كرسي هزاز

ماذا نُغمّس في “اللُّقمة”؟.. حكاية الطّعام حين يتجاوز المائدة

ملحم الزبيدي
ملحم الزبيدي

تستفرد اللغة العربية ـ أو هكذا نحب أن نتوهم ـ بفكرة طريفة: لا يكفي أن نأكل “اللُّقمة”، يجب أن نغمّسها بشيء. بالدم أحياناً، بالعَرق أحياناً أخرى، بالدموع، بالذل، بالنار.. وربما بالغار إذا حالفنا الحظ. لماذا؟ الله أعلم!

لكن المؤكد أن “اللُّقمة” العربية لم تحصل في قاموسنا على حقها في أن تكون مُجرّد “لُقمة”. لقد حملت معها، على مرّ السنين، حكاية صاحبها: كيف حصل عليها، وماذا دفع في سبيلها، وماذا خسر أو ربح حتى وصلت إلى فمه.

نقول “لُقمة العيش”، فلا نسمّي الطعام فقط، بل نسمّي بها المعركة اليومية كلها. ونقول “أكل من عرق جبينه”، فنحوّل الجبين إلى دفتر حساب، والعرق إلى إيصالٍ دفعه الإنسان ثمناً لما يأكل.

وهذه هي “اللُّقمة” المُغمسة بالعرق. ثم تأتي “اللُّقمة” المُغمسة بالدموع.

فليست كل موائد الناس متشابهة. هناك من يأكل وهو يفكر في غائب، أو في بيت تركه، أو في عمر مضى ولم يعد. قد يكون الطعام نفسه شهياً، لكن شيئاً في القلب يجعله ثقيلاً.

أما “اللُّقمة” المُغمسة بالدم، فهي حين يتجاوز ثمن الطعام حدود التعب إلى حدود الموت. هنا يصبح السُّؤال أكثر قسوة: من دفع الثمن؟ ومن أكل الثمرة؟ 

ثم نصل إلى “اللُّقمة” المُغمسة بالذُّل.

هنا تأتي الحكمة الشعبية القاسية: “الجوع ولا سؤال اللئيم”. فالمثل لا يُمجّد الجوع، وإنما يكشف شيئاً عن ترتيب القيم في الوعي الشعبي: هناك لحظة يصبح فيها الحفاظ على الكرامة أثمن من الطعام نفسه.

قد يأكل شخص كسرة خبز يابسة وهو مرفوع الرأس، بينما يأكل آخر أفخر الأطعمة وهو يشعر أنه دفع مقابلها شيئاً من نفسه.

ثم تأتي “اللُّقمة” المُغمسة بالنار.

“لُقمة” زمن الحرب والخوف والمطاردة؛ حين لا تكون المائدة مكاناً للراحة، بل محطة مؤقتة بين خطرين. وحين يأكل الإنسان على عجل، فإنه لا يبتلع الطعام وحده، بل يبتلع معه خوفاً من أن تكون تلك آخر لقمة.

وفي الطرف الآخر، هناك “اللُّقمة” المُغمَّسة بالغار.

“لُقمة” تأتي بعد المشقة، وتحمل شيئاً من المجد والانتصار. وهنا تتغير الحكاية أخيراً: لم يعد الطعام شاهداً على المعاناة وحدها، بل صار ثمرة لها.

لكن الأجمل أن الطعام في الكلام الشعبي لا يبقى طعاماً دائماً. فحين نقول “بيننا خبزٌ وملحٌ”، يتحول الطعام إلى عهد وذاكرة. وحين نقول “زاد الطريق”، يصبح ما نحمله معنا أكثر من مؤونة؛ يصبح رفيقاً في رحلة لا نعرف دائماً إلى أين تنتهي. وهكذا لا تعود “اللُّقمة” مُجرّد ما يدخل الفم، بل تصبح مرآة للطريق الذي سلكه الإنسان قبل أن يجلس إلى مائدته.

العرق يمنحها معنى العمل.

والدموع تمنحها معنى الفقد.

والدم يمنحها معنى الثمن.

والذُّل يكشف حدود الحاجة.

والنار تذكّر بالخطر.

والغار يمنحها معنى الانتصار.

أما الخبز والملح، فيمنحانها معنى العلاقة.

وهنا ربما تكمن المفارقة كلها: “اللُّقمة” نفسها لا تتغير، لكن الحكاية التي حولها هي التي تتغير.

قد يكون الرغيف يابساً، لكنه مغموس بالكرامة. وقد تكون المائدة عامرة، لكن الجالس إليها وحيد. وقد يكون الطعام قليلاً، لكنه يجمع حوله عائلة كاملة. وقد تكون السُّفرة فاخرة، ولا يجلس إليها إلا غرباء. فالإنسان لا يأكل الطعام وحده؛ إنه يأكل معه حكايته. وربما لهذا بالغت لغتنا في “تغميس” “اللُّقمة”.

لأنها لم تكن تريد أن تصف ما يدخل الفم فقط، بل ما يحمله الإنسان معه إلى المائدة: تعبه، وذكرياته، وحاجته، وكرامته، وأحياناً انتصاره.

في النهاية، ربما لا يكون السؤال: لماذا نغمّس “اللُّقمة” بكل هذه الأشياء؟ السؤال الأعمق هو: ماذا دفع الإنسان حتى يستحق هذه “اللُّقمة”؟ الله أعلم!