أثر الكلام

الشَّاعرة حتشبسُوت وأكذوبة الغرب الكبرى

أحمد الشَّهاوي
أحمد الشَّهاوي

كان يُكتب بجوار اسمها: ملكة الصعيد والدِّلتا، ابنة الشَّمس، صديقة آمون حتشبسوت، حُورس الذهبي، مانحة السنين، إلهة الإشراقات، هازمة جميع البلاد، التي تُحيي القلوب، السيدة القوية.. حكمت مصر واحدًا وعشرين عامًا وتسعة أشهر، كان عصرها مزدهرًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا ومعماريًّا، فكانت سياستها التأديب فقط وليس غزو البلدان المجاورة.

وأنا كلَّما زُرتُ الأقصر في أقصى جنوب مصر (حوالي 650–670 كيلومترًا برًّا من القاهرة) سلَّمتُ على حتشبسوت، الملكة والعاشقة، لكنَّني لا أكتبُ عنها الآن بوصفها كانت يومًا ما حاكمة مصر، ولكنَّني سأذهبُ إلى النصف الآخر منها وهو “الشَّاعرة”.

جميعنا يعلم أن حتشبسوت (حوالي 1505–1458 قبل الميلاد)، كانت من أبرز الملكات اللاتي حكمن مصر، وأقواهن نفوذًا، وكانت الفرعون الخامس من الأسرة الثامنة عشرة في مصر القديمة، حكمت أولًا وصية على العرش، ثم ملكة مستقلَّة من حوالي 1479 حتى 1458 قبل الميلاد. وكانت الزوجة الملكية الكبرى للفرعون تُحُتْمس الثاني، وواحدة من أكثر البنَّائين في مصر القديمة، دُمِّرت تماثيلها، وشُوِّهت آثارها، ونُسب العديد من منجزها الحضاري إلى فراعنة آخرين.

تلقَّت حتشبسوت تعليمًا في علوم الأخلاق والسلوك، بالإضافة إلى القراءة والكتابة، والحساب والفلسفة، والطقوس الدينية، وقواعد اللغة والإنشاء.

أحبَّتْ مهندسها، ولا يوجدُ مرجع يقول هل كانت تكتب الشِّعر قبل عشقها المهندس “سنموت”، الذي بنى معبدها في الدير البحري بالأقصر، ومنحته ثمانين لقبًا، أم بعد الوقُوع في الحُب.

كان المهندس في الأصل يرعى ابنتها الأميرة الصغيرة (نفرو رع) ويُعلِّمها، ومن ثمَّ اقتربا وتبادلا العشق، وكان ذلك بعد موت زوجها، وقد بلغ عشقه سدرةَ مُنتهاه، فطلب من حتشبسوت أن يحفر نفقًا بين مقبرتها ومقبرته، ليكون قريبًا منها في الحياة الأخرى، أما هي فكانت تقدِّر نبوغه وقوة شخصيته؛ ولأنها شخصية مُلهِمة فقد كتب عنها شُعراء كثيرون من العالم، خصوصًا الشعراء الإنجليز في القرن التاسع عشر الميلادي. وهناك كتاب أمريكي عنوانه Hatshepsut, Speak to Me للشاعرة الأمريكية روث وايتمان Ruth Whitman، صدر عام 1992 عن دار Wayne State University Press. وهو عمل شعري يتخيل حتشبسوت ويتحاور معها، حيث تستعيد الشاعرة الأمريكية شخصيتها في خلفية عصرها.

ومنذ معرفتي بالشِّعر، وأنا أقرأ أنَّ سافو هي أول شاعرة في التاريخ، وهي رواية مكذوبة، لكنَّ الغرب يحبُّ أن يطلق الشائعة ثم يُعمِّمها ويتعامل معها على أنها حقيقة، على الرغم من أن اليونانيين القدماء والأوروبيين المعاصرين يعرفون أنَّ هناك شاعرتين من العراق ومصر قد سبقتا سافو، التي عاشت تقريبًا في القرن السادس قبل الميلاد (نحو 630–570 ق.م)، وكنت محظوظاً أن قرأت شعرها الذي وصل إلينا بترجمة الدكتور عبد الغفار مكاوي (1930 – 2012)، ومن بعدها ترجم شعرها أخي الصَّديق الشَّاعر الأردني-الفلسطيني طاهر رياض (1956)، كما كنت محظوظاً أن زُرتُ جزيرة “ليسبوس” اليونانية، موطن سافو، ومن اسم الجزيرة جاء اصطلاح ليسبيان “Lesbian”، أي المثلية بين النساء أو السحاق. أي أن حتشبسوت قد سبقت سافو بنحو 900 سنة، وما زال الغرب يردِّدُ الأكذوبة التي صارت حقيقة، ربما لأن الحروف الهيروغليفية لم تفك إلا في القرن التاسع عشر، ولم تصل إلينا إلا نصوص قليلة من شعر حتشبسوت، وتلك النصوص جاءت عبر باحثين من الولايات المتحدة الأمريكية. 

