في مشهد كان يصعب تصوره قبل سنوات قليلة، نقل سكان من مناطق خاضعة لسيطرة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي، أن مقاتلي الجماعة لم يعودوا يلاحقون مباريات كرة القدم أو يمنعون استخدام الهواتف الذكية العاملة بنظام أندرويد كما كان الحال في مراحل سابقة.
جاءت هذه الشهادات في تحقيق نشرته وكالة “رويترز” عن سكان محليين قولهم، إن الجماعة المرتبطة بتنظيم القاعدة أصبحت أكثر تسامحاً مع بعض المظاهر الاجتماعية التي كانت تعتبرها سابقاً مخالفة لتصوراتها الدينية، في وقت تواصل فيه توسيع نفوذها على مساحات واسعة من وسط وشمال مالي.
لا يتعلق الأمر، بحسب مراقبين، بتغيير في العقيدة أو تخلي الجماعة عن مشروعها السياسي والعسكري، بل بتطور في أسلوب الإدارة والحكم بعد سنوات من التوسع الميداني.
من سلطة العقاب إلى سلطة الإدارة
عندما سيطرت الجماعات الجهادية على مدن شمال مالي عام 2012، ارتبط اسمها بحظر الموسيقى وإغلاق الملاعب ومنع الاحتفالات وفرض عقوبات صارمة على المخالفين. لكن المشهد اليوم يبدو مختلفاً في كثير من المناطق الريفية التي تسيطر عليها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
فبدلاً من التركيز الحصري على العقاب، أصبحت الجماعة تعمل على إدارة النزاعات المحلية بين الرعاة والمزارعين، وفرض الضرائب، وتأمين بعض طرق التجارة، والتدخل في الخلافات العقارية والعشائرية، وهي وظائف كانت تمثل تقليدياً اختصاص الدولة.
ويرى باحثون في شؤون الساحل أن التنظيم يسعى تدريجياً إلى بناء شرعية محلية قائمة على توفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات والعدالة السريعة، خصوصاً في المناطق التي تراجع فيها حضور الدولة المالية.
في هذا السياق، تبدو المرونة تجاه كرة القدم أو الهواتف الذكية جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى تجنب الصدام مع الحياة اليومية للسكان، طالما أنها لا تمثل تهديداً مباشراً لسلطة الجماعة.
قمصان برشلونة وباريس سان جيرمان
خلال السنوات الأخيرة، ظهرت في إصدارات دعائية وصور ميدانية متعددة عناصر من الجماعة وهم يرتدون قمصان أندية أوروبية شهيرة، بينها برشلونة وباريس سان جيرمان وأندية أخرى.
رغم أن هذه المشاهد قد تبدو هامشية، فإنها تعكس جانباً من التحول الذي شهدته التنظيمات المسلحة في الساحل، إذ لم تعد تسعى إلى عزل نفسها بالكامل عن البيئة الاجتماعية المحيطة، بل تحاول الاندماج فيها وكسب حاضنة محلية أوسع.
ويشير محللون إلى أن المقاتلين أنفسهم ينتمون إلى مجتمعات محلية تتفاعل يومياً مع العالم الخارجي عبر الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، ما يجعل فرض نمط انعزالي صارم أكثر صعوبة من السابق.
كما أن الجماعة تدرك أن المنافسة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة على كسب العقول والولاءات داخل المجتمعات المحلية التي أنهكتها الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد.
“ستارلينك” والحرب الرقمية
المفارقة الأبرز أن الجماعة التي تصنف ضمن أكثر الحركات الجهادية تشدداً في إفريقيا تعد أيضاً من أكثرها تقدماً في استخدام التكنولوجيا الحديثة.
خلال السنوات الأخيرة، وثقت تقارير أمنية وبحثية استخدام الجماعات المسلحة في الساحل لأجهزة اتصال متطورة وخدمات الإنترنت الفضائي، بما فيها محطات “ستارلينك” في بعض المناطق النائية التي يصعب الوصول إليها.
كما تمتلك “نصرة الإسلام والمسلمين” منظومة إعلامية متطورة نسبياً مقارنة بمعظم الجماعات المسلحة في المنطقة، تشمل إنتاج مقاطع فيديو عالية الجودة، وتصويراً بالطائرات المسيّرة، واستخداماً واسعاً لمنصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل المشفرة.
حرب نفسية
يعتبر خبراء الأمن أن هذه الأدوات أصبحت جزءاً أساسياً من الحرب النفسية التي تخوضها الجماعة، سواء عبر بث مشاهد الهجمات والكمائن أو عبر إظهار قدرتها على الحشد والتحرك بحرية في مناطق واسعة من البلاد.
ويظهر ذلك بوضوح في الفيديو الذي نشرته الجماعة في يونيو/حزيران 2026، والذي عرض تجمعات كبيرة لمقاتليها واستعدادات لعمليات قالت إنها وشيكة، في رسالة موجهة إلى خصومها المحليين وحلفائهم الروس، وإلى السكان المحليين في الوقت نفسه.
وفي نظر كثير من المراقبين، فإن الجماعة لا تحاول فقط السيطرة على الأرض، بل تسعى أيضاً إلى تقديم نفسها كسلطة حكم بديلة قادرة على إدارة المناطق الخاضعة لنفوذها. ومن هنا يصبح السماح بكرة القدم أو استخدام هواتف أندرويد أقل ارتباطاً بالمرونة الاجتماعية، وأكثر تداخلاً بحسابات السلطة والبقاء الطويل، في نموذج يجمع بين راية القاعدة وأدوات الدولة الحديثة.















