مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

مقالات مشابهة

أجندات دينية (2-5)

السلفية السائلة في القاهرة الكبرى.. من دولة المنابر إلى نفوذ المنصات الرقمية

مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

رغم ما قدمته الأجهزة المصرية في مكافحة الإرهاب وتفكيك حواضنه الفكرية والشعبية والسياسية، فإن التيار السلفي لا يزال يتمدد في عمق المجتمع، متخذاً وسائل جديدة لتعزيز وجوده واستمراريته، بما يضمن بقاءه وتمدده، وذلك من خلال منافسة المؤسسات النظامية عبر تأسيس عشرات “الأكاديميات التعليمية” غير الرسمية، التي تشرف عليها مرجعيات سلفية، وتعتمد على “التعليم عن بعد” عبر منصات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

وفق الخريطة الجغرافية لتيارات الإسلام الحركي تبرز القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية) كأحد أهم النطاقات لدراسة انتشار وتمدد التيارات السلفية في مصر، ليس فقط بحكم كونها مركزاً سكانياً وإعلامياً وتعليمياً، وإنما لأنها احتضنت خلال العقود الماضية عدداً من الجماعات والتنظيمات الأصولية، التي ساهمت في بناء وصناعة كتلة بشرية ضخمة ومتنوعة تتبنى مشروع “أسلمة المجتمع”.

من المنابر إلى الفضاء الرقمي 

لم تعتمد السلفية في صورتها المعاصرة فقط على الكتب والدروس والمساجد، وإنما استفادت من شبكة واسعة من الوسائط، التي سمحت لها بالوصول إلى قطاعات اجتماعية مختلفة، بدءاً من الجمعيات الخيرية والمراكز التعليمية، مروراً بالقنوات الفضائية والمطبوعات، وصولاً إلى منصات التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي. وبذلك انتقل الخطاب السلفي من كونه موجهاً إلى دوائر دينية محدودة، إلى خطاب يسعى لربط التدين بالسلوك اليومي والهوية الاجتماعية، من خلال التأثير في أنماط الملبس، والعلاقات الأسرية، وطبيعة المجال العام.

الكثير من الوقائع التي شغلت الشارع المصري، حول فرض نمط محدد من الزي أو السلوك داخل المدارس والمؤسسات التعليمية، طرحت سؤالاً يتجاوز الواقعة المحددة، ويتصل بحدود تدخل التيارات السلفية في المجال العام، فالقضية ليست في النقاب باعتباره خياراً شخصياً، وإنما في تحويله إلى أداة إلزامية أو معيار للانضباط الديني داخل مؤسسة تعليمية تخضع لقواعد الدولة وقراراتها. 

السلفية السائلة

تبدو عبارة “السلفية السائلة” في نطاق القاهرة الكبرى، أكثر ملاءمة لفهم واقع التيارات السلفية خلال السنوات الأخيرة، إذ تعمل هذه التيارات في حالة هلامية وغير مرتبطة بأي إطار أو كيان محدد الملامح، وتتحرك عبر شبكة مرنة على منصات التواصل الاجتماعي.

ويشير الباحث الفرنسي ستيفان لاكروا، في كتابه “غروب الأولياء: تاريخ السلفية في مصر وسياساتها”، إلى أن ثمة انتقالاً للسلفية بوصفها عقيدة إلى كونها ممارسة اجتماعية، فالمسألة لم تعد متعلقة فقط بما يؤمن به الفرد، وإنما بما يترتب على ذلك من تصورات بشأن المرأة، والمواطنة، والدولة، وطبيعة العلاقة بين الجماعة والمجتمع. 

السلفية التقليدية

رغم التحوُّلات التي شهدتها بنية التيارات السلفية، ما زالت القاهرة الكبرى، مرتكزاً لبقايا التيارات السلفية التي نشأت فيها خلال التاريخ المعاصر، مثل “السلفية التقليدية”، التي مثلها حسين يعقوب والراحل أبو إسحاق الحويني، ومحمد حسان، و”الجبهة السلفية”، التي تماهت مع الفكر القطبي، و”السلفية الحركية”، ومثّلها الشيخ محمد عبد المقصود، والدكتور سيد العربي، والراحل الشيخ فوزي السعيد، والشيخ نشأت إبراهيم، وكذلك سلفية الراحل أسامة عبد العظيم، التي يطلق عليها “السلفية العلمية”، انتهاءً بجماعة “التبليغ والدعوة” التي تتمركز في قرية “طموه” إحدى قرى محافظة الجيزة، ويزيد عدد أتباعها في مصر على 25 ألفاً، وتعتبر ممراً لتيار “السلفية الجهادية”، لا سيما أنها كانت محطة رئيسية ومهمة في تاريخ غالبية القيادات التكفيرية وتحوُّلاتهم إلى خانة التطرف الفكري.