قبل أن أعود إلى سافو لا بد أن أشير إلى أنَّ أول شاعرة عرفها التاريخ هي “إنخيدوانا”، وكانت كاهنة سومرية عاشت في بلاد الرافدين، وهي من أبرز الشخصيات الأدبية في تاريخ هذه البلاد، عاشت في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد تقريبًا، في زمن الإمبراطورية الأكدية، وكانت ابنة الملك سرجون الأكدي.

وقد شغلت إنخيدوانا منصب الكاهنة العليا في مدينة أور، وهي مدينة تاريخية مهمة في جنوب العراق. ولم يكن دورها دينيًا فقط، بل ارتبط أيضًا بالأدب والشعر، إذ نُسبت إليها مجموعة من التراتيل والقصائد، التي كانت مُوجّهة إلى الآلهة، ولا سيما الإلهة إنانا، إحدى أهم الآلهة في المعتقد السُّومري. ومن أشهر الأعمال المنسوبة إليها قصيدة “تمجيد إنانا”، التي تُظهر براعة شعرية ولغوية لافتة.

إنَّ الشاعرتين إنخيدوانا وحتشبسوت تنتميان إلى بلدين عربيين تاريخيين، وتُذكِّر سيرتاهما بأن تاريخ الشّعر والكتابة في الشرق العربي يعود إلى آلاف السنين، وأن النساء شاركن في الحياة الفكرية والأدبية والدينية منذ عصور مبكّرة، ولهذا تُذْكَران اليوم بوصفهما رمزين مُبكرين للكاتبة والشاعرة في تاريخ الإنسانية.

نصوص حتشبسوت الأدبية والشّعرية وصلت إلينا من خلال النقوش التي تركتها على آثارها، ولهذا وصفها باحثان إفريقيان بأنها أقدم شاعرة في إفريقيا، وهي صفة تضعها في موقع بالغ الأهمية في تاريخ الأدب الإنساني.

GWA

وتتجاوز أهمية حتشبسوت الأدبية ما تركته من مبانٍ وتماثيل؛ فقد ارتبط اسمها بنصوص شعْرية ودينية ومدائح ملكية، نُقشت على جدران المعابد والمسلَّات. وفي الحضارة المصرية القديمة لم تكن الحدود بين الشّعر والدّين والتاريخ والسياسة واضحة بالصورة التي نعرفها اليوم؛ فقد كانت الكلمات المنقوشة على الحجر تؤدي وظيفة دينية وجمالية وسياسية في الوقت نفسه. ولذلك فإن النصوص المرتبطة بحتشبسوت تكشف عن قدرة واضحة على استخدام اللغة لبناء صورتها وإعلان شرعية حكمها وتخليد أعمالها.

ومن أبرز الموضوعات التي تظهر في هذه النصوص علاقة حتشبسوت بالآلهة، وبخاصة الإله آمون، أنها قدمت نفسها بوصفها صاحبة اختيار إلهيّ، وأن حكمها لم يكن مجرد نتيجة للظروف السياسية، بل جزءًا من إرادة مقدسة، وتظهر هذه الفكرة في النصوص التي تتحدث عن نسبِها وميلادها الإلهيّ، وهي نصوص ذات بناء أدبي واضح، تجمع بين السّرد والصورة والتكرار والإيقاع والمديح.

وتكشف هذه النصوص أيضًا عن وعي حتشبسوت بقوة الكلمة؛ فالملكة لم تكُن تكتفي بأن تحكم، وإنما أرادت أن تروي للأجيال اللاحقة قصة حُكمها كما أرادتها هي. كانت تعرف أن الحجر يمكن أن يبقى آلاف السنين، وأن الكلمات المحفورة عليه يمكن أن تكون أكثر بقاء من حياة الإنسان؛ ولذلك أصبحت النقوش وسيلة لمقاومة النسيان، وأصبح الشّعر جزءًا من مشروعها لتثبيت صورتها في الذاكرة.

إن وصف حتشبسوت بأنها أقدم شاعرة في إفريقيا يكتسب أهميته من كون اسمها مُرتبطًا بنصوص باقية، يمكن نسبتُها إلى عصرها وشخصيتها الملكية؛ فالكثير من النصوص الأدبية القديمة وصل إلينا من دُون أن نعرف اسم صاحبه، بينما تقف حتشبسوت في موضع مختلف؛ إذ إن النصوص المرتبطة بآثارها تحمل صوتها الملكي وتعبّر عن رؤيتها للعالم والحكم والآلهة والإنجاز.

