وهي ترى زوجها مُسجى بين الحياة والموت: عندما تلقت راشيل إليزا غريفيث خبر الاعتداء، لم تكن تعتقد أن زوجها سيقاوم الموت ويهزمه. لم تكن متأكدة أصلاً مما إذا كان سيبقى على قيد الحياة إلى حين وصوله إلى المستشفى. لكنها فوجئت به، بعد أيام – حين بدأ الأطباء يرجّحون نجاته – يقترح عليها أن يوثّقا معاً مراحل تعافيه.

كان سلمان رشدي يتخيل أن الأمر سيقتصر على التقاط بعض الصور عبر جهاز الهاتف. لكن زوجته، وهي مصورة وشاعرة، كان لها رأي آخر. طلبت عبر أمازون كاميرا فيديو صغيرة. وحين وصل صندوق الكاميرا، بكت. ليس لأنها وجدت صعوبة في التصوير، بل لأن الإمساك بآلة الفيديو أعادها، ولو للحظات، إلى ما كانت عليه قبل أن يرن الهاتف، في ذلك الصباح، لإخبارها بالاعتداء الذي تعرّض له زوجها: فنانة، لا مجرد زوجة تقف إلى جوار سرير رجل يكافح كي لا يموت.

من هنا بدأت واحدة من أغرب عمليات التصوير في تاريخ الأفلام الوثائقية. امرأة تصوّر الرجل الذي تحبه في المستشفى، وهو مصاب يصارع الموت: وجه متورم، جراح عميقة، ضمادات مضرّجة بالدماء، عين مقتلعة تتدلى من محجرها، وجسد مزّقته طعنات السكّين، يعيد الجرّاحون تجميعه، غرزة تلو غرزة.

لا مسافة نقدية هنا بين المصوّرة وموضوعها. فليس بإمكان غريفيث أن تقاوم بشاعة الصور، بالقول: “هذا مجرد فيلم”. الرجل الذي تسلط عليه عدستها ليس غريباً، بل هو زوجها. وحين تضع الكاميرا جانباً، لا تغادر المكان لتستريح من بشاعة ما صوّرته، بل يتوجّب عليها أن تبقى إلى جانب زوجها للاعتناء به.

ولأن تقلبات الحياة تحمل أحياناً من السخرية أكثر من كلّ ما يمكن أن تبتكره مخيلة الروائيين، تستدعي ذاكرة سلمان رشدي، منذ اللحظات الأولى لاستعادته الوعي بعد محاولة اغتياله، مشهداً يتذكره كل عشاق السينما في فيلم جورج ميلييس الشهير “رحلة إلى القمر”، الصادر سنة 1902: صاروخ يستقر في عين القمر. وإذا بالكاتب الذي أرسل إلى زوجته صورة رومانسية للقمر، في الليلة السابقة للاعتداء، يستيقظ في المستشفى بعين مدمّرة تجعله يبتسم بسخرية في قرارة نفسه، متذكّراً ذلك الصاروخ الذي فقأ عين القمر!