كرسي هزاز

رواية الحرب.. معركة على حرية التعبير

ملحم الزبيدي
ملحم الزبيدي

ثمة حروب لا تنتهي حين تصمت المدافع وتتوقف القنابل والصواريخ. وتبقى بعدها الأسئلة والصور والشهادات والقصص والروايات التي لا تنتهي، تلك التي يحاول كل طرف أن يرويها بطريقته الخاصة التي تؤكد موقفه وتدعم وجهة نظره. في الوقت ذاته.. تبقى أيضاً تلك المسافة الغامضة بين ما يحدث في الميدان وعلى الساحة وما يصل إلى العالم من روايات متناقضة عنه. هل هي روايتي أم روايتك؟

من هذه المسافة يأتي الفيلم الوثائقي الإسرائيلي “نازا” (NAZA)، من إخراج يوفال أبراهام وراشيل زور، وهما من مخرجي الفيلم الحائز جائزة الأوسكار “لا أرض أخرى”. عُرض العمل الوثائقي للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي في سبتمبر/أيلول 2026، حيث حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وأثار جدلاً واسعاً بسبب اعتماده على شهادات مجهّلة المصدر لـ24 من العسكريين والعاملين السابقين أو الحاليين في المؤسستين العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، تتناول آليات الاستهداف واستخدام البيانات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في حرب غزة.

حتى عنوان الفيلم “نازا” يحمل دلالة عسكرية ويحمل معنى “ضرر جانبي”، إذ يشير إلى تقدير عدد المدنيين الذين قد يُتوقع سقوطهم في هجوم معين. وربما هنا تبدأ الحكاية الحقيقية: ماذا يحدث للإنسان حين يتحول إلى رقم؟

في الحروب القديمة، كان الجندي يرى خصمه. كان يراه في الميدان ويسمع صوته، وربما يرى الخوف في عينيه قبل أن يطلق النار. أما الحروب الحديثة، فقد قطعت مسافات هائلة بين صاحب القرار ومن يقع عليه القرار. شاشات، قواعد بيانات، خوارزميات، صور جوية، أنظمة تحليل، وأسماء تختصر في قوائم. كل شيء يبدو أكثر دقة وتنظيماً وقدرة على الحساب.

لكن الإنسان لا يصبح أقل إنسانية لمجرد أن التكنولوجيا لم تعد تراه مباشرة.

وهنا تكمن المفارقة: كلما أصبحت الحرب أكثر تطوراً، ازدادت حاجتنا إلى السؤال عن أبسط ما فيها: من هو الإنسان الموجود في الطرف الآخر من المعادلة؟

يقول صانعو “نازا” إن شهادات الفيلم، التي جُمعت على مدى سنوات، تكشف جوانب من منظومة الاستهداف واستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي، ومن الطريقة التي تدخل بها احتمالات سقوط المدنيين في الحسابات العسكرية.

لكن رئاسة الحكومة والجيش الإسرائيلي يرفضان ما يطرحه الفيلم، ويشككان في إمكانية التحقق بصورة مستقلة من هويات المصادر المجهولة وأدوارها ومدى اطلاعها على القضايا التي تتحدث عنها. كما يؤكد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي أدوات مساعدة للمحللين وليست بديلاً عن القرار البشري، وأن عمليات الاستهداف تخضع لمراجعة بشرية وللقواعد العسكرية ذات الصلة.

وهكذا لا يعود النقاش متعلقاً بالحرب وحدها، بل بالرواية التي تُبنى حولها، وبالسؤال الأكثر حساسية: من يملك حق رواية الحرب؟

هنا تنتقل القضية من مضمون الفيلم إلى الطريقة التي قوبل بها على الساحتين السينمائية والسياسية في نفس الوقت. فبعد الضجة التي أثارها الفيلم، وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه “يشكل خطراً مباشراً على أمن جنود الجيش الإسرائيلي”. وأضاف: “سنضربهم في جيوبهم وفي جنسيتهم أيضاً، لأن مكانهم ليس بيننا”. في إشارة إلى كل من يشوّه سمعة الجيش الإسرائيلي.

في السياق ذاته، دعا وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهار إلى سحب الجنسية الإسرائيلية من مخرجيْ “نازا”، واتهمهما بالخيانة والإضرار بإسرائيل، فيما هاجمهما أيضاً وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.

وبصرف النظر عن المسار القانوني لأي إجراء، فإن مجرد طرح سحب الجنسية بسبب عمل سينمائي يفتح سؤالاً يتجاوز هدف الفيلم نفسه: متى يتحول الاختلاف في الرواية إلى تهمة؟ ومتى يصبح التعبير الفني المختلف فعلاً يستوجب العقاب؟ أو بمعنى أبسط “لماذا تختلف معي؟”.

يمكن رفض مضمون فيلم، ويمكن التشكيك في مصادره، ويمكن تفنيد شهاداته، بل ويمكن اتهامه بالانحياز أو ضعف المنهجية. كل ذلك جزء طبيعي من النقاش العام.

لكن المشكلة تبدأ حين ينتقل الرد من تفنيد الفكرة الرئيسية للفيلم إلى معاقبة صاحبها، ومن مناقشة العمل إلى التشكيك في حق صاحبه في إنتاجه وعرضه. فالعمل الفني لا يصبح أكثر أو أقل صدقاً لأن مخرجه يحمل جنسية معينة، كما أن الرواية لا تصبح صحيحة لمجرد أنها رواية رسمية.

هنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية في “نازا”. فالمصادر التي يتحدث عنها الفيلم لم تكشف هويتها، ولا نرى وجوهها الحقيقية، ولا نملك في كل حالة إمكانية مستقلة للتحقق من أقوالها. وهذا يفرض بالضرورة قدراً من الحذر في التعامل مع شهاداتها.

لكن غياب الوجه لا يعني بالضرورة غياب القيمة الصحفية أو الفنية للشهادة، كما أن ظهور الوجه، ربما، لا يجعل الرواية صحيحة تلقائياً. حيث إن المعيار هو التحقق والمقارنة وتعدد المصادر والأدلة.

في الصحافة، قد يكون إخفاء هوية المصدر ضرورياً لحمايته. وفي السينما الوثائقية قد يكون الأمر مرتبطاً أيضاً بسلامة المشاركين في العمل. وفي الوقت نفسه، يظل من حق الجمهور، دائماً، أن يسأل عن المصادر والأدلة وأن يختبر الرواية المعروضة عليه، وهذا حق مشروع بطبيعته. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا لا نرى الوجه؟ لكن: ما الذي يمكن أن نتحقق منه مما يقوله هذا الوجه، أو هذا الصوت الذي اختار ألا يظهر؟

لا تملك السينما الحقيقة النهائية، لكنها تملك شيئاً آخر: القدرة على فتح مساحة أمام روايات قد لا تجد طريقها إلى المجال العام بالوسائل التقليدية. وهنا تكمن قيمة الفيلم الوثائقي، وخطره في الوقت نفسه.

لم أشاهد “نازا”، لكنني قرأت عنه الكثير من التعليقات والآراء. إنه فيلم يعيد ترتيب الصور والشهادات ويمنحها سياقاً، ثم يضعها أمام جمهور يستطيع أن يقبلها أو يرفضها أو يبحث في أدلتها.

لكن عندما تصبح السينما نفسها موضع ضغط بسبب الرواية التي تقدمها، فإن القضية تتجاوز الفيلم إلى حرية التعبير ذاتها.

ففي زمن الحرب، لا تصبح الأرض وحدها ساحة للصراع.

تصبح الذاكرة ساحة..

والصورة ساحة..

والشهادة ساحة..

والفيلم نفسه يصبح ساحة..

لكن الصوت يصبح رهينة وقت قد لا ينتهي..

والأخطر في التكنولوجيا العسكرية ليس فقط قدرتها على تسريع العمليات ذاتها، بل قدرتها على إنتاج لغة شديدة التجريد والفصل. حين نقول “هدفاً”، قد لا نرى بيتاً. وحين نقول “خسائر جانبية”، قد لا نرى عائلة. وحين يتحول الموت إلى خانة في جدول، يصبح من السهل أن ننسى أن خلف كل خانة حياة كاملة.

التكنولوجيا لا تلغي مسؤولية الإنسان؛ لكنها قد تزيد المسافة النفسية بين القرار ونتيجته. لهذا فإن السؤال الأخلاقي لا ينبغي أن يكون فقط: هل تستطيع الآلة أن تحدد الهدف؟ بل أيضاً: هل نستطيع نحن أن نرى الإنسان الذي تختزله الآلة إلى هدف؟

لهذا تبدو الضجة التي أثارها “نازا” أكبر من فيلم واحد فقط. فهو يضع أمام الجمهور رواية وشهادات عميقة، يواجهها الجيش الإسرائيلي برواية مضادة وتشكيك في مصادرها. وبين الروايتين يبقى حق الجمهور في السؤال، وحق الصحفي والفنان في البحث والتعبير، وحق المؤسسات في الرد والتفنيد والإصدار.

إن الدفاع عن حرية التعبير لا يعني تصديق كل ما يُقال، كما أن رفض رواية ما لا ينبغي أن يعني رفض حق أصحابها في عرضها. حيث يمكن للفيلم أن يكون منحازاً، ويمكن لشهاداته أن تكون ناقصة، ويمكن لروايته أن تخضع للنقد. لكن الرد على العمل الفني ينبغي أن يبدأ من مضمونه وأدلته، لا من محاولة إسكات أصحابه أو تخوينهم.

قد تتوقف الحروب يوماً، لكن آثارها ستبقى في الصور والشهادات والأفلام. وستبقى معركة الرواية مفتوحة، لأن من يملك القدرة على رواية الحرب يمتلك جزءاً من القدرة على تشكيل الذاكرة التي ستبقى بعدها.

ربما لا تكمن القضية الحقيقية في أن نتفق مع “نازا” أو نختلف معه. لكن القضية الأهم هي أن تبقى هناك مساحة نستطيع فيها أن نرى الوجه الآخر، ونسمع الشهادة الأخرى، ثم نختلف معها بالأدلة والحجة. فحرية التعبير لا تُختبر عندما نسمع ما نحب. إنما تُختبر عندما نسمع ما لا نريد سماعه.

في النهاية، ربما تكون هذه هي المعركة التي لا يجوز أن نخسرها.. حق الإنسان في أن يرى، ويسمع، ويسأل، حتى عندما تكون الإجابة غير مريحة.