عقب أحداث يناير/ كانون الثاني 2011، خرجت قطاعات واسعة من التيارات السلفية من المجال الدعوي إلى المجال السياسي المباشر، وظهرت الأحزاب ذات المرجعية السلفية، وكشفت هذه المرحلة عن مفارقة أساسية؛ إذ دخلت تيارات كانت تنتقد الديمقراطية والانتخابات في السابق إلى قلب العملية الانتخابية، وشاركت في صياغة الدستور، وخاضت المنافسة الحزبية، وساهمت كذلك في دعم المشروع الإخواني، من خلال تشكيل ما سُمِّي حينها بـ”الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح”، التي كانت بمثابة “مجلس للحل والعقد”، كما تم تأسيس “مجلس شورى علماء المسلمين”، الذي أصدر 36 بياناً هاجم فيها القوات المسلحة المصرية لدعمها قرار الإطاحة بـ”الإخوان المسلمين” من الحكم، وأعلن تأييده لاعتصام “رابعة” المسلح.

الدكتور يعقوب أوليدروت، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، يشير في دراسته “الكتلة السلفية المتغيرة في مصر”، إلى أن الحسابات السياسية للأحزاب السلفية، على المستويين المحلي والإقليمي، ليست مبنية في الغالب على العقيدة السلفية أو القانون السلفي في حد ذاته، بل على الموقف الذي يضمن بقاء الجماعة السلفية.

في كتابه “نقد الخطاب السلفي”، الصادر عن “الهيئة العامة للكتاب” عام 2017، يقول الدكتور حافظ دياب، أستاذ علم الأنثروبولوجيا، إن تَحوُّل الحركة السلفية نحو العمل السياسي والحزبي لم يصاحبه إعلان صريح وواضح بتبنّي الديمقراطية بوصفها نظاماً نهائياً، بل بوصفها “نظاماً انتقالياً” يسعى نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، التي تمثل الهدف المعلن والواضح لدى كافة أطيافها، وإن اختلفوا في طرق الوصول إلى هذا الهدف. 

دولة المنابر والأكاديميات السلفية

عُدّت سيطرة السلفية التقليدية على ما يُعرف بـ”دولة المنابر”، سبباً جوهرياً في إغلاق دكاكين تأهيل “الدعاة السلفيين”، إذ أصدرت وزارة الأوقاف المصرية في أكتوبر/تشرين الأول 2015 قراراً بإلغاء تراخيص “معاهد إعداد الدعاة”، التابعة لجمعيات مثل “أنصار السنة المحمدية” و”الدعوة السلفية”، فيما أُسست لاحقاً أكاديميات رسمية لتجديد الخطاب الديني، مثل “أكاديمية الأزهر الشريف لتدريب الأئمة وباحثي الفتوى” عام 2018، و”الأوقاف الدوليّة لتدريب الأئمة” عام 2019. 

في المقابل، اتجهت التيارات السلفية إلى تدشين الأكاديميات عبر الشبكة العنكبوتية مثل “أكاديمية تبصرة للعلوم الإسلامية”، و”معهد الجهني للعلوم الشرعية”، و”معهد بناء للدراسات الشرعية”، و”أكاديمية بيان للتأسيس الشرعي”، و”المعهد الفقهي”، بالإضافة إلى “معهد شيخ الإسلام العلمي” الذي أسسه أبو إسحاق الحويني منذ 2016، وتمنح هذه الأكاديميات دبلومات في العلوم الشرعية، تهدف إلى تدريب “الدعاة السلفيين” خارج مؤسستي الأزهر والأوقاف.

المعركة الحقيقية ليست مع التدين، وإنما مع تحويله إلى سلطة فوق المجتمع، أو إلى أداة لفرض الوصاية، أو إلى مدخل لإعادة إنتاج الانقسام والإقصاء. وبينما تتغير خرائط النفوذ، تظل الحاجة قائمة إلى خطاب ديني وطني قادر على استيعاب التنوع، وإلى مؤسسات تمتلك أدوات معرفية ورقمية واجتماعية لمواجهة الأفكار المتطرفة، قبل تحوُّلها إلى ممارسات أو شبكات نفوذ.