ولا ينبغي أن نفهم مفهوم “الشاعرة” في حالة حتشبسوت بالمعنى الحديث للشاعر الذي يكتب ديوانًا شخصيًا ويطبعه باسمه؛ فالشعر في مصر القديمة كان جزءًا من الثقافة الدينية والملكية، وكان يُكتب على جدران المعابد والمسلَّات والنّصب التذكارية؛ ومن ثم فإن شاعريتها تظهر في اللغة والصّور والأسلوب والبناء الأدبي للنصوص التي ارتبطت بها، وفي الطريقة التي جعلت بها الكلمات جزءًا من مشروعها السياسي والحضاري.

وتزداد قيمة حتشبسوت الأدبية عندما تذكّرنا أنها كانت امرأة تحكم دولة عظيمة في عالم كان الحكم فيه في الغالب من نصيب الرجال. لقد استطاعت أن تستخدم العمارة والفنّ والكتابة والشّعر لتأكيد حضورها، وكانت كلماتها جزءًا من قوتها، تمامًا كما كانت المعابد والتماثيل جزءًا من سلطتها.

وبعد مماتها تعرّضت بعض آثار حتشبسوت وصورها وأسمائها للإزالة والتخريب، لكن ذلك لم يمنع عودتها إلى الذاكرة الإنسانية، حيث بقيت آثارها خصوصًا معبدها، ونصوصها وإن كانت لم تُنقل إلى العربية بعد، ونحتاج إلى من يترجم ما تركته من نصوص؛ كي تصدر في كتاب خاص بها، وبقيت صورتها في الحجر، حتى استطاع المؤرخون والباحثون بعد آلاف السنين إعادة قراءة حياتها واكتشاف مكانتها.

لقد ظل صوتها الشّعري حاضرًا بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، لتصبح واحدة من أقدم الأصوات الشعرية النسائية المعروفة في تاريخ القارة الإفريقية.

علي أن أعترف أنه لولا قراءتي كتاب “شعر النساء الإفريقيات”، من إعداد الشاعرين ستيلا تشيباسولا وفرانك تشيباسولا (وهما زوجان من دولة ملاوي في جنوب شرق إفريقيا)، الصادر عام 1995 في لندن، ما كنت عرفتُ أن حتشبسوت شاعرة قبل أن تكون ملكة مصرية. ويضم هذا الكتاب نصًا طويلًا لها ضمن مختارات شعر النساء الإفريقيات، ويصفه الكتاب بأنه أقدم قصيدة عرفتها إفريقيا، وكانت في الأصل نقشًا على مسلّة.

وجاءت قصيدتها قبل حفيداتها الشّاعرات المصريات الحديثات، مثل أندريه شديد وجويس منصور، اللتين عاشتا في باريس وكتبتا بالفرنسية، وملك عبد العزيز، التي كانت تكتب بالعربية.

لقد استخدمت حتشبسوت اللغة من قلب سُلطتها كحاكمة، فلم تكن الشاعرة في مصر القديمة كاتبًا يجلس إلى مكتبه ليكتب القصائد بالمعنى الحديث، ولم تكن الحدود بين الشّعر والترنيمة والنشيد والنص الديني والخطاب الملكي واضحة كما أصبحت في عصور لاحقة، وكانت الكلمة جزءًا من الطقس، ومن صناعة الذّاكرة، وكان النقش على جدران المعابد فعلًا يتجاوز التسجيل إلى إعلان الحضور.

إن حتشبسوت كتبت نفسَها على الحجر، إذ كانت الكتابة وسيلة لإبقاء الاسم حيًا، ولكن ربّما يكون السؤال الأهم هنا: كم شاعرة أخرى لم تصل إلينا؟

إنّ حتشبسوت واحدة من تلك الأصوات التي قاومت الصّمت لأنّ السلطة منحتها الحجر، كما منحتها اللغة فرصة أخرى للحياة.

ولولا الترجمة (فك حجر رشيد على يد الفرنسي شامبليون، على الرغم من أنّ هناك كثيرين سبقوه بأكثر من ألف سنة في معرفة اللغة المصرية القديمة ومنهم ذو النون المصري 179 هـجرية الموافق 796 ميلادية وتوفي سنة 245 هـجرية الموافق 859 ميلادية، لكن تلك قصة أخرى) في مثل هذه الحالة، لما عرفنا هذه الشّاعرة، فالترجمة فعل استعادة، لأنّ المترجم لا ينقل الكلمات فقط، بل يشارك في إنقاذ الصّوت من النسيان.