لستُ لصَّ كُتبٍ، لكنَّني يومَها تمنيتُ أن أسرقَ كلَّ المخطُوطاتِ العربية الموجُودة في مكتبة الإسكوريال الإسبانية التي تبتعد عن العاصمة الإسبانية مدريد نحو خمسة وأربعين كيلو مترًا.
كان ذلك عام 2001، حين جئتُ للاحتفال بصدور مُختاراتٍ شعريةٍ لي عنوانها “مياهٌ في الأصابع” ترجمتها المستعربةُ الشهيرة ميلاجروس نوين (1951)، الأستاذة في جامعة كومبلتنسى، وكان من ضمن برنامج زياراتي مكتبة الإسكوريال الإسبانية: (El Escorial) التي يعودُ فضلُ بنائها إلى فيليب الثاني ملك إسبانيا (21 مايو 1527 – 13 سبتمبر 1598).
وقد رأيتُ مخطوطاتٍ نادرةً ليس لها نُسخٌ أخرى في مكتباتنا الوطنية العربية في القاهرة أو بغداد أو دمشق أو الرباط، على سبيل المثال لا الحصر، لعلماء عربٍ في القرون الوسطى (من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر الميلادي).
ابتسم مرشِدي إلى أسرار الإسكوريال في خجلٍ عندما أبديتُ رغبتي في سرقةِ المخطوطات جميعًا، فهو – وسواه – يُدركُ أنَّ ما في المكتبة مسرُوقٌ أو منهُوبٌ أو مُباعٌ “بتُراب الفلوس”، ففي أزمنة السُّقوط والهزائم تبكي العلوم والمعارف ويسيلُ الكثيرُ من حِبْر المخطوطات دمُوعًا على مصيرها ومصير أصحابها، مُدركةً أنَّ علمًا ضاع ومعارف فُقدتْ.
فالمخطوطات لا تسافرُ وإنَّما تُرحَّل، ولا تختارُ طريقها أو تعرفُ مصيرها، وإنما تختارُها الحرُوب والملوك والبحَّارة والمنفيُون واللصوص، ثم تمضي كأنَّها أرواحٌ من ورقٍ، من يدٍ إلى أخرى، ومن مدينةٍ إلى مدينةٍ، حتَّى تستقرَّ في مكانٍ لم يكُن لها في الأصل أن تكون فيه.
ولعلَّ مكتبةَ الإسكوريال واحدة من أكثر الأمكنة التي يمكنُ أن نتأمَّل عندها المصيرَ الغريبَ للمخطوط العربي، الذي خرج من قرطبة أو جاء من فاس ومراكش، أو عبر القاهرة حاملًا معه ذاكرة المشرق أو من غرناطة آخر الممالك التي سقطتْ في زمن أبي عبد الله الصغير، الذي غادر الأندلسَ إلى المغرب مستقرًّا في فاس، وكان قد سلَّمَ مملكتَهُ في الثاني من يناير 1492، وعاشَ بعدها واحدًا وأربعين عامًا يبكي على مُلْكٍ ضاع، حيثُ مات في سنة 1533.
والسُّؤال الذي ألحَّ وقتها عليَّ وما زال، من أين جاءت هذه المخطوطاتُ العربيةُ النادرةُ إلى الإسكوريال؟
هل كانت ممَّا تبقَّى من مكتبات الأندلس بعد سقوط غرناطة، أم أنَّ المغرب ومصر والمشرق وربَّما العراق، كان لها نصيبٌ أكبر في تكوين هذا الكنز؟
لكنَّني دخلتُ في نقاشٍ طويلٍ على مدار سنوات مع أخي وصديقي الكاتب الروائي الدكتور يوسف زيدان (1958)، وهو خبيرٌ في علوم التراث والمخطُوطات وقد اهتم بنشر كتابٍ صدر سنة 2002 من مكتبة الإسكندرية، حيثُ كان مسؤولًا كبيرًا بها ومن مؤسِّسيها، عن المخطوطات العربية في مكتبة الإسكوريال، والكتاب أعدَّه يوسف وأسماه “فهرس مخطوطات دير الإسكوريال (إسبانيا)” واهتم مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية بنشره، وهو المركز الذي أسَّسه يوسف ورأسه، وجاء في نحو 869 صفحة.
أقول بعد دراسةٍ وقراءةٍ في الوثائق التي أتيحت أمامي إنَّ الإسكوريال لم تستقبل مكتبةً عربيةً واحدةً، بل استقبلت طبقاتٍ من الكتب، جاءت من طرقٍ عديدةٍ، وفي أزمنةٍ مختلفةٍ. كان للأندلس حضور مبكر ومهم، ولا سيما من الكتب التي صُودرت من المسلمين في غرناطة ومن مجموعات الموريسكيين، كما جرى في القرن السادس عشر جمع كتب عربية من غرناطة وقرطبة.
وقد كُلِّفَ ألونسو ديل كاستيو سنة 1583 بالبحث عن الكتب العربية في غرناطة وقرطبة وشرائها، في وقت كان فيه فيليب الثاني يريد أن يجعل من الإسكوريال مكتبةً ملكيةً لا تقلُّ طموحًا عن مشروعه الإمبراطوري.
وألونسو ديل كاستيو كان مترجمًا وكاتبًا ومؤرِّخًا من الموريسكيين في غرناطة في القرن السادس عشر، ويُعد من الشخصيات المُهمَّة في تاريخ الأندلس بعد سقوط غرناطة، وُلد في غرناطة نحو 1520، وفي الأصل كان من عائلةٍ مسلمةٍ اعتنقت المسيحية ظاهريًّا، بعد سقوط غرناطة، ولذلك عُدّ من الموريسكيين، أتقن العربيةَ والقشتاليةَ، وعمل مترجمًا لدى السلطات الإسبانية، ومن أشهر أعماله ترجمة وثائق ونقوش عربية، كما شارك في أعمال مرتبطة بالوثائق العربية التي عُثر عليها في غرناطة.
وكان من أبرز المترجمين الذين استعانت بهم السلطاتُ الإسبانيةُ لفهم الوثائق العربية التي بقيت بعد سقوط المدينة، وتوفي فيها نحو 1610، بحسب ما تذكره بعض المصادر.
وهناك مكتبة السلطان السعدي مولاي زيدان “المغرب”، التي أسهمت في القسم العربي من المكتبة، إضافةً إلى كنوز الأندلس.
ففي سنة 1612، كانت كُتب السلطان المغربي مولاي زيدان في طريقها من المغرب على متن سفينةٍ فرنسية، حين وقعت في أيدي الإسبان. لم تكُن الغنيمة ذهبًا ولا فضَّة، وإنما كانت شيئًا أكثر بقاءً: آلاف المخطوطات، حيثُ استولت البحرية الإسبانية على السفينة، وانتقلت المجموعة إلى ملكية فيليب الثالث، ثم وصلت إلى الإسكوريال سنة 1614.
وكانت المجموعة السعدية تضمُّ أكثر من أربعة آلاف مُجلَّد، وإن كان جزءٌ كبيرٌ منها قد فُقد لاحقًا، ومنه ما احترق في حريق الإسكوريال سنة 1671.
كانت مكتبة مولاي زيدان وأبيه السلطان أحمد المنصور، مكتبةً إمبراطوريةً بالمعنى الثقافي للكلمة، حيثُ كان المغربيُّ يجمع مخطوطات المشرق، كما يجمع مخطوطات المغرب، وكانت القاهرة سوقًا رئيسةً مرَّت منها مخطوطاتٌ كثيرةٌ في طريقها إلى مراكش.
لقد رأيتُ في مكتبة الإسكوريال “قرآن مولاي زيدان”، المخطوط المعروف بالرقم العربي 1340، وقد نُسخ في مراكش سنة 1599، في عهد السلطان أحمد المنصور، والد مولاي زيدان، وهو ليس مجرَّد قرآن جميل الخط والزخرفة؛ لكنَّه شاهدٌ على لحظة التقاء المغرب بإسبانيا، وعلى الطريقة التي يمكن أن يتحول بها كتابٌ مُقدَّسٌ من قلب قصرٍ مراكشيٍّ إلى قطعةٍ من ذاكرةِ مكتبةٍ إسبانية.
إنَّ الكتابَ الذي وصل إلى الإسكوريال لم يصل وحده؛ وإنما وصل ومعه ظلال قرطبة، وغبار فاس، ورائحة القاهرة، وصوت بغداد البعيد، وقلق الموريسكي الذي كان يخفي كتابه كما يخفي الإنسان اسمه حين يخشى أن يُسلب منه.
أقول موصِّفًا الحال إنَّ الكتابَ العربي القديم لم يكن ساكنًا. كان يمشي، يُنسخ في مدينةٍ، ويُباع في أخرى، ويحمله طالبُ علمٍ، ويُورِّثه أميرٌ لابنه، ثم يستولي عليه جيشٌ، أو تشتريه سفينةٌ، أو تخطفه حربٌ، أو يحرقه صلاح الدين الأيوبي في القاهرة، أو يبيع المكتبات لأجل إطعام جنوده، ثم يُفتحُ له بابٌ جديد في مكان لا يعرف لغته، سواء أكانت الإسكوريال أم السُّليمانية في إسطنبول أو مكتبات قونية بجوار مقام جلال الدين الرومي.
قد تبدو الإسكوريال عندي مقبرةً فاخرةً للكتب، لكنها في حقيقتها ذاكرةٌ مُعلقةٌ بين ضِفَّتين في رفوفها بقي ما عجزت الحرُوب عن محوه، وبقيت العربية، لا بوصفها لغة ماضٍ غائبٍ، وإنما بوصفها أثرًا حيًّا في تاريخ المعرفة الإنسانية.
هناك خلف الحجر الإسباني، ما زالت كتبُ الأندلس تتنفَّسُ إلى جوار كتب المغرب، وما جاءت به القاهرة من المشرق، وما عبر البحار من مكتبات السلاطين.
الكتابُ مثل الإنسان، يظنُّ أنَّ له وطنًا، ثم تكتشف الأيام أنَّ الأوطانَ كثيرةٌ، وأنَّ الورقةَ يمكنُ أن تعبر البحرَ أكثر مما يستطيعُ الجسد.
فالكتاب العربي عاشَ مُسافرًا بطبيعته؛ حيثُ يولد في القاهرة، فيحطُّ في فاس، ويُنسخُ في دمشق، فيُقرأ في مراكش، ويخرج من مكتبة عالمٍ في المشرق، فيدخل خِزانةَ سلطانٍ في المغرب، وقد تكشف الكتابة الصغيرة على هوامش المخطوط، أو ختم الملكية، أو عبارة الشِّراء، عن هذه الرحلة أكثر مما يكشفُها متنُ الكتاب نفسه.
وما يحزنني حقًّا أن أكثر من سبعين في المائة من نحو 1900 مخطوط عربي محفوظ في الإسكوريال كانت، في وقت من الأوقات، ملكًا لمولاي زيدان، وهذا رقم يغيِّر الطريقة التي ننظرُ بها إلى القسم العربي من الإسكوريال، إذْ إنَّ المغرب لم يكُن مصدرًا جانبيًّا لهذه الخِزانة، بل كان قلبًا أساسيًّا من قلوبها.
وما يؤلم أيضًا أنه في ليلة الثامن من يونيو سنة 1671 اندلع حريقٌ في الإسكوريال، فأكلت النار جانبًا كبيرًا من المخطوطات، وكان في المكتبة قبل الحريق آلاف الكتب العربية ولم يتبق إلا نحو ألفيْ مخطوط تقريبًا.
هكذا لم يكتف البحرُ باقتطاع الكُتب من صاحبها، بل جاءت النَّار لاحقًا لتقتطعَ منها ما تبقَّى من ذاكرتها.
ولعلَّ أكثر ما يوجعُ في تاريخ المكتبات أنَّ الكتابَ يمكنُ أن ينجوَ من الحرب ثم يمُوتُ في الحريق؛ وأن يعبرَ البحرَ ثم لا يعبر غرفةً واحدة، ومع ذلك يبقى ما نجَا كافيًا ليقولَ لنا شيئًا عن العالم الذي خرج منهُ